البث المباشر الراديو 9090
الأزمة الاقتصادية فى لبنان
تتصاعد الأحداث فى لبنان بشكل غير مسبوق، وإلى جانب أزمة اقتصادية غير مسبوقة، تتجه الحياة السياسية والأمنية فى لبنان إلى طريق غامض وغير واضح المعالم.    

«مبتدا» حاور إعلاميين وسياسيين لبنانين بارزين فى محاولة للوقوف على حقيقة المشهد داخل لبنان، ورسم خارطة للسيناريوهات المتوقعة فى الحياة السياسية اللبنانية.

قسوة الأزمة فى لبنان

وتؤكد الصحفية اللبنانية حنان حمدان، على قسوة الأزمة الراهنة التى يعيشها اللبنانيون، من إنقطاع الدواء وشح الوقود وتقنين استهلاك الكهرباء التى يصل انقطاعها الى 22 ساعة فى اليوم، وتدهور قيمة الليرة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وعدم توفر أبسط المستلزمات والإحتياجات الأساسية، حتى أن الطبابة باتت رفاهية زائدة وغير متوفرة للجميع، على حد وصفها للمشهد.

وفى تصريحاتها لـ«مبتد»، قالت حمدان، إنه برغم كل هذه الأزمات التى أوجعت اللبنانيين وتسببت بموت أطفال وتجويع فقراء، مازالت الأطراف السياسية منغمسون فى خلافاتهم حول السلطة، وهو ما حال دون تشكيل حكومة جديدة، وتركزت أبرز هذه الخلافات حول حق تسمية الوزراء المسيحيين.

فقدان الثقة بالطبقة الحاكمة

وأكدت حمدان على أن هذه الصورة المختصرة عن واقع العيش المأزوم فى لبنان، أدت إلى فقدان ثقة الناس بالسلطة السياسية الحاكمة، فالجميع يقر بغياب أى أفق للحل فى الوقت الراهن، وبأننا ذاهبون الى المجهول، فالأمور باتت معقدة والجميع يترقب ما ستحمله لنا الأيام المقبلة، أما السلطة السياسية فإنها تراهن على تعود اللبنانيين على كل هذه الأزمات من وقف الدعم للسلع الأساسية وارتفاع الأسعار وفقدان الدواء والموت على أبواب المستشفيات والعيش بدون كهرباء وحجز أموال المودعين فى المصارف وتقييد سحوباتهم.

وفيما يخص عملية تشكيل الحكومة، قالت حنان حمدان، إن هناك شبه إجماع لدى خبراء الإقتصاد بأن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية الصعبة ستستمر فى لبنان لعدة سنوات مقبلة، لاسيما فى ظل الإنهيار الإقتصادى الكبير حاليًا، إلا أن البعض كان يتأمل فى أن تشكيل حكومة قد يساهم فى وقف هذا الإنهيار، أملاً فى عدم السماح بتفاقم أكثر للأمور.

الأزمة الاقتصادية فى لبنان

اعتذار الحرير فاقم الأزمة

كما نوهت حنان حمدان إلى أن لبنان يشهد منذ نوفمبر عام 2019، أسوأ أزمة مالية وإقتصادية، وهى إحدى أشد ثلاث أزمات منذ منتصف القرن التاسع عشر بحسب البنك الدولى.

وأوضحت أن اعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريرى، قبل يومين، جاء بعد تسعة اشهر من المماطلة بين الحريرى ورئيس الجمهورية ميشيل عون، ومن خلفه رئيس التيار الوطنى الحر (وصهره) جبران باسيل، معتبرة أن ذلك دليل على أنه لم يكن هناك أى نية لتشكيل حكومة، وأن جميع الأزمات التى تعصف باللبنانيين لم تشكل حافزاً للأطراف السياسية من أجل تسريع هذا التشكيل.

وتابعت، أنه "ولا حتى الجهود الدولية التى يرى البعض أنها أكسبت من هم فى السلطة وقتاً إضافياً للمماطلة أكثر."

وأضافت، أن لبنان شهد قفزة كبيرة فى سعر صرف الدولار فى السوق السوداء بمجرد إعلان الرئيس الحريرى إعتذاره، حيث تجاوز سعره الـ23 ألف ليرة لبنانية، وهناك توقعات بأن يقفز أكثر فى حال إستمر الوضع فى لبنان على ما هو عليه.

الأزمة الاقتصادية فى لبنان

منلا: جيل لبنانى متحرر من الطائفية

بينما يرى هادى منلا، الناشط السياسى وعضو الهيئة التأسيسية للمرصد الشعبى فى لبنان، الصورة بصورة أكثر تفاؤلاً، مؤكدًا أن التغيير الشامل قادم، ولن يطول انتظاره، لأنه هناك جيل من الشباب فى لبنان معلم ومثقف ومفتح على العالم، والأهم أنهم متحررين بالكامل من أحزاب السلطة والحقد الطائفى الدفين الموجود فى لبنان، والذى زادته الحرب الأهلية من عام 1975 حتى التسعينات.

واعتبر هادى منلا أنه من الممكن إنقاذ لبنان اقتصاديًا فى القريب العاجل، خصوصًا أن لبنان بلد صغير واقتصاده صغير، وبالتالى يمكن الدفع نحو إنقاذه سريعًا، خصوصا إذا تم التخلى عن الأنماط الاقتصادية القائمة، وتم عمل إصلاحات لوقف الهدر والفساد داخل مصالح الدولة بكل قطاعاتها، وبمساعدات خارجية يمكن الخروج من هذه الأزمة.

حكومة انتقالية من خارج أحزاب السلطة

وبخصوص تشكيل الحكومة، يرى هادى منلا أنه ثورة 17 أكتوبر 2019، أكدت ومازالت تؤكد على أن هذه السلطة باتت عاجزة عن قيادة لبنان وتشكيل حكومة، لافتًا إلى أن علاقاتهم مع بعضهم البعض كانت تقوم على المحاصصة والزبائنية، وتخاصص المشاريع داخل إدارة الدولة، معتبرًا أن اعتذار الحريرى هو تأكيد اما طرحه الشباب فى ثورتهم عن عجز الحكومة عن تشكيل حكومة، وأنه لم يعد هناك اثنين قادرين على المحاصصة فيما بينهم.

ويرى عضو الهيئة التأسيسية للمرصد الشعبى، أن الحل لأزمة الحكومة هو إيجاد حكومة انتقالية من خارج أحزاب السلطة تمامًا، مؤكدًا أن أولى مهام هذه الحكومة ستكون عمل تدقيق جنائى داخل مصرف لبنان، وكل مؤسسات الدولة، وعمل قانون لمحاسبة كل من ارتكب هذه الجرائم بحق لبنان، إضافة إلى تحقيق شفاف حول انفجار مرفأ بيروت الذى اقتربت ذكراه الأولى، معتبرًا أن هذه الأقطاب السياسية لا تستطيع عمل مثل هذا التحقيق الذى يمكن أن يدينهم لأنهم متورطين.

وأضاف أن السيناريوهات المرتقبة، هو أن الرئيس سيقوم بعمل استشارات نيابية لاختيار رئيس وزراء جديد بعد اعتذار الحريرى، متوقعًا أن النتيجة ستكون نفس الشئ، وأنه لن يستطيع أحدًا منهم التصدى لمهمة تشكيل الحكومة، مضيفًا أنهم جميعًا يتركون المسألة لوقت الانتخابات النيابية التى سيأتى من خلالها تحديد السلطة السياسية، ما يؤكد أنهم أفلسوا فى التوصل لحل.

الأزمة الاقتصادية فى لبنان

سكرية: أمور معقدة

ومن جانبه، أكد الدكتور إسماعيل سكرية، البرلمانى السابق، ورئيس الهيئة الوطنية الصحية "الصحة حق وكرامة"، أن الأمور باتت معقدة فى لبنان، ولايبدو فى الأفق بارقة أمل واضحة، وهناك شبه عجز عن إنتاج حل وإنتاج حكومة من قبل السياسيين المعنيين، كما أن التدخلات الخارجية ليست بذات الزخم أو موحدة الرأى حتى تنتح هذه الحكومة.

وأضاف سكرية، أن لبنان اعتاد تاريخيا أن يكون هناك مساعدة من المجتمع الخارجى، إلا أن المساعدة الخارجية الآن لا تستطيع إنتاج رأى موحد ينتج حكومة أو يسهل حلول، علاوة على أن اللاعبين السياسيين الداخلين الذين كانوا يمتلكون قدرة على إنتاج حل تعقدت الأمور، وخاصة انه صارت بالحسبان حسابات لفترة رئاسة الجمهورية بعد 3 شهور، وانتخابات البرلمانية المتوقعة بعد 9 شهور.

الأزمة الاقتصادية فى لبنان

جهود أوروبية وعربية تتلاقى لأجل لبنان

وترى الإعلامية اللبنانية نجاة الجميل، أن المشهد اللبنانى حاليًا يعول على المساعى الدولية الكثيرة التى تبذل لأجل تشكيل حكومة والدفع باتجاه استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس حكومة قادر على تشكيل حكومة جديدة، خصوصًا بعد اعتذار الرئيس سعد الحريرى، قبل يومين تقريبًا.

وأوضحت جميلى أن الجهود الأوروبية والغربية تتلاقى مع جهود عربية مخلصة، وفى طليعتها مصر التى تشدد وتدخل بقوة على خط إنهاء الأزمة فى لبنان، على الرغم من العراقيل الكثيرة التى تحول دون ذلك.

ونوهت إلى أن الأفق لا يبدو مفتوحًا أمام حلول مرتقبة فى المدى القريب، موضحة أن العيون تتجه حاليًا إلى الانتخابات النيابية المرتقبة فى مايو المقبل، وأن كل الجهود تصب فى اتجاه عدم التأخير فى هذه الانتخابات، وذلك من خلال ضغوط دولية تُمارس على الفرقاء اللبنانيين لمنع أى محاولة للتفكير فى تأخير هذه الانتخابات لأى سبب، خاصة وأن البلد لم يعد يحتمل المزيد من المماطلة فى الكثير من الحلول.

الحريرى إلى صفوف المعارضة

واعتبرت جميلى أن الرئيس الحريرى صوب لأول مرة على حزب الله والعرقلة عندما أعلن اعتذاره عن تشكيل الحكومة هذه المرة، إذ اعتبر ضمنا أن حزب الله لم يسهل ولم يضغط على حليفيه ميشيل عون وجبران باسيل، باتجاه تشكيل الحكومة، وهذا يعنى أن الحريرى سينتقل إلى صفوف المعارضة، ولكن لم يتبلور بعد الشكل الذى سيكون عليه هذه المعارضة.

مظاهرات لبنان

سيناريوهات المهمة الصعبة

وأوضحت أن السيناريوهات المرتقبة ستكون إما بقاء حكومة حسان دياب الحالية لحين إجراء الانتخابات النيابية، لأنه يبدو أنه لم يكن هناك أى توافق بين أى منهم لتشكيل الحكومة.

وتابعت: سعد الحريرى لم يكن يريدها، وحزب الله لم يكن يريدها بالتأكيد، وميشيل عون لم يكن يريدها إلا بالشكل الذى يقوض عمل الحكومة ويجعلها أسيرة القرارات الرئاسية.

وفى هذا الصدد، أشارت جميلى إلى تصريحات الرئيس الحريرى فى مقابلته بقناة الغد، وأنه لن يسمى رئيسا للحكومة، وإذا كان تيار المستقبل لم يسمى رئيسا للحكومة، فمعناه أن المهمة باتت أصعب، لأنه تيار المستقبل هو أكبر كتلة برلمانية، وإذا لم يسمى الرئيس فهذا يعنى أن المهمة باتت أكثر صعوبة.

خطى ثابتة فى جهنم

وأضافت جميلى أنه لا أفق إيجابى حتى الساعة لمسألة تشكيل الحكومة، معتبرة أن اللبنانيين يسيرون بخطى ثابتة فى جهنم فى ظل تأزم الحالة المعيشية، لافتة إلى حالة من الغضب تسود فى الشارع اللبنانى، وسط مخاوف من تأزم الوضع الأمنى أيضًا فى بلد تحكمه الطائفية.

وبحسب جميلى، يتوقع المراقبون ألا يكون هناك حلول جدية إلا بعد إجراء انتخابات نيابية ورئاسية.

وتابعت: "حزب الله يهمه آلا تكون هناك حكومة، وإذا لم تعالج مشكلة حزب الله فى لبنان، سنبقى بنفس الدوامة"، لافتة أيضًا إلى أن لبنان أصبح ورقة إيرانية للمساومة فى مفاوضات فيينا الخاصة بالاتفاق النووى الإيرانى.

احتجاجات لبنان

فشل متعمد وحلقة مفرغة

وهنا تجدد حنان حمدان، التأكيد على وجهة نظر فى الشارع اللبنانى تقول إن عدم تشكيل الحكومة هو فشل متعمد غير واضح المعالم، حتى أن البعض يجد أن هناك إتفاقاً ضمنياً بين الأطراف السياسية لعدم تشكيل الحكومة الى حين حصول توافق خارجى على عكس الموقف المعلن والذى يوحى بأن هناك خلاف حول تسمية وزراء مسيحيين بين الأطراف المعنية فى الداخل.

وحذرت من أن الأمور باتت معقدة أكثر والجميع يترقب، مضيفة أنه على رئيس الجمهورية أن يقوم الآن باستشارات نيابية ملزمة لاختيار مرشح جديد لتشكيل الحكومة، وبالتالى فالموضوع مفتوح على كل الإحتمالات، لا أحد يعلم ماذا سيجرى فى الأسابيع المقبلة، وربما الأشهر المقبلة.

وطرحت حمدان تساؤلاً: "هل سنعود الى مرحلة إستقالة الحريرى حين تم ترشيح أسماء عدة شخصيات وتمّ حرق أسمائها؟"

وأضافت: "فى الواقع، غالبية الشعب اللبنانى ليس متفائلاً حيال ما ستؤول اليه الأمور والبعض يرى أن الإستشارات لن تكون سريعة لحين إخراج توليفة ما، وبالتالى الوضع سيدور فى حلقة مفرغة".

ذكرى انفجار مرفأ بيروت

وأضافت أنه على المستوى الإجتماعى والمعيشى، الجميع يرى أن الأزمة ستشتد، وأننا مقبلون على ما هو أسوأ، إذ يستحيل أن ينتج النظام القائم بعقليته وأدواته أى حل للأزمة الراهنة المرشحة للتفاقم مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت الّذى دمر الأحياء المجاورة له، وتسبب بموت أكثر من مئتى شخص وإصابة أكثر من 6 آلاف شخص.

حريق مرفأ بيروت

مخاوف الانقلات الأمنى

وحذرت حنان حمدان من مخاوف كبيرة لدى اللبنانيين من  الانفلات الأمنى المتوقع فى المرحلة المقبلة نتيجة تردى الأوضاع المعيشية فى البلاد، وعدم قدرة الناس على تأمين أبسط حقوقها كالغذاء، ما سيؤدى حتماً الى كثرة الجريمة وحوادث السرقة والنشل، وفى هذا السياق يتوقع على المستوى الدولى أن يقدم مساعدات إغاثية للمقيمين فى لبنان والتى ستخفف من وطأة الأزمة عليهم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً