نص كلمة أبو الغيط فى جلسة الحوار بين أعضاء مجلس الأمن والجامعة العربية
وجاء نص الكلمة :
السيد الرئيس..
أود بداية أن أتوجه بالشكر لتونس على المبادرة بالدعوة إلى عقد هذا الاجتماع المهم الذى يمثل حلقة فى سلسلة مستمرة، ومتواصلة من التعاون والتنسيق بين منظمتنا الإقليمية، الجامعة العربية، والمنظمة الأممية.. كما أشكر أعضاء المجلس الحاضرين معنا اليوم لإجراء هذا النقاش المهم حول قضايا المنطقة العربية وأزماتها.. وإمكانيات التعاون والتنسيق بين النطاقين الإقليمى والأممى، من أجل تعامل أفضل وأكثر شمولا مع هذه الأزمات.
وأقول بداية إن أزمات منطقتنا، وللأسف، قد طال أمدها وتعقدت مساراتها إلى حد أن احدى تلك الأزمات -الأزمة السورية- قد أصبحت اليوم أزمة اللاجئين الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية... وأزمة أخرى -الأزمة اليمنية- صارت الكارثة الإنسانية الأكبر والأشد خطرا فى عالم اليوم... أقول هذا لأشير إلى أننا نتعامل، فى واقع الأمر، مع أوضاع استثنائية.. ومع مرحلة غير مسبوقة انفجرت خلالها أزمات متتابعة ومتلاحقة ومتداخلة فى المنطقة العربية.
وبشكل عام.. لا زالت الجامعة العربية ترى أن لا حل عسكريا لأى من الأزمات القائمة.. كان هذا اقتناعنا من البداية إلى اليوم.. وهو أيضا الموقف الذى تعبر عنه الأمم المتحدة ومبعوثوها إلى دول الأزمات العربية.. وقد أثبتت تجربة السنوات العشر الماضية استحالة الحل العسكرى.. واستحالة فرض واقع جديد بالقوة والإجبار على السكان.. ومن ثم حتمية الحل السياسى.. وتظل المشكلة هى أن الأطراف جميعها لم تصل بعد إلى هذا الإدراك.. وأنه ما زال لدى البعض أوهام باحتمال تحقيق حسم عسكرى ما.. وترجمته إلى واقع سياسى جديد.
هذا هو واقع الحال فى اليمن على سبيل المثال.. إذ لا زال الطرف الحوثى يصر على مواصلة القتال برغم ما وصلت إليها الأوضاع الإنسانية والصحية والغذائية فى هذا البلد من ترد كارثى.. إن جماعة الحوثيين لم تستجب لمبادرات مختلفة.. بعض هذه المبادرات أطلقتها الأمم المتحدة (مثل عملية استوكهولم وما نتج عنها من اتفاق الحديدة).. وبعضها أطلقه تحالف دعم الشرعية وآخرها فى مارس الماضى.. حيث جرى الحديث عن وقف شامل لإطلاق النار والدخول فى محادثات سياسية تستجيب لشواغل كافة الأطراف.. بمن فيها الطرف الحوثى نفسه.. وللأسف فإن هذا الطرف ما زالت تحركه أجندات غير يمنية.. ويتصور أن بإمكانه فرض سيطرته الكاملة على اليمن كله بالقوة.
وفى سوريا.. وبعد عشر سنوات من حرب أهلية مدمرة.. ومئات الآلاف من الضحايا وملايين اللاجئين والنازحين.. ما زالت التسوية السياسية تراوح مكانها.. والجهود المتواصلة للمبعوث الأممى من أجل عقد لجنة دستورية، تجمع الحكومة والمعارضة، لا تحرز اختراقا واضحا.. إن التسوية السياسية المطلوبة فى سوريا تقتضى، كما نرى، توافقا دوليا بين الأطراف ذات التأثير فى الأزمة.. وإن الجامعة العربية ترى أن بقاء سوريا كدولة موحدة، ذات سيادة على كامل ترابها الوطنى، يعد مبدأ أساسيا فى أية تسوية.. كما لا يمكن ولا ينبغى، أن تتجاهل هذه التسوية المفترضة تطلعات وآمال وطموحات كافة أبناء الشعب السورى، سواء المقيمين داخل الوطن أو المشتتين خارجه.
وفى ليبيا.. نقف اليوم على أعتاب تاريخ حاسم هو 24 ديسمبر القادم.. تاريخ عقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى البلاد.. إن الجامعة العربية تثمن حالة التوافق الدولى والإقليمى التى جعلت مسار التسوية السياسية ممكنا فى ليبيا.. ونتطلع إلى استكمال المسار.. الذى نشدد على أنه يعتمد فى الأساس على إرادة الليبيين أنفسهم، أصحاب البلد الذين يملكون مسار ومصير العملية السياسية.. ونشير هنا إلى ما تمثله تجربة العمل الدولى بشأن الأزمة الليبية من نموذج إيجابى لتعاون بناء بين شركاء أربع: الجامعة العربية والاتحاد الإفريقى والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى.. كما نشيرإلى محورية عملية برلين.. إننا نؤيد عمل حكومة الوحدة الوطنية وجهودها كما نؤيد مجلس النواب وجهوده.. ونطالب الجميع بإعلاء المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.. ونؤكد أن المسار السياسى لابد وأن يرافقه ويصاحبه تطور فى الأوضاع الأمنية يضمن إنهاء التواجد العسكرى الأجنبى وخروج كافة المقاتلين الأجانب والمرتزقة والقوات الأجنبية.. باعتبار ذلك ضمانة أساسية لاستكمال المرحلة الانتقالية فى ليبيا، وأيضا للاستقرار الشامل فى هذه المنطقة.
السيد الرئيس،
لازالت القضية الفلسطينية تمثل مصدرا دائما لانعدام الاستقرار فى منطقتنا.. وقد أثبتت السنوات الماضية أن معالجة القضية بمنهج خاطئ أو منحاز لن يكون من شأنه سوى إضاعة المزيد من الوقت وسقوط الضحايا الأبرياء.. كما كشفت الاعتداءات الإسرائيلية فى مايو الماضى عن وجه قبيح للاحتلال لم يعد له مكان فى عالمنا المعاصر.. لقد كشفت هذه الاعتداءات كذلك عن وهم استقرار الوضع القائم.. فلم يحدث أبدا أن استقر احتلال أو قبل سكان تحت الاحتلال ببقائهم فى هذا الوضع.
إن انطلاق العملية السياسية لا يمكن أن يظل مرهونا بإرادة الطرف المحتل.. كما أن أفق العملية السياسية لا يمكن أن يظل مقصورا على تحسين شروط الاحتلال.. إن دور مجلس الأمن يعد جوهريا فى هذا الصدد.. فنحن نفضل أن يكون إطلاق العملية السياسية المنشودة بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية دولية.. وبدعم من الدول الأعضاء فى مجلس الأمن.. فمحددات التسوية النهائية منصوص عليها فى قرارات أممية.. مثل القرار 2334 الذى سبق وأن توصل إليه مجلس الأمن بالإجماع فى عام 2016.. والذى يطالب إسرائيل بالوقف الفورى للأنشطة الاستيطانية فى الأراضى المحتلة، بما فى ذلك فى القدس الشرقية.. لقد آن أوان الانتقال من منهج إدارة هذا الصراع إلى منهج العمل على حله.. فالبديل عن تسوية تقوم على حل الدولتين هو استمرار الوضع القائم حاليا.. أى دولة واحدة تقوم على نظام من التمييز العنصرى الفاضح والمشين ضد ملايين البشر.. إنه وضع يستحيل الدفاع عنه سياسيا أو أخلاقيا.
السيدات والسادة
أشير أخيرا إلى موقف الجامعة العربية من المفاوضات المفترضة مع إيران حول برنامجها النووى.. إننا نشدد على أن الشواغل العربية حيال هذه المسألة الهامة، والتى تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها، لابد أن تؤخذ فى الاعتبار.. وعلى رأس هذه الشواغل ما يتعلق بسياسات إيران فى الإقليم وتدخلاتها المختلفة فى مناطق الأزمات على نحو أسهم فى تأجيجها وإطالة أمدها.. وأيضا برنامج إيران للصواريخ الباليستية والمخالف لقرار مجلس الأمن الدولى رقم 2331 (لعام 2016).. والذى يمثل تهديدا خطيرا على الأمن الإقليمى من وجهة النظر العربية.
إن أزمات المنطقة لا ينبغى أن تكون دافعا لليأس من أوضاعها.. بل حافزا لعمل أكبر من أجل معالجة هذه الأزمات بروح من الشراكة بين المنظمات الإقليمية والمنظمة الأممية.
وفى هذا السياق، فإننى أثمن عمل المبعوثين الأمميين إلى بلدان الأزمات فى منطقتنا.. ونحن حريصون على استمرارالشراكة والتنسيق معهم.. الذى أعتبره ركيزة مهمة لا غنى عنها من أجل العمل على إيجاد حلول للأزمات القائمة ومعالجة آثارها المختلفة.