بريطانيا
بريكست وكورونا.. مشاهد فوضوية
وبحسب وكالة "رويترز" الإخبارية، فقد أُنهكت سلاسل الإمداد المختلفة فى بريطانيا، من البنزين إلى الدواجن، والأدوية والحليب، وصولاً إلى الانهيارفى ظل غياب الوقود، بسبب نقص العمالة الذى أعقب أزمتى الانفصال عن الاتحاد الأوروبى فيما يعرف باسم "بريكست"، وجائحة كورونا.
وبحسب الوكالة، تسبب الذعر الشعبى فى ظل نقص سائقى الشاحنات إلى إقبال شعبى على الشراء المكثف للوقود، الأمر الذى أدى بدوره إلى مشاهد فوضوية في مدن رئيسية خلال الأسبوع الماضى، مع توقف صفوف من السائقين لملء خزانات سياراتهم.
واشتبك البعض بالأيدى من أجل الحصول على مضخات البنزين، فى حين خزن آخرون الوقود فى زجاجات مياه قديمة.

القادم أسوأ
وحسبما نقلت صحيفة "ميل أون صنداى" البريطانية، يحذر خبراء صناعة المواد الغذائية المستهلكين من أن القادم أسوأ بكثير، مطالبين المواطنين بالاستعداد لزيادة قد تصل إلى "أربعة أو خمسة فى المئة" فى أسعار الغذاء بحلول نهاية نوفمبر المقبل، تليها زيادة مماثلة فى يناير اللاحق.
وبحسب الصحيفة، يقول ديفيد سابلز، خبير صناعة الأغذية الذى يساعد الموردين فى التفاوض مع الشركات الكبرى، إن المجموعة الأولى من زيادات الأسعار كانت مرتبطة بارتفاع تكلفة السلع والمواد الخام والعمالة فى الأشهر الأخيرة، محذرًا من آثار أزمة الغاز الحالية ونقص سائقى الشاحنات، ونقص ثانى أكسيد الكربون الذى يستخدم فى عملية إنتاج الأغذية، بما فى ذلك أكياس السلطة وتغليف اللحوم.
ضغوط مهدت الطريق للأزمة
واعتبر سابلز أن الضغوط الأخيرة على الاقتصاد مهدت الطريق لمجموعة ثانية من الزيادات فى الأسعار، والتى من المقرر أن تضرب المستهلكين فى العام الجديد، واتفق معه فى هذا التقييم أحد المدراء التنفيذيين، مؤكدًا توقعات بارتفاع التضخم فى بريطانيا إلى "الضعف أو الثلاث أضعاف" عن التضخم الحالى الذى بلغ 3.2%.
وتشير الصحيفة إلى ارتفاع أسعار المستهلكين بأكبر قدر على الإطلاق فى العام المنتهى فى أغسطس، حيث سلط الاقتصاديون الضوء على تضخم أسعار المواد الغذائية كسبب رئيسى.
وأشارت "ميل أون صنداى" كذلك إلى ارتفاع فواتير الغاز التى أجبرت بعض الموردين على الإغلاق. وتحذيرات وردت قبل أسبوعين بأن المتسوقين سيواجهون ارتفاع الأسعار بنحو خمسة فى المائة قبل عيد الميلاد.

أزمة جزارين
واجتاحت رياح الفوضى فى بريطانيا بعض القطاعات الاقتصادية بسبب نقص العمالة فى أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى وجائحة كورونا، وتعطل تسليم الوقود والأدوية. وتكدّس 150 ألف خنزير فى المزارع فى انتظار مصيرها، إما الذبح أو الإعدام.
ورغم تأكيد الوزراء البريطانيين منذ أيام على أن الأزمة فى طريقها للانحسار أو انتهت بالفعل، إلا أن تجار التجزئة يقولون إن أكثر من 2000 محطة وقود لا تزال خالية تماما من المحروقات.
منعطف جونسون الدراماتيكى
بينما تعتبر صحيفة "الجارديان" البريطانية، أن حكومة بوريس جونسون، اتخذت منعطفاً دراماتيكيًا فى محاولاتها لإنقاذ عيد الميلاد من تفاقم أزمة الوقود، فأصدرت مجموعة من تأشيرات الطوارئ الممتدة للمساعدة فى تخفيف نقص العمالة الذى أدى بدوره إلى تأخر توصيل المنتجات إلى المتاجر، وتسبب فى فراغ الأرفف تزامنًا مع استمرار قوائم الانتظار فى محطات الوقود، وهو أمر زاد شعور المستهلكين بالخطر.
كما أعلنت حكومة جونسون فى وقت متأخر من يوم الجمعة الماضى، عن إجراءات الهجرة الجديدة، بما يسمح لـ 300 سائق وقود بالوصول الفورى والبقاء حتى نهاية مارس، إضافة إلى 100 سائق من الجيش ينطلقون إلى الطرق اعتبارًا من اليوم الإثنين.
كما يصل نحو 4.700 سائق إضافى لنقل المواد الغذائية اعتبارًا من أواخر أكتوبر، ويغادرون بحلول نهاية فبراير.

تخبط التصريحات
وجاءت تصريحات مسؤولى الحكومة البريطانية تنكر الأزمة حينًا وتعترف بها حينًا آخر، فقال وزير المالية ريشى سوناك، فى تصريحاته لراديو "إل.بى.سى": "فى إجراء احترازى إضافى، أرسلنا السائقين الإضافيين للعمل"، معتبرًا أن "الوضع يتحسن الآن يوميًا منذ أكثر من أسبوع.. ومع تراجع الطلب مجددًا إلى مستويات أكثر طبيعية، فإنه من المتوقع بقوة أن تحل الأمور نفسها بنفسها".
بينما تؤكد وكالة "رويترز" أنها رصدت ما لا يقل عن 10 محطات للوقود مغلقة فى أنحاء لندن، على الرغم من نفى وزراء بريطانيون مرارًا أى صلة بين أزمة الوقود وبريكست، ووصفوا نقص سائقى الشاحنات بمشكلة عالمية مع أن محطات الوقود فى الدول الأوروبية المجاورة لم تشهد صفوفاً من السائقين لملء خزاناتهم.
وقال سوناك، إن أزمة سائقى شاحنات نقل البضائع الثقيلة: "ليست مشكلة خاصة بالمملكة المتحدة وإنما هى مشكلة على نطاق أوروبا وما بعدها"، متابعًا: "أريد أن يعلم الناس أننا نبذل كل ما بوسعنا لتخفيف بعض هذه التحديات".

أعراض انسحابية للبريكست
بينما وصف محللون الأزمة فى بريطانيا بأنها إحدى الأعراض الانسحابية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، فلطالما اعتمدت بريطانيا فى العقود الماضية على العمالة منخفضة التكلفة، التى تأتى من دول الاتحاد الأوروبى الأقل ثراء مثل رومانيا وبولندا، ومع عودة هذه العمالة إلى بلدانها، اتضح تأثير فقدان هذه العمالة، خصوصا مع عدم رغبة البريطانيين فى العمل فى هذا النوع من الأعمال، مثل قيادة الشاحنات!
الغريبة أنه عندما صوت البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبى، كان أحد أكبر الدوافع هو التخلص من العمالة غير الماهرة مثل سائقى الشاحنات والجزارين والفلاحين وغيرهم.
خطاب الحكومة البريطانية لسائقى الشاحنات
بينما كشف تقرير صحفى لـ"الإندبندنت" أن الحكومة البريطانية عرضت على العديد من الألمان المقيمين فى البلاد، والذين يملكون رخص قيادة قديمة، العمل كسائقى شاحنات، للمساهمة فى حل مشكلة النقص الحاد فى هذه الفئة، لدرجة أن حكومة لندن خاطبت آلاف الألمان الذين حصلوا على رخص قيادتهم قبل عام 1999 فى هذا الشأن، نظرا لأن من يحملون هذه الرخص يسمح لهم بقيادة شاحنات صغيرة.
وجاء في الخطاب الذي بعثت به وزارة النقل البريطانية ونشرته صحيفة "إندبندنت"، أن الوزارة حثت المرسل إليهم ـ وعددهم مليون شخص ـ على التفكير فى "العودة إلى قطاع قيادة شاحنات البضائع حتى لو كان الكثير من منهم لم يجلس إلى عجلة قيادة شاحنة شاحنة أبدا".
وأضافت الوزارة، أن "هناك فرصاً عظيمة لسائقى الشاحنات فى القطاع اللوجستى، فضلاً عن أن ظروف العمل تحسنت فى القطاع برمته"، وأردفت :" لم تكن هناك حاجة إلى قدراتكم وخبراتكم أكثر مما هي عليه الآن".

بريطانيا تنشر الجيش لحل أزماتها
وعلى الرغم من إنكارها لفترة طويلة، إلا أن التقارير أكدت أن جنودًا من الجيش البريطانى بزى القتال وصلوا بالفعل إلى مستودع لشركة "بى.بى"، بعدما أمرت الحكومة الجيش بالمساعدة فى توصيل الوقود للمساهمة فى التعويض عن نقص حاد فى سائقى الشاحنات.