البث المباشر الراديو 9090
البابا تواضروس الثانى
ألقى قداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اليوم الجمعة، كلمة فى صلوات جنازة الأنبا كاراس الأسقف العام للمحلة الكبرى بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية. 

جاءت نص الكلمة كالتالى: 

"باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، تحل علينا نعمته ورحمته تعزينا جميعًا، طوبى لِمَنْ اخترته وقبلته ليسكن فى ديارك يارب، طوبى لِمَنْ اخترته وقبلته ليسكن فى ديارك يارب .. و"مَا هِى حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ". 

وتابع :"على رجاء القيامة وبقلوب وإن امتلأت بالألم وبالحزن وبالدموع ولكن لنا رجاء ولا نحزن كالباقين نودّع مثلث الرحمات الأنبا كاراس الأسقف العام بالمحلة الكبرى وكل توابعها، نودّعه خادمًا أمينًا وراهبًا تقيًّا وأسقفًا جليلاً، وعندما نقف يا إخوتى الأحباء أمام الموت فهو الحقيقة الصادقة الوحيدة فى حياتنا نحن البشر، نعيش على الأرض ونمارس حياتنا وأعمالنا وخدماتنا ونمارس أعمارنا كلها، ولكننا نتقابل مع الحقيقة الصادقة والوحيدة وهى حقيقة الموت، وهو الذى ينقل الإنسان إلى الشاطئ الآخر من الحياة، ونقف أمامه لأنه نهاية كل البشر". 

وأشار إلى أن الله يختار ويقبل إليه النفوس بعد أن تكون قد أكملت مشوار حياتها على الأرض، ونرى أن الموت وهو الحقيقة التى تظهر أمامنا فى كل مرة نودّع أحد أحبائنا إنما هى رسالة لكل منّا لنستعد فاليوم آتٍ، ورغم أن مشاغل الحياة وهمومها وكل ما فيها أحيانًا يصرف الإنسان عن هذه الحقيقة، ويتناسى فى دوامة الحياة أنه مدعو أن يكون فى السماء، وسيأتى يوم يترك هذه الأرض وكل ما فيها، وإذا تذكّر الإنسان منّا هذه الحقيقة، فإنه يتنازل عن كل ما يسبب ألمًا وتعبًا وصراعًا وحروبًا فى حياته، لأنه يأتى يوم يترك كل شئ وينطلق، وقد أخفى الله عنّا نهاية كل إنسان ومتى يترك هذه الحياة لكى ما يعطينا دافعًا قويًّا للاستعداد كل يوم، فقد تنتهى الحياة اليوم أو غدًا أو بعد غد، ويكون الإنسان دائمًا متطلعًا إلى السماء لئلا تأخذه مباهج الحياة، ويكون متطلعًا للسماء لأنه ما المنفعة يا إخوتى إن ربح الإنسان العالم كله وخسر نفسه، ما المنفعة، يربح العالم كله ويخسر نفسه فى السماء، وهذه الأمور فى كل مرة نودّع حبيبًا عِشنا معه وعاش معنا وتلاقينا فى أمور كثيرة نودّعه وها هو يسبقنا على السماء، نيافة الأنبا كاراس فى حياته وخدمته ورهبنته ودوره فى الكنيسة كأسقف عام للمحلة. 

وذكر قداسته أن الأنبا كاراس كان إنسانًا نبيلاً وخادمًا أمينًا فى خدمته، لقد كانت خدمته حبًّا واتضاعًا، حبًّا واتضاعًا، أحب الجميع سواء فى المحلة الكبرى التى خدمها فى السنوات الثمانية الأخيرة كأسقف عام، أو فيما قبل عندما خدم فى إيبارشية نقادة وقوص مع نيافة الأنبا بيمن، كانت خدمته حبًّا، أحب الكبير والصغير وأحب البعيد والقريب وأحب كل إنسان، وكان حبه يمتاز بالبساطة وبوداعة، وأيضًا خدمته امتلأت اتضاعًا، وهذا الاتضاع هو الذى نجده فى القلوب التى تأثرت كثيرًا لانتقاله وبحضوركم فى هذا اليوم، الأنبا كاراس فى خدمته فى إيبارشية المحلة الكبرى منذ ثمانى سنوات ومنذ أن أُقيم أسقفًا فى نوفمبر عام 2013 خدم واِمتاز أولاً بالرعاية، أحب الرعاية جدًّا، وخدم كل الاحتياجات فى قطاعات الشعب، وتعلّم الرعاية الكاملة عندما كان وكيلاً لمطرانية وإيبارشية نقادة وقوص مع نيافة الأنبا بيمن منذ أن صار الأنبا بيمن نفسه أسقفًا لنقادة وقوص فكان هو وكيلاً معه للإيبارشية منذ اليوم الأول. 

ونوه إلى أنه خلال 22 سنة خدم معه بهذه الأمانة وبهذا الحب وبهذا الاتضاع فى الرعاية، وتعلّم الرعاية بصورة جيدة وطيبة أهّلته ان يكون راعيًا فى إيبارشية المحلة، رعايته كانت تمتاز بالبساطة ولكن كان يهتم بكل إنسان، ولكن الأهم من هذا وذاك أنه كان دائمًا صانع سلام، يصنع سلامًا فى كل عمل واجهته مشكلات كثيرة وعقبات كثيرة وبعض الأشخاص كانوا من الذين ينتقدوه ولكنه كان يواجه كل هذا بحب وباتضاع وبصنع السلام، رعايته فى المحلة الكبرى خلال الثمانى سنوات كانت رعاية مباركة ومثمرة وهادئة وصانعة للسلام، وهذه الأمور كلها كنّا نلمسها فى كل مرة نقابله.

وأضاف البابا تواضروس أن الأنبا كاراس كان يتميز كثيرًا بمحبته للقراءة والدراسة والتأمل والوعظ، وكان وعظهُ ذو نكهة خاصة، كان وعظًا بسيطًا ولكن كثيرًا ما تكلّم عن السماء وعن الاستعداد للسماء وعن التوبة وعن الحياة النقية وعن الإيمان المستقيم وعن خدمة الآخر، فكان حلو اللسان، وكانت كلماته وعظاته وتعاليمه تصل إلى الجميع، وكانت مؤثرة ومعبرة، وكانت عظات يفهمها الرجل البسيط ويفهمها الإنسان الدارس، وكلها تقوم على الكتاب المقدس وتعاليم الآباء المقدسة، فكان بالحقيقة إنسانًا كأنه كنيسة متحركة فيما يقدمه من تعاليم وفيما يقدمه من رعاية، ليس فقط الرعاية والتعليم، كان فيها يقدمها بالأسلوب الهادئ، فلم نسمع عنه أبدًا أنه صنع مشكلة من خلال تعاليم أو من خلال رعاية، أبدًا، وكان الحب يبدو دائمًا واقترابه من الذين يُعلّمهم إن كانوا صغارًا أو كبارًا وإن كانوا فى المحلة أو خارج المحلة فى نهضات وفى عظات وافتقادات كثيرة – كان فى كل هذه يمتاز بالروح البسيطة جدًّا والروح المحبة للسلام، وأنا أؤكد عليكم هذه الكلمة لأنها كانت صفة وسمة واضحة فيه، محبته لصنع السلام، غير الرعاية وغير التعليم أنه اِمتاز أيضًا أنه يحب المشورة، كثيرًا ما كان يأتى ويقابلنى ويطلب المشورة فى بعض الموضوعات الرعوية أو العلاقات مع الآخرين، والجميل أنه كان يأتى ويطلب المشورة فى بعض المشكلات التى كانت تواجهه ولكن كان يأتى أيضًا ببعض الاقتراحات للحلول، وكثيرًا ما كنّا نتكلم فى موضوع ما مثلاً ونذكر أحد الحلول ولكن هذا الحل قد يتعب البعض، فلا نختار هذا الحل الآن ونؤجله، فكان يضع السلام سلام الكنيسة وسلام الإيبارشية وسلام الرعية وسلام المجتمع كرقم واحد، وهذه صفة فى غاية الأهمية لِمَنْ يخدم فى حقل الرب.

كانت خدمته أيضًا مع نيافة الأنبا بيمن فى إيبارشية نقادة وقوص كانت خدمة ناجحة عبر ال 22 سنة، وعندما سيم أسقفًا للمحلة كان دائم التردد على خدمته السابقة ولا يمر شهر إلا ويزور الإيبارشية ويجد ترحيبًا كبيرًا من نيافة الأنبا بيمن ويخدم ويسترجع خدمته السابقة فلم ينقطع خلال كل هذه السنوات على خدمته فى إيبارشية نقادة وقوص بالحقيقة افتقدناه، وبالحقيقة نراه أنه يُختطف من وسطنا، ونحن فى زمن يا إخوتى يختار الله أحباء له، ويختارهم دون انتظار، واختيارهم يكون كالخبر المفاجئ لنا جميعًا، وكما يقول يشوع بن سيراخ "الْحَيَاةُ الصَّالِحَةُ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ" فخلال أسقفيته التى امتدت لثمانى سنوات فقط، كان ناجحًا وكان هادئًا وكان صانعًا سلام، واحتلَّ القلوب بحبه واتضاعه وبرعايته، ليس فقط فى المجتمع الكنسى ولكن فى المجتمع العام كان له علاقات طيبة جدًّا مع كل المسؤولين ومع إخوتنا المسلمين فى المجتمع المحلى ولذلك محبوبًا، ونقدّر كل الذين شاركونا فى هذا اليوم. 

باسم المجمع المقدس، باسم الآباء المطارنة والآباء الأساقفة والآباء الحضور معنا اليوم، وباسم الآباء الكهنة والشمامسة والأراخنة نقدم كل التعزيات لإيبارشية المحلة ولكل مجمع كهنتها وخدامها وخادماتها وشعبها، ونطلب أن نصلى من قلوبنا ونطلب أن يُصلى أيضًا نيافة الأنبا كاراس من أجلنا ويتشفع من أجلنا، نقدم العزاء لهذه الإيبارشية المحبة للمسيح، ونقدم العزاء لأسرته ولديره فى دير المحرق وفى دير الأنبا صموئيل وأيضًا لرعيته التى خدمها، نقدم العزاء أيضًا لنيافة الأنبا بيمن، ونقدم العزاء لنفوسنا جميعًا، ونرفع قلوبنا يا إخوتى الأحباء نحو السماء ونصلى أن يعطينا الله أن نكمّل جميعنا أيام حياتنا بسلام، وأن نخدمه أمامه الخدمة الهادئة والخدمة التى تُمجده فى عُلاه والخدمة التى تصنع سلامًا ويعطينا أيامًا صالحة ويتمم أيام حياتنا كلها بسلام...

ليباركنا المسيح بكل بركة ويعزينا جميعًا ويعطينا فى حياتنا السكينة والعزاء على كل الذين انتقلوا وتركونا، ولكننا فى ملء الثقة وملء الإيمان نراهم يُصلون من أجلنا ويتشفعون من أجل حياتنا. 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز