البث المباشر الراديو 9090
أزمة الطاقة
تواجه أوروبا أزمة طاقة متفاقمة حيث تواصل أسعار الغاز والكهرباء الارتفاع، الأمر الذى ينذر بمزيد من الأعباء على اقتصاد القارة العجوز ويضع أوروبا على المحك إذ يجعلها فى مواجهة خيارات صعبة للتخفيف من أزمة الغاز خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء.

 

شهدت أوروبا ارتفاع سعر الغاز الطبيعى بأكثر من 350% هذا العام، ونتيجة لذلك انهار عدد كبير من الشركات الأوروبية التى تزود المنازل والشركات بالغاز أو الكهرباء، حيث تعرض أكثر من عشرة شركات للإفلاس بالفعل.

أوروبا تنتظر شتاء صعب بسبب أزمة الغاز

وتثير احتياطات الغاز المنخفضة فى المستودعات الأوروبية، وعجز أوروبا عن إملائها إلى المستوى الآمن قبل بداية الطقس البارد بسبب النقص العالمي، خوفا يسبب فى ارتفاع أسعار الغاز. كما يساعد فى ذلك نمو أسعار الوقود فى الأسواق الآسيوية.

الحقيقة أن تدهور الوضع فى أوروبا بسرعة وتحوله إلى أزمة، جعل العديد من الدول تتخذ بعض الإجراءات السريعة لمواجهة هذه الأزمة، فعلى سبيل المثال، قررت إسبانيا عدة إجراءات طارئة لخفض فواتير الطاقة، فيما تخطط فرنسا لدفع 100 يورو لمرة واحدة إلى ما يقرب من 6 ملايين أسرة منخفضة الدخل، بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة.

أزمة الطاقة

وفى خطوة مفاجئة، أشارت الحكومة الهولندية إلى أنه فى حالة أزمة العرض الشديدة، يمكن إعادة فتح حقل غاز جرونينجن وهو أكبر حقل غاز برى فى أوروبا جزئيا ومؤقتا، وقد أشار الوزير الهولندى ستيف بلوك إلى أنه يفكر فى إمكانية إعادة فتح حقل جرونينجن، ولا سيما خمس آبار، خصوصا تلك الموجودة فى سلوتشيرين.

واتخذت هيئة تنظيم الطاقة فى جمهورية التشيك، خطوة استثنائية بمطالبة الموردين بتقديم تطمينات بأنهم يستطيعون توفير الطاقة للمنازل والشركات، بعد أن أوقفت مجموعة أخرى من مجموعات الكهرباء والغاز فى البلاد الإمداد.

وعلى الرغم من جميع تلك الإجراءات، يتوقع محللون، أن تؤثر تداعيات أزمة الطاقة على الاقتصاد الأوروبى، وأن تؤدى إلى تفاقم المخاوف بشأن التضخم فى لحظة حساسة من التعافى الوبائى.

وقالت جيسيكا هيندز، المتخصصة باقتصاد أوروبا فى كابيتال إيكونوميكس: "إلى الحد الذى يشعر فيه الناس بالقلق من ارتفاع تكلفة الطاقة، فقد يميلون إلى التراجع عن الإنفاق".

وأضافت، أن الدول الأوروبية ستعيش أزمة الطاقة تحديدا خلال هذا الشتاء، مع توقعات باستقرار أسعار الطاقة بداية من العام المقبل حسب آخر نشرة لصندوق النقد الدولي، إلا أن حجم الضرر سيختلف من دولة لأخرى.

بالنسبة لفرنسا لن تعانى بشكل كبير لاعتمادها وبشكل كبير على مولدات الطاقة التى تشتغل بالطاقة النووية، وهو ما دفع الرئيس ماكرون للإعلان عن استثمار مليار يورو بهذه المحطات فى أفق 2030.

أما فى النرويج والسويد، فإنهما تعتمدان وبشكل كبير على الطاقة الكهرومائية، وتعتمد البرتغال على الريح والماء للتزود بنصف حاجياتها من الطاقة.

أزمة الطاقة

ويظهر أن بريطانيا ستكون أكبر متضرر من هذه الأزمة، لاعتمادها وبشكل كبير على الغاز الطبيعى الذى يشهد ارتفاعا صاروخيا بأسعاره، إضافة لعدم توفرها على قدرات كبيرة لتخزينه، وأخيرا لأنها لم تعد ضمن السوق الطاقية الأوروبية ما قد يحرمها من التزود بالطاقة من أوروبا.

روسيا مفتاح أزمة الطاقة

وبمطالعة المشهد، نجد إن الافتقار إلى إمدادات الغاز الطبيعى من قبل روسيا كان له أثر كبير وعرض وضع الطاقة فى أوروبا للخطر، الأمر الذى جعل أوروبا توجه اتهامات إلى روسيا باستخدام الغاز كوسيلة ضغط للحصول على الموافقة لبدء خط نورد ستريم 2 الذى تم بناؤه حديثًا إلى ألمانيا، والذى قد لا تزال تصاريحه على بعد أشهر.

وتعتبر روسيا أكبر مزود لأوروبا بالغاز بنسبة 41%، ثم النرويج بنسبة 16.2%، فالجزائر فى المرتبة الثالثة بنسبة 7.6%، والبقية تأتى من مصادر مختلفة.

هذه الأرقام تجعل أوروبا تعتمد وبشكل كبير على الغاز الروسى فى الحصول على حاجاتها من الطاقة، وهو ما يفسر ما سيأتى من أسباب أخرى، فى ارتفاع فاتورة الطاقة بنسبة 500% خلال الموسم الجارى، وحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية فإن ما يحدث يظهر الضعف الهيلكى للقارة الأوروبية فى توفير الغاز.

كما أسهم شتاء العام الماضى الذى شهد انخفاضا لدرجات الحرارة فى آسيا وروسيا، فى استنزاف التخزين فى روسيا ووصولها لمستويات منخفضة، وبينما تقول الرواية الأوروبية إن شركة "غاز بروم"، لم تقم باللازم لدفع الدول الأوروبية إلى إعادة التخزين، ورفضت شحن إمدادات إضافية عبر أوكرانيا بخلاف ما تم الاتفاق بموجب العقود طويلة الأجل بين الطرفين.

نورد ستريم

أما الرواية الروسية فتقول إن الأولوية يجب أن تمنح للسوق الداخلية أمام ارتفاع الطلب المحلي، فى المقابل تقول أوكرانيا إن موسكو تريد "عسكرة الغاز"، للضغط على ألمانيا من أجل تسريع الموافقة على خط الأنابيب "نورد ستريم 2" المثير للجدل، والذى سيمكن من توصيل إمدادات الغاز مباشرة من روسيا لألمانيا عبر بحر البلطيق.

جميع تلك الأمور تزيد من ضرورة مواجهة القادة السياسيين للآثار المباشرة لارتفاع فواتير الطاقة أو عجز الطاقة المحتمل للمستهلكين والصناعة، حيث أن كلاهما يمكن أن يؤدى إلى احتجاجات أو انهيارات سياسية فى البلاد.

ويبدو أن الزعيم الروسى فلاديمير بوتين، يحمل كل الأوراق عندما يتعلق الأمر بالغاز الطبيعى فى أوروبا، فبدون المزيد من إمدادات الغاز الطبيعى إلى أوروبا، قد يواجه المستهلكون والصناعة شتاء من السخط، وذلك بسبب فشل استراتيجية تنويع إمدادات الغاز فى أوروبا، ليس فقط بسبب تكتيكات ولوائح الاتحاد الأوروبى، لكن أيضا بسبب التركيز المستمر من جانب واحد على التحول السريع للطاقة وسحب الاستثمارات من الهيدروكربونات والاستثمارات واسعة النطاق فى مصادر الطاقة المتجددة، دون إدراك أن العمود الفقرى للنظام الاقتصادى الأوروبى لا يزال يعمل بالوقود الهيدروكربونى.

لذلك من المرجح أن تظل إمدادات الغاز فى أوروبا شحيحة هذا الشتاء، وعلى الرغم من أن مولدات الديزل قد تكون حلا لبعض عملاء الكهرباء الصناعية، إلا أنها لن تبقى الأنوار مضاءة أو المنازل دافئة للمواطنين الأوروبيين، ومن الأفضل أن تكون توقعات الاتحاد الأوروبى لشتاء قادم معتدل، صحيحة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً