دول الغرب
وبينما كان العالم يرزح تحت أزمات التضخم وانهيار سلاسل الطاقة والغذاء وارتفاع الأسعار المرعب، كان استقراء الأحداث فى مصر هو السر وراء حالة استقرار واضح أتت ثمارها على المستوى التنموى والسياسى، وآخرها إلغاء قانون الطوارئ.
راهنت القيادة المصرية على الوقت، مع إصرارها على استمرار المشروعات العامة ومشروعات البنية التحتية، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية المبكرة من أجل الوصول إلى التعافى الاقتصادى، فأصبحت الحكومة هى المحرك الأساسى للاقتصاد بدلاً من القطاع الخاص.
وكانت هذه القرارات التى اتخذتها مصر بمثابة خط الدفاع الأول الذى خفف من تلقى الصدمة التى يتعرض لها اقتصاد العالم حاليا، ولم تنجو منه دولة متقدمة. وأنقذ الإصلاح المالى والنقدى البلاد من مخاطر عدة، مثل عدم حدوث نقص فى الأغذية أو الأدوية أو الطاقة وعدم حدوث عجز كبير فى الاحتياطى الدولارى.

تراكم التضخم فى أمريكا وأوروبا
ولا يزال التضخم مستشريًا فى الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذى أدى بدوره إلى ارتفاعٍ صارخ فى أسعار الطاقة والغذاء، وهو ما يظهر أثره بقوة على الفقراء والطبقات المتوسطة فى هذه الدول، وسط تقارير تؤكد عجز الملايين من فقراء أوروبا وأمريكا عن تأمين احتياجاتهم من الطاقة والطعام.
ويبقى مؤشر أسعار التضخم التى ظهرت بوضوح على أسعار الأسواق والمستهلكين، هو المؤشر الرئيسى فى عملية اتخاذ قرار سعر الفائدة فى البنوك المركزية حول العالم، بما فى ذلك بنوك أوروبا وأمريكا التى ترزح تحت معاناة ارتفاع التضخم.
قلق عالمى
وبحسب البيانات الأوروبية والأمريكية التى ترجمتها وكالة "بلومبرج" فى رسوم بيانية، أصبح التضخم هو القضية الرئيسية فى الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الأخيرة، وتسود حالة من القلق بين محافظى البنوك المركزية فى هذه الدول.
وتؤكد الوكالة المتخصصة فى الشأن الاقتصادى، أن تكاليف التوظيف ارتفعت فى الولايات المتحدة بأسرع وتيرة على الإطلاق خلال الربع الثالث من العام 2021، بينما تجاوز التضخم فى منطقة اليورو حاجز الـ 4% للمرة الثانية على الإطلاق.
تباطؤ حاد فى أمريكا
كما تؤكد البيانات أن هناك تباطؤ واضح فى الاستهلاك الشخصى بشكل حاد فى الربع الثالث من العام 2021 داخل الولايات المتحدة، وانخفض الإنفاق على السلع فى هذه الفترة فى، خصوصًا قطاع السيارات، حيث واجه صانعو السيارات صعوبة فى الحفاظ على الكثير من الوكلاء.
تسارع التضخم فى منطقة اليورو
وعلى الرغم من محاولات توسيع اقتصاد منطقة اليورو "الاتحاد الأوروبى" بنسبة 2.2% فى الربع الثالث من 2021، بعد انتهاء قيود جائحة كورونا، إلا أن تسارع التضخم كان أكثر من بكثير، وتجاوز حد الـ 4% للمرة الثانية فى تاريخ المنطقة، الأمر الذى زاد من أعباء البنك المركزى الأوروبى فى محاربة تحديات السوق العنيفة، وارتفاع أسعار الفائدة.
أزمة الطاقة تضرب القارة العجوز
وتعد أزمة الطاقة هى أبرز وأهم الأزمات التى ضربت دول أوروبا مؤخرًا، حيث تواجه جميع الدول الأوروبية شحًا فى الطاقة ومخاوف من توقف الإمدادات فى ظل عجز واضح عن تسديد رسوم الطاقة المرتفعة.
وعلى سبيل المثال، تنتج إسبانيا 28% فقط من إجمالى استهلاكها الداخلى، فى حين تسارع التضخم الإسبانى إلى أعلى مستوى له منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وهو ما يلقى الضوء على صراع القارة العجوز المتصاعد مع ارتفاع تكاليف الطاقة.
وبحسب "بلومبرج"، قفز معدل التضخم إلى 5.5% فى أكتوبر الجارى وحده، وهو أعلى معدل منذ عام 1992، وتشير التقارير إلى أن إسبانيا معرضة بشكل خاص لصدمات الطاقة لأنها تعتمد على واردات الغاز لتوليد الكهرباء، كما أن روابط الطاقة مع الدول الأوروبية الأخرى محدودة.

هل أصبح صراعًا جيوسياسى؟
كذلك، اضطرت مولدوفا الأوروبية مثلاً إلى إعلان حالة الطوارئ بسبب النقص الحاد فى الغاز بعدما رفعت شركة غازبروم التابعة للدولة الروسية أسعار إمداد الدولة الفقيرة بالغاز.
وتحول الصراع إلى أزمة سياسية بالتوازى مع الأزمة الاقتصادية، اتهم الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية فى الاتحاد الأوروبى، نائب رئيسة المفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل روسيا باستخدام الغاز "سلاحا جيوسياسيا" فى نزاعها مع مولدوفا، وتعهد بتقديم مزيد من الدعم لمساعدة الحكومة الموالية للغرب على التصدى للأزمة.
يريدون الغاز ويعارضون نورد ستريم
ووجهت روسيا انتقادات صريحة لأمريكا وأوروبا، وقال نائب رئيس الوزراء الروسى، أليكسى أوفيرتشوك، انتقادات واضحة للأمريكيين، خلال أكتوبر الجارى، إنهم يحثون موسكو على زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا، بينما يعارضون فى الوقت نفسه مشروع خط نقل الغاز "نورد ستريم 2"
وقال أوفيرتشوك: "الزملاء الأمريكيون يحثون روسيا على زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا، لأنهم مهتمون باستقرار أوروبا. هذا حقهم، ولم لا. يقولون: إذا بعتم المزيد من الغاز لأوروبا، فإنكم سترسلون إشارة واضحة مفادها أنكم لا تستخدمون الغاز سلاحًا، ولكنهم فى الوقت نفسه يعارضون نورد ستريم 2".
وأضاف أوفيرتشوك، الذى زار الولايات المتحدة أخيرًا، أنه حاول إطلاع الأمريكيين على الموقف الروسى من أسباب اهتزاز سوق الغاز فى أوروبا، ووجهة نظرها لـ"نورد ستريم 2"، وقال: "لدينا موقفنا، ولديهم موقفهم. وهذا أمر عادى".
وكان خط الأنابيب تعرض لانتقادات من واشنطن، على مدار سنوات واشنطن وبعض دول أوروبا الشرقية التى ترى أنه سيجعل أوروبا أكثر اعتمادًا على إمدادات الطاقة الروسية.
أوروبا تلجأ للاحتياطى
ولم تقتصر أزمة الطاقة على دول فقيرة مثل مولدوفا، وإنما شملت القارة الأوروبية بأكملها، فبعد انهيار إمدادات الطاقة إلى الدول الأوروبية، اضطرت تلك الدول إلى استهلاك غاز من مستودعاتها منذ منتصف شهر أكتوبر الجارى، وبالتالى انخفض مستوى الاحتياطات فى مستودعات الغاز إلى أدنى مستوى وبلغ 77,04%، وذلك أقل بمقدار 14,07 نقطة مئوية من المعدل منذ 5 سنوات. ومن الممكن أن يكون هذا الحجم من الغاز كافيا بالنسبة للدول الأوروبية، لكن المستوى المنخفض من الاحتياطات يقلل الإنتاج اليومى الأقصى واحتمال الاستجابة السريعة لفصل البرد الشديد.
عودة إلى عصر الفحم
ودفعت أزمة الطاقة فى أوروبا بصربيا إلى الاعتماد على الفحم، وقال الرئيس الصربى ألكسندر فوتشيتش، إن صربيا لن توقف محطات الطاقة من الفحم قريبا لأنها تحتاج للتعامل مع أزمة الطاقة فى أوروبا حاليا، بما يعنى التصدى لضغوط أوروبية تحث بلاده على تسريع التحول إلى الوقود الأقل ضررا بالبيئة.
وما يزيد على ثلثي الإنتاج السنوي لصربيا البالغ 35 تيراوات-ساعة من الطاقة يتم توليده بواسطة المحطات الحرارية، بينما يتم إنتاج النسبة المتبقية من منشآت لتوليد الكهرباء من المياه والرياح.
تباطؤ الاستثمار فى الصين
وبحسب "بلومبرج"، انخفضت توقعات الخبراء لنمو الاقتصاد الصينى خلال العام المقبل، فى ظل نقص الطاقة وتدهور سوق العقارات.
وأشارت التقارير الرسمية والاقتصادية إلى تباطئ الاستثمار فى الأصول الثابتة أو تقلصها فى معظم أنحاء الغرب الصينى، حيث اتسعت الفجوة الاقتصادية بين المنطقة الغربية الأقل نموًا فى الصين والأجزاء الشرقية الأكثر ثراءً من البلاد فى الربع الثالث، حيث أثرت حملة بكين على العقارات وديون الحكومة المحلية على النمو.
ولم تفلح التوجهات العالمية نحو الطاقة النظيفة، وتصاعد التحذيرات من مهددات المناخ وأجواء الاحتباس الحرارى، فقد استمر على الجانب الآخر ارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة، وتشير التقارير إلى أن التعهدات حتى الآن أقل بكثير من هدف 1.5 درجة مئوية.
سلاسل التوريد تهدد الأمن القومى الأوروبى
وفى ظل تصاعد أزمات الغذاء والطاقة فى أوروبا وأمريكا، أكدت "بلومبرج" أن سلاسل التوريد العالمية ستحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 100 تريليون دولار، لتحقيق هدف الكوكب المتمثل فى صافى انبعاثات الكربون الصفرية على مدى العقود الثلاثة المقبلة، وفقًا لبحث جديد يثبت ما يصل إلى نصف هذا السعر على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
وتؤكد "بلومبرج" أن جائحة كورونا أعادت إحياء الجدل حول دور الحكومات فى الاقتصاد، وذلك بسبب التضخم . كما أثارت أزمة سلسلة التوريد هذا العام تساؤلات حول ما إذا كان السعى لتحقيق الكفاءة والأسعار المنخفضة والاستعانة بدول بعينها قد جاء على حساب الاستقرار أو حتى الأمن القومى، فى إشارة واضحة إلى الصراع الروسى الأوروبى، واضطرار أوروبا للاعتماد على الغاز الروسى.