الدكتورة هالة السعيد
جاء ذلك خلال مشاركتها، عبر الفيديو كونفرانس، بالجلسة النقاشية بعنوان "تمويل التحول البيئى والاجتماعى: كيفية إصلاح الرأسمالية" والمنعقدة خلال أعمال النسخة الرابعة من منتدى باريس للسلام 2021 بفرنسا.
وخلال كلمتها أوضحت الدكتورة هالة السعيد، أن التحول البيئى والاجتماعى أصبح يمثل ضرورة للاقتصاد، سواء فى مواجهة حالة التغيرات المناخية أو للاستجابة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية التى تؤثر على سلاسل القيمة على مستوى العالم.
وتابعت السعيد، أن الرأسمالية تواجه حاليًا أزمة ثلاثية، موضحة أن الأزمة الصحية أشعلت أزمة اقتصادية مع عواقب غير محددة حتى الآن على الاستقرار المالى، بالإضافة إلى أزمة مناخية تشكل مخاطر كبيرة على رفاهية الإنسان.
وأضافت أن مصر إحدى الدول النامية، والتى تمثل نقطة ساخنة للتأثر بالمناخ على الرغم من مساهمتها الأقل فى انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، متابعة أن تأثير تغير المناخ موجود بالفعل فى كل مكان من ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتدهور الأراضى وتآكلها وندرة المياه.
وأكدت أن كل تلك الأزمات المتتالية تمثل تحديات كبيرة على سبل المعيشة والصحة العامة وسلاسل التوريد والبنية التحتية والزراعة والأمن الغذائى، مما قد يؤدى إلى عكس مكاسب التنمية التى تحققت بجهد كبير؛ وممارسة المزيد من الضغط على الاقتصاد.
وأشارت إلى أن إنشاء شكل أكثر مرونة من الرأسمالية يقاوم تحديات المناخ سيتطلب تدخلات مبتكرة وهيكلية من تحول إلى الاقتصاد الأخضر.
وحول المشاركة فى إنشاء الأسواق والعلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص أكدت السعيد، أهمية أن تهدف السياسة إلى المشاركة فى إنشاء أسواق مع القطاع الخاص، بدلاً من اتباع نهج تحديد السوق فقط، مع التوجه نحو الأخضر من خلال التدابير التنظيمية، وتوجيه التمويل، متابعه أن ذلك يتطلب دولة تبتكر وتتحمل المخاطر وتستثمر جنبًا إلى جنب مع القطاع الخاص، مؤكدة أهمية أن تلعب الدولة دورًا بارزًا فى توفير الاستثمارات طويلة المدى اللازمة فى مجال التحول الأخضر.
كما أشارت إلى دور الحكومة كشريك أساسى فى عملية التحول الأخضر حيث تمتلك آلية تقديم رأس مال بشكل مباشر أو غير مباشر، متابعه أن دور الحكومة سواء فى مصر أو فى أى دولة أخرى، فيما يتعلق بالاستثمار فى البنية التحتية الخضراء والتكنولوجيا لا ينبغى أن يزاحم الاستثمارات الخاصة، موضحة أن الحكومة عليها واجب تجاه مواطنيها الأكثر ضعفاً للاستعداد لمواجهة المستقبل.
وفيما يتعلق بالمشتريات العامة كوسيلة لتحقيق الأهداف الخضراء أوضحت السعيد، أنه يمكن للحكومات كذلك الاستفادة من إعادة تصميم عقود الشراء وإنشاء آليات لحشد الابتكار والتمويل من جهات فاعلة متعددة لتحقيق الأهداف الخضراء، متابعة أن الحكومات لديها القدرة على إعادة تصميم الأدوات المالية على نطاق واسع نحو الأهداف الخضراء، بما يشمل توجيه البنوك العامة نحو تخصيص أموال أكبر للمشروعات الخضراء، مع استخدام البنك المركزى لنظام مالى لمكافأة تلك البنوك لتعزيز البنية التحتية الخضراء.
واستعرضت السعيد التجربة المصرية فى الشراكة بين القطاعين العام والخاص وحلول التمويل المبتكرة، مؤكدة أن الحكومة المصرية كانت ذات دور نشط ورائد فى تحمل تحديات كبيرة فى مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل على مدى العقد الماضى، لتواصل تعزيز نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص فى المشروعات الخضراء، الأمر الذى يتجاوز صياغة السياسات والإطار المؤسسى للتنفيذ والتمويل الفعلى.
كما استعرضت عددًا من المشروعات التى تمثل نماذج للشراكة بين القطاعين العام والخاص مشيرة إلى مبادرة "حياة كريمة" كأحد مظاهر أهمية الاستثمار العام فى التنمية المستدامة، لافتة إلى أن مبادرة "حياة كريمة" تهدف إلى تحويل أكثر من 4670 قرية مصرية إلى مجتمعات ريفية مستدامة، مشيرة إلى أنه تم تصنيف هذه المبادرة من قبل الأمم المتحدة كأحد أفضل الممارسات الدولية لأهداف التنمية المستدامة، لما لها من أثر إيجابى فى خفض معدلات الفقر، كونها أكبر مبادرة تنموية فى العالم تستهدف أكثر من 58 مليون مواطن من سكان مصر.
كما تطرقت إلى مشروع بنبان كأكبر مجمع للطاقة الشمسية فى العالم، موضحة أنه فى عام 2015، أطلقت الحكومة أيضًا "تعريفة تغذية" للطاقة المتجددة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فى هذا القطاع المهم ، ونتيجة لذلك، تستضيف مصر الآن أكبر مزرعة الطاقة الشمسية فى العالم فى بنبان أسوان، والتى تم إنشاؤها من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص متعددة بتكلفة 4 مليارات يورو، وتوليد 2 جيجاوات من الكهرباء وخلق فرص عمل لائقة للمجتمع المحلى فى أسوان.
كما أشارت إلى الصندوق السيادى المصرى كوسيلة للشراكه بين القطاعين العام والخاص والتمويل المبتكر، مشيرة إلى الاتفاقيات التى وقعها الصندوق مؤخرًا لتطوير منشأة الهيدروجين الأخضر كمادة وسيطة لإنتاج الأمونيا الخضراء، والذى يمثل استثمار حجر الزاوية فى بناء محفظة الصندوق الخضراء المستدامة.
وفى السياق ذاته تطرقت السعيد، إلى إصدار سندات خضراء عامة بقيمة 750 مليون دولار أمريكى لأول مرة فى إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب استعداد القطاع الخاص المصرى لإطلاق "سندات خضراء خاصة" بقيمة تتراوح بين 120-200 مليون دولار.
وعن الإصلاحات المؤسسية لمواجهة تغير المناخ وتعزيز التحول البيئى أوضحت السعيد، أن مصر اتخذت عدة خطوات على مستوى وضع السياسات والإعداد المؤسسى لتعميم تغير المناخ فى عملية التخطيط الوطنى، فضلاً عن تنفيذ العديد من المشروعات، تضمنت تطبيق "معايير الاستدامة البيئية" كجهد مشترك بين وزارتى التخطيط والبيئة بهدف جعل مشروعات الخطة الاستثمارية خضراء، حيث بلغت المشروعات الخضراء للعام المالى 2021-2022 نسبة 30%.
وأضافت أن وزارتا التخطيط والتنمية الاقتصادية والبيئة تعملان بشكل وثيق مع الوزارات الأخرى ذات الصلة، وكذلك القطاع الخاص للاتفاق على مجموعة من "الحوافز الخضراء" من أجل تشجيع القطاع الخاص ورواد الأعمال على التحول نحو الاقتصاد الأخضر، كما أشارت إلى توقيع وزارة التخطيط مذكرة تفاهم مع جمعية رجال الأعمال بالإسكندرية ، لدعم جهودهم نحو التحول الأخضر.
وأكدت السعيد أن مصر تعمل على صياغة الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين لتشجيع استخدام الهيدروجين الأزرق والأخضر كمصدر للطاقة منخفض الانبعاثات إلى صفر، متابعة أنه تم تحديث استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030، للاستجابة للتحديات الجديدة والناشئة، بما فى ذلك النمو السكانى وتغير المناخ وندرة المياه، مع مراعاة التغيرات الإقليمية وتأثير جائحة كورونا.