البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى محمود
كيف تحافظ الزوجة على زوجها وتجعل حبه يدوم؟

لا توجد إلا وسيلة واحدة .. أن تتغيّر .. وتتحول كل يوم إلى امرأة جديدة .. ولا تعطى نفسها لزوجها للنهاية، تهرب من يده في اللحظة التي يظن أنه استحوذ عليها، وتنام كالكتكوت في حضنه في اللحظة التي يظن أنه فقدها .. وتُفاجئه بألوان من العاطفة والإقبال والإدبار لا يتوقّعها .. وتحيط نفسها بجو متغير .. وتُبدل ديكور البيت وتفصيله .. وألوان الطعام وتقديمها .

على الزوجة أن تكون غانية، لتحتفظ بقلب زوجها شابا مشتعلا ..

وعلى الزوج أن يكون فنانًا، ليحتفظ بحب زوجته ملتهبًا متجددًا ..

عليه أن يكون جديدًا في لبسه وفي كلامه وفي غزله .. وأن يغيّر النكتة التي يقولها آخر الليل .. والطريقة التي يقضي بها إجازة الأسبوع.. ويحتفظ بمفاجأة غير متوقّعة، ليفاجئ بها زوجته كل لحظة.

وحاول الدكتور مصطفى محمود الكشف عن المرأة الفاضلة، فتساءل في أحد مقالاته: من هي المرأة الفاضلة؟

يقول سليمان، عليه السلام، في التوراة:

امرأة فاضلة من يدلّني عليها.. إنها أثمن من كل ما في الأرض من ماس ولآلئ.. فتشت في الألف امرأة فلم أجدها.

فمن هي تلك المرأة الفاضلة التي فتّش عنها سليمان الحكيم في نسائه الألف فلم يجدها؟

سمعنا عن نساء فاضلات حكى عنهن التاريخ، وجرت حياتهن مجرى السير.

مريم العذراء.

وخديجة زوج الرسول، صلى الله عليه وسلم .

وآسيا امرأة فرعون.

تلك كانت أسماء وسير وحكايات غبرت ومضت.

فماذا يتصور الذهن اليوم، حينما يحاول توصيف المرأة الفاضلة في زماننا؟

في القاموس الدارج، أنها امرأة تحب حتى الموت.. هكذا تقول الأغاني.. وهكذا تقول أجهزة الإعلام.

وأنا أسأل.. موت من؟

المشاهَد أن كل النساء يحببن حتى الموت.. حتى موتنا نحن.

وعطاء الحب من المرأة طبيعة وفطرة وليس فضيلة.

وهو أيضًا ليس فضيلة، لأنه عطاء يتلقّى مقابلا من النشوة، واللذة الفورية، فهو عطاء مجز وتكاليفه ممتعة.

ومريم العذراء سيدة نساء العالمين لم تعط من هذا النوع من الحب.. وهي لم تحب رجلا.

وخديجة كان عطاؤها الذي ميّزها هو عطاء من نوع آخر.. فقد أعطت النبي الأمن والأمان، وكانت له أما وزوجة وملجأ، ومأوى من عداوة الكفار، ومكرهم وتآمرهم.. ثم أعطت نفسها وحياتها ومالها لرسالته وأهدافه، واتخذت محبوبه عين محبوبها، وطريقه عين طريقها، فأحبته لله، وأحبّت الله فيه، واتخذت دستوره حياة، واختارت هجرته إلى الله، هجرة محببة لها، وكانت حياة الاثنين معا أنسا كاملا وائتناسًا وملاء كاملا، لا خواء فيه ولا ملال.. ولهذا لم يفكر الرسول أن يتزوج عليها أو يجمع عليها بأخرى.. بالغة ما بلغت من الجمال.. وهي التي كانت تكبره بعشرين عامًا.. ولم يعدّد بين زوجاته إلا بعد وفاتها.

إن القضية إذن ليست قضية حب.

فهناك من تحب ولا ترحم.. وهذا حال الكثرة.

وهناك من ترحم ولا تحب.. وتلك عطاؤها شفقة وصدقة، وذلك عطاء لا حب فيه، وندر بين النساء من جمعت في قلبها جمعية "الحب والرحمة".. تلك التي عواطفها سكن، وحنانها قيم، وحبها ظل ظليل، وليس نارا محرقة.

ولعل هذه المرأة هي التي أرادها سليمان في التوراة.

ومثال مريم في الزهد والتجرّد الكامل غير وارد الآن.. وهي في التاريخ استثناء.. ربما لن يتكرر.

وليس هناك من يطالب المرأة بأن تكون مريم.

ولم يكن سليمان يفتش عن مريم في زوجاته الألف، ولعل مثال خديجة كان أقرب إلى تصوّره، وهو أيضًا أقرب إلى تصورنا نحن وإمكاناتنا.

فحسب الرجل امرأة، تستطيع أن تتخلّص مما في صدرها من غلّ، وتُغلّب في نفسها صفات التسامح، واللين والمودة والوداعة، على الانتقام والغضب والغيظ.. امرأة تكون له أمًا ولرسالته عونًا وسندًا.

فتلك هي الشخصية النورانية.

وسماتها هي تلك "الجمعية النادرة بين الحب والرحمة".

وهي جمعية لا تجتمع إلا في الأشخاص النورانيين.. الأشخاص الذين استطاعوا أن يرتفعوا على جبلتهم الطينية، ويتجاوزوا ضروراتهم البشرية.. فنزعوا ما في صدورهم من غلّ.. وأصبح الحاكم عندهم هو الجانب الرباني من نفوسهم.

وهؤلاء قلّة نادرة.. يحتسبون في التاريخ بالأسماء.. رجالا ونساء.

وإذا كانوا في الرجال قلة، فهم في النساء أقل، لأن الله جعل الجبلة البشرية في النساء أقوى منها في الرجال، وجعل من النساء لحم العلاقة الزوجية ودمها وهيكلها، وجعلهن بذلك أكثر واقعية، وأكثر ارتباطًا بالأرض، وأكثر خضوعًا لضرورات البشرية وأحكامها، وأقل قدرة على التجرّد والتحليق، والاستعلاء على الجبلة الطينية؛ ولذلك أعد المرأة للبيت والأمومة، وأعد الرجل للفلسفة.. وعهد بالطفل إلى المرأة.. وعهد بالنبوة وتغيير العصر إلى الرجل.. وبذلك جعل المرأة هي الأساس، وهي العنصر المحافظ.. والرجل هو أداة الانتقال وعنصر الثورة.

ولذلك فتّش سليمان الحكيم في الألف زوجة، فلم يجد امرأة فاضلة واحدة.

وانسحب فشل سليمان على البشرية.

فلا عجب إن كنّا أكثر فشلًا من سليمان.. ولنا عذرنا، ولهن عذرهن.

ولا عجب فنحن في عصور أكثر ظلمة، وأكثر مادية من عصر سليمان.. عصور أصبح فيها الحديد والصلب والبترول والذرة حكامًا على مصير الأرض.

فاسألوا الله الرحمة..

ولا تسألوا غيره فتهلكوا.

وحاولوا أن تكونوا فضلاء أولًا، قبل أن تفتّشوا عن المرأة الفاضلة.. فالثمار لا يمكن أن تظهر إلا إذا ظهرت الزهور أولًا.

ولتجد امرأة كخديجة، لا بدَّ أن تكون رجلًا كمحمد .

وتربية الفضيلة في النفس أمر مختلف عن تسمين الدجاج أو تربية الأسماك.. فليس للفضيلة وصفة علمية تنمو بها، ولا بذور تُشترى من السوق.. إنما الفضيلة نور.. ولا يمكن أن تتنوّر النفوس إلا بالاتجاه إلى مصدر الإشراق.. إلى الله، صاحب الفضل في كل فضيلة.

ولذلك كان أولو الفضل والفضيلة الحقة هم الساجدون والساجدات.

وإذا رأيت فضيلة في امرأة غير مؤمنة، فتلك فطانة وذكاء لا فضيلة، وتلك أخلاق التعامل التي تراها في البقالات الناجحة وشركات الائتمان.. وذلك أمر مختلف.

إنما الفضيلة نور وعطاء من ذات النفس، بلا حساب ودون نظر إلى مقابل، وهي صفة ثابتة تلازم صاحبها في جميع مواقفه.. ولا تتلوّن بالمصالح.. فكما أن الله بكرمه يرزق المؤمن والكافر.. كذلك الذين أخذوا كرمهم من عند الله، تراهم يمدون يد المعونة إلى أصدقائهم وأعدائهم، وهذا شأن النور يدخل القصور والجحور دون تحيّز.

وصدق سليمان الحكيم.. فإن من يرزقه الله امرأة فاضلة.. فقد رزقه جميع لآلئ وماسات الأرض.. وأكثر.

وقليل في الأرض أمثال هذا الرجل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز