انشراح على
ولدت انشراح على مرسى عام 1937، لأسرة متوسطة الحال، وبرغم التقاليد المتزمتة فى ذلك الوقت دخلت الفتاة الصعيدية المدرسة، وواصلت تعليمها حتى حصلت على الشهادة الإعدادية عام 1951.
وبعد نجاحها بأيام قليلة، أراد والدها مكافأتها فاصطحبها معه إلى القاهرة، لحضور حفل عرس أحد أقاربه، لتلتقى إبراهيم سعيد شاهين، من العريش، مواليد عام 1929، الذى ما غادر الحفل إلا وعرف عنها كل شىء، وبعد أيام قلائل فوجئت به يطرق باب بيتها فى المنيا برفقته والده، لطلب يدها.
إبراهيم�كان يعيش فى مدينة العريش، موظفا بسيطا فى مديرية العمل، بمحافظة سيناء.
وبعد الزواج مرت بهما الأيام بحلوها ومرها، ثم رزقا بمولودهما الأول نبيل عام 1955، ومن بعده محمد عام 1956، ثم عادل عام 1958.
وفى عام 1963م اتفقا على إرسال الأولاد إلى عمهم في القاهرة، ليواصلوا دراستهم هناك، وبعد ثلاث سنوات وتحديدا عام 1966 ضُبط إبراهيم يتلقى رشوة، فأحيل إلى المحاكمة وسجن ثلاثة أشهر.
وفى عام 1967 احتل الإسرائيليون المدينة، ولم يتورع شاهين عن التواصل مع العسكريين الإسرائيليين والتواصل معهم من أجل دولاراتهم، وعليه تم تدريبه فى الموساد على كيفية إرسال الرسائل الاستخباراتية السرية من قلب القاهرة إلى تل أبيب.
ومع الوقت أتقن شاهين العمل واستطاع التمييز بين الأسلحة والمعدات العسكرية المختلفة، وكان ينقلها أولا بأول إلى إسرائيل.
وبمرور الوقت تعاظم دور العميل، وقرر التوسع فى الخيانة ومن ثم التوسع فى النشاط، ولم يجد أكثر من زوجته انشراح التى تعاونت معه فى التجسس لصالح إسرائيل، وكانت تنظم حفلات بصورة دورية للمجندين فى الجيش من أصدقاء أبناءها الثلاثة الأطفال فى المدرسة.
وتحول الأطفال الثلاثة أيضا إلى جواسيس، ودورهم كان الحرص على مصادقة أبناء الضباط لمعرفة مواعيد عمل الآباء ومواقع عملهم، والأهم من هذا الاستعدادات العسكرية التى تتخذها مصر على الجبهة.
واكتشف رجال المخابرات المصرية أمر شاهين سريعا، حيث لاحظوا ترددهم كثيرا على إيطاليا أو اليونان واختفائهم هناك، حيث كانت هذه الدول بمثابة الرابط الذى يتوجهون بعده إلى إسرائيل.
وبالفعل وقع الزوجان فى الفخ، وكان قرار المخابرات المصرية هو استمرار العملية وعدم الإيقاع بالزوجين الآن حتى تعرف القاهرة ما الذى تطلبه المخابرات الإسرائيلية بالضبط.
ومع بداية عام 1974، سافر شاهين إلى تركيا ومنها إلى اليونان ثم إلى إسرائيل، وهناك حضر اجتماعا سريا مع أحد أبرز قادة الموساد الجدد، ممن تم تعيينهم بعد أن أطاحت حرب أكتوبر المجيدة بالقيادات السابقة.
وتم الاتفاق فى هذا الاجتماع على منح إبراهيم جهاز إرسال جديد، وهو من أحدث أجهزة الإرسال المتطورة، خصوصا وأن شاهين قال في تصريح للإسرائيليين، إنه شعر بأن هناك أمورا مريبة تتم فى مصر.
وقرر قادة الموساد الجدد، منح شاهين أحد أجهزة الإرسال الجديدة المتطورة، وعلمت مصر القصة، وتم إطلاع الرئيس السادات بكافة جوانب العملية، وكان قرار الرئيس ضرورة الانتظار حتى يحصل شاهين على جهاز التجسس ويعود به إلى القاهرة.
وبالفعل عاد شاهين إلى مصر ومعه جهاز الإرسال الجديد، إلا أن مفاجأة جديدة أذهلت العملاء بالإضافة إلى المصريين والإسرائيليين وهى حصول عطب فى جهاز الإرسال، ولا يمكن إصلاح العطل إلا بالذهاب من جديد إلى إسرائيل والإتيان بمكون جديد يتم وضعه فى جهاز الإرسال.
وكان قرار الرئيس السادات بضرورة الانتظار للحصول على المكون الجديد الذى سافرت انشراح شاهين زوجة إبراهيم للإتيان به.
وفور عودتها إلى القاهرة كان القرار بالقبض عليها وعلى زوجها وأولادها بتهة التجسس والتخابر.
وعند القبض عليهم قرر السادات الإسراع فى تنفيذ الحكم الصادر بإعدام شاهين، وتم الإفراج عن انشراح.
وفى إسرائيل تهودت انشراح وأبناؤها الثلاثة، وسافر أحد الأبناء إلى البرازيل مع زوجته الإسرائيلية، بينما يعيش اثنان مع والدتهم بأسماء يهودية، وافتتحوا مطعما للأسماك هناك.
ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت عام 1989، موضوعا عن الجاسوسة وأولادها قالت فيه: "إن انشراح شاهين، دينا بن دافيد، تقيم الآن مع اثنين من أبنائها بوسط إسرائيل وهما محمد وعادل، بعد أن اتخذت لهما أسماء عبرية هى حاييم ورافى، أما الابن الأكبر نبيل فقد غير اسمه إلى يوشى".
وقالت الصحيفة إن دينا بن دافيد، تعمل عاملة فى دورة مياه للسيدات فى مدينة حيفا، بينما يعمل ابنها حاييم كحارس ليلى بأحد المصانع، أما الابن الأكبر فلم يحتمل الحياة فى إسرائيل وهاجر هو وزوجته اليهودية إلى البرازيل حيث يعمل هو وزوجته بمحل لغسل وتنظيف الملابس".
وقد تم تجسيد القصة فى مسلسل "السقوط فى بئر سبع" الذى يدور المسلسل حول قصة حقيقية من ملفات المخابرات المصرية، حول تجنيد مصرى وزوجته للتجسس لصالح إسرائيل، نقلاً عن رواية "إبراهيم وانشراح" للكاتب الصحفى عبدالرحمن فهمى.