زيارة السيسى للسعودية
اختارت طهران سياسة أن تخيف الجميع إلا الحلفاء. اختارت أن تبني قوة نووية، لتضع أرضا صلبة تتكئ عليها فى التفاوض مع أمريكا، لاقتطاع أجزاء من "كعك" المنطقة، الذي كثر بعد ثورات الربيع العربى.
أما الرياض فاختارت أن توفّق بين الأضداد. ترعى المصالحة الخليجية القطرية من جانب، والمصالحة المصرية القطرية من جانب آخر، حتى إنها أرادت إرسال رسالة إلى العالم كله، أن الرئيس المصرى السيسى والرئيس التركى أردوغان على أرضها فى نفس الوقت، والجميع يعلم اختلاف المواقف بين البلدين. الرياض أرادت أن تقول إنها مع المصالحة الإقليمية وتكوين جيش عربى موحّد لمكافحة الإرهاب الذى يأكل الأخضر واليابس.

السيسى والملك سلمان
الزهو الإيرانى بالقوس الممتد من حزب الله "لبنان" إلى حوثيي "اليمن"، مرورا ببعث "بشار الأسد"، وحماس "غزة"، خطر يهدد المنطقة بأكملها. فإيران تشعر وكأنها فازت فى معارك العراق وسوريا واليمن، ولكن أى نوع من الانتصار يتحدثون؟ هل يتحدثون عن التمزق وعدم الاستقرار الحادث فى بلاد الرافدين، الذى لا تستطيع أن تغفله العيون؟ أم الحرب الدائرة بين فصائل عدة فى سوريا، وتوغّل داعش المخيف؟ أم انقسام بلاد اليمن السعيد الذى صار تعسا، واقترب من الانقسام لدولتين، إحداهما فى صنعاء والأخرى فى عدن؟
نعم نريد أن نعرف. ما نوع الانتصار الذى تفخر به إيران؟ وكيف يمكن أن يراه أهل المنطقة من خلال كل هذا الدمار؟
لقد ركزت إيران فى دعمها على التنظيمات فى المنطقة ضد الدول، ففى لبنان أبقت على حزب الله تنظيما تابعا لها، ودعمته، وأضعفت النظام المركزى، رغم أنه لا يعارض التوجهات الإيرانية فى محيط لبنان، وكذلك فعلت مع حماس ضد السلطة الفلسطينية مع أنها لم تعاد إيران، وساندت الحوثيين لسنوات، مع أن نظام صالح حينها كان على علاقة جيّدة مع طهران. ونراها أكثر وضوحا والتزاما فى العراق، حيث تدعم الميليشيات والأحزاب الموالية لها أكثر من دعمها الحكومة المركزية.
إيران وراء فكرة الميليشيات البديلة للجيش فى أى بلد.
وفى أثناء كل ذلك، تتواصل جسور المؤامرة بين إيران والغرب وإسرائيل، حيث يستعد البيت الأبيض، لما يمكن أن يكشفه رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، فى خطابه أمام الكونجرس، اليوم الثلاثاء، بشأن تفاصيل الاتفاق النووى الذى دخل مرحلته النهائية، وسط مخاوف وتحذيرات من مسؤولين بارزين بالإدارة الأمريكية من تداعيات الكشف عن مثل هذه المعلومات.

أوباما ونتنياهو
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فإن نتنياهو بصدد الكشف عن معلومات حساسة فى الاتفاق الذى بلور بين إيران والغرب بشأن الملف النووى، والذى على حد تعبيرهم لن يمنع طهران من امتلاك قنبلة نووية. فيما حذر المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش آيرنست قائلا: "كشف تلك المعلومات سيؤثر على الثقة مع حلفائنا وهو سلوك مخالف للثقة التى بيننا وبين حلفائنا".
يأتى ذلك فى الوقت الذى دعت فيه مستشارة الأمن القومى الأمريكى سوزان رايس، لعدم فرض عقوبات جديدة على إيران، لأن مثل هذه الخطوة من شأنها الإطاحة بالمفاوضات الدولية الجارية لحل أزمة الملف النووى الإيرانى.
إذن الاتفاق الإيرانى الأمريكى تمّ، بمعارضة إسرائيلية فى الظاهر، وموافقة فى الباطن.
وفى المقابل، لاشك أن المراهنين على أن السياسة الخارجية للسعودية ستتغير بالكلية في عهد الملك سلمان جانبهم الصواب، ومثلهم مخطئون من يراهنون على أنها ستبقى كما كانت في السنوات الثلاث الماضية، ولكنها في الوقت ذاته، لا تتردد في المضي للطريق الصائب الذي تتطلبه المرحلة.
خلال الأيام الماضية، تحولت الرياض بالفعل إلى خلية للتفاهمات والمحادثات السياسية الإقليمية باستضافتها كبار زعماء المنطقة، سبقتها سلسلة زيارات لقادة عرب وأجانب، فضلا عن قنوات اتصالات مستمرة بشتى العواصم العربية والدولية، سعيا إلى بلورة "مواقف متناغمة" حيال قضايا تهدد الأمن القومى العربى عامة، خاصة السعودية ومصر، عقب الانفلات الأمنى الإقليمى، وتصاعد تهديدات "الحوثيين" باليمن لباب المندب والملاحة بقناة السويس، إضافة إلى سيطرة الميليشيات المسلحة على ليبيا، لدرجة توجيه مصر ضربات جوية لمعسكرات تدريب ومخازن أسلحة "دواعش ليبيا" مؤخرا.

على خامنئى
خلافات العرب مع إيران قديمة، بعضها موروث، وأكثرها يعبّر عن سياسة القيادة الإيرانية التى لا تكتم سر طموحها التوسعى منذ وصولها للحكم، عندما توعّدت صراحة بأن تصدر ثورتها (الخومينى 1979) إلى المنطقة، وبسبب هذا التطويق الواضح من إيران للسعودية، نرى الرياض فى حالة دفاع عن مناطقها التقليدية، مرة مباشرة كما فى البحرين، وغالبا بدعم الحلفاء كما فى مصر وسوريا واليمن.
لا شكّ في أثناء هذه المواجهة السعودية الإيرانية الواسعة، تقف مصر إلى جوار الرياض، ليس فقط ردا لجميل "آل سعود"، ولكن لأن النار الإيرانية قد تمتد إلى القاهرة، وظاهرة الميليشيات طهرانية الهوى الموجودة فى سيناء الآن خير دليل على ذلك، فضلا عن خطورة إيمان الإخوان بهذه الفكرة الشيطانية فى حربهم مع دولة "30 يونيو" من خلال التفجيرات اليومية فى الشوارع المصرية.
أخيرا، القاهرة بالفعل ليست بعيدة عن الهجوم الإيرانى على منطقة الخليج، ما يعنى ضرورة مكافحة الإرهاب، وكذلك داعميه، بأقصى ما نملك من قوة وإمكانات.