عبدالرحمن الأبنودى
ورغم الفترة الزمنية الكبيرة الفاصلة بين العملين، التى تزيد عن 15 سنة، إلا أن الأبنودى "كاتب حوار الفيلمين"، حافظ على درجة التألق والحضور والإبداع، حتى مع تعامله مع جيلين ومدرستين مختلفتين فى الإخراج "حسين كمال وخيرى بشارة".
كثيرون لا يعرفون تجربته مع فاتن حمامة بـ"أغنية على الموت"، وهو فيلم قصير قدمته سيدة الشاشة العربية للتليفزيون، لكنه لا يُعرض إلا فى سهرات تليفزيونية، يكون الأبنودى ضيفا فيها، وبالطبع هو "مركون" فى مكتبة التليفزيون يعانى الإهمال.

تجربته السينمائية الأولى كانت بالصدفة. يقول عنها: "كنا مجموعة أصدقاء، حسين كمال مخرج الفيلم، وصلاح ذو الفقار منتجه، وبليغ حمدى واضع موسيقاه، وشادية بطلة الفيلم، وكتبت لها بعض الأغنيات، وكانت فى ذلك الوقت زوجة صلاح ذو الفقار،
كنت فى عمل ما بأستديو نحاس، حين التقيت المخرج حسين كمال، فصرخ فى قائلا أنت فين، أنا محتاج لك جدا، وقتها كان قدم جوابات حراجى القطط فى الراديو، واكتشف الناس أن اللهجة الصعيدية التى يستمعون إليها فى الدراما الإذاعية والتلفزيونية لا صلة بينها وبين لهجة أهل الصعيد، ولا تعبر عن شخصية الصعيد الحقيقية".
طلب منه حسين كمال عندما كان يقوم بإخراج فيلم "البوسطجى"، أن يقرأ خطابا طويلا من ضمن الخطابات التى كانت بلهجة أهل الصعيد، ليس فقط يقرأه وحده أو فى حضوره، بل طلب منه أن يمرن الأستديو كاملا عليه.
كان الفيلم التالى بالنسبة إلى حسين كمال، هو فيلم "شىء من الخوف"، ودون تفكير أرسل سيناريو وحوار الفيلم إلى الأبنودى، الذى كتبه صبرى عزت، بعد أن كان وزع الأدوار على الممثلين، ليكتب الأغنيات الملحمية، لكنه رأى أن الفيلم قد يصبح إحدى علامات السينما المصرية، لو أعاد الأبنودى كتابة حواره!
وبالفعل، نقل الحوار من لهجته البحراوية إلى الصعيدية، وأعاد صياغة الفيلم، وفى الموعد المحدد ذهب خائفا من رد فعل حسين كمال على تلك الجريمة التى ارتكبها دون استشارة، وفتح الأخير جهاز التسجيل ليسجل الأغنيات، فوجده يقرأ عليه الفيلم كاملا، لكن المخرج الكبير لم ينطق بكلمة حتى النهاية.
الطوق والأسورة
أما أسطورة "الطوق والأسورة"، رواية يحيى الطاهر عبدالله، فلم يكن غريبا أنه عندما تتحول إلى فيلم سينمائى، يكتب له السيناريو والحوار عبدالرحمن الأبنودى، صديق يحيى الطاهر الأقرب تقريبا.

لقد يعلم الجميع أن الروائى الكبير عاش مع الأبنودى فترة طويلة فى الصعيد والقاهرة، وبعد رحيله والاتجاه نحو تحويل الرواية إلى فيلم سينمائى، كان لا بد أن يفكر المخرج خيرى بشارة فى أن يعهد إليه بكتابة الحوار، حيث إنهما كانا يقتسمان العالم نفسه، والتجارب نفسها.
وبالفعل، كتب الأبنودى الفيلم، لكن لديه بعض التحفظات عليه خصوصًا المتعلقة باللهجة الصعيدية، يحكى عن ذلك: "لهجتنا فى الصعيد تختلف من قرية إلى قرية، ليس فقط من مدينة إلى مدينة أو من محافظة إلى محافظة، والخطأ الأكبر فى هذا الفيلم أن المخرج استعان ببعض فرق التمثيل بالأقصر، لتحفظ الممثلين لهجة لم أكتبها، ولم أفهمها حين قيلت، وأعتقد أنه خطأ قلل كثيرا من نجاح الفيلم الذى كان من الممكن أن ينال شعبية كبيرة جدا".
أغنية الموت
كتب الأبنودى حوار فيلم "أغنية الموت" لفاتن حمامة، وهو من 32 دقيقة. كانت سيدة الشاشة العربية قد قررت أن تصنع ثلاثة أفلام فى وقت فيلم واحد، ذلك لأن تجربة التليفزيون لفتت انتباهها بشدة، ووقع اختيارها على كتاب "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم، وهو يضم مسرحيات من فصل واحد، واختارت مسرحية "أغنية الموت".
فوجئ الأبنودى بالمخرج سعيد مرزوق يهاتفه: "فاتن حمامة تريد أن تراك"، ويعلق: "لم أكن أتخيل أن فاتن حمامة تعرفنى أو تطلبنى بالاسم، لكننى عرفت فيما بعد أنها اختارتنى بسبب فيلم شىء من الخوف".

التقى الأبنودى بفاتن حمامة فى شقتها بعمارة ليبون على شاطئ النيل بالجزيرة، قابلته بحفاوة، وأدخلته فى حجرة ذات طراز عربى وقالت: "اقرأ المسرحية، واكتب السيناريو والحوار والأغنية، أريد نصا كاملا، وأنا سأقوم بدور عساكر". كان المنتج هو صلاح ذوالفقار أيضا.
فى الأستديو، كانت ترفض بدء التصوير إذا لم يكن الأبنودى موجودًا، حتى أنهم أطلقوا عليه اسم "الخبير الأجنبى".