البث المباشر الراديو 9090
المشير محمد عبد الغنى الجمسى
"انتصار أكتوبر هو أهم وسام على صدرى.. وليتنى أحيا لأقاتل فى المعركة المقبلة".. هذا ما قاله المشير محمد عبدالغنى الجمسى آخر وزراء الحربية فى مصر التى تم استبدالها بوزارة الدفاع.. واحد من أشهر الشخصيات العسكرية فى تاريخ مصر.. صاحب الفضل فى وضع دراسة عن العدو الإسرائيلى تحدد على إثرها موعد حرب أكتوبر.. تم تصنيفه ضمن أبرع 50 قائدًا عسكريًا فى التاريخ، كما ذكرت أشهر الموسوعات العسكرية العالمى.

فى مثل هذا اليوم توفى المشير محمد الجمسى عام 2003، وفى التقرير التالى سنقوم بعرض أهم محطات حياته.. فالجمسى من مواليد 9 سبتمبر عام 1921 فى محافظة المنوفية بقرية البتانون لأسرة ريفية تتكون من سبعة أشقاء وكانت ميسورة الحال وكان والده تاجرًا من أعيان المنوفية.

وكان الجمسى مميزًا جدًا منذ نشأته حتى أنه هو الوحيد بين أبناء أسرته الذى حصل على تعليم نظامى قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، وأتم تعليمه النظامى فى مدرسة المساعى المشكورة بشبين الكوم بالمنوفية، ولعب القدر دوره فى حياته بعد أن أكمل تعليمه الثانوى، حينما سعت حكومة مصطفى النحاس باشا الوفدية لاحتواء مشاعر الوطنية المتأججة التى اجتاحت الشعب المصرى فى هذه الفترة؛ ففتحت لجميع الفئات والمستويات الالتحاق بالكلية الحربية.

التحق بالكلية الحربية وهو ابن 17 عامًا مع عدد من أبناء الجيل الذى سبقه والذين اختارهم القدر لتغيير تاريخ مصر، حيث كان منهم: جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وصلاح وجمال سالم، وخالد محيى الدين، وتخرج منها عام 1939 فى سلاح المدرعات.

وتخصص فى تدريس التاريخ العسكرى لإسرائيل الذى كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا من التسليح إلى الإستراتيجية إلى المواجهة.

واشترك فى كل الحروب العربية الإسرائيلية باستثناء حرب فلسطين عام 1948 التى كان خلالها فى بعثة عسكرية خارج البلاد.

وتقدم باستقالته من القوات المسلحة عقب هزيمة يونيو 1967 ليفسح للجيل الجديد الفرصة لاسترداد الأرض المحتلة ورفض الرئيس جمال عبد الناصر الاستقالة وأسند له مهام الإشراف على تدريب الجيش المصرى مع عدد من القيادات.

وفى عام 1973 عندما اقترب موعد الهجوم لتحرير سيناء كان يرأس وقتها هيئة عمليات القوات المسلحة، وإلى جانب تخطيط تفاصيل العمليات للحرب، قامت هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسته بإعداد دراسة عن أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية، حتى توضع أمام الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد لاختيار التوقيت المناسب للطرفين، وتقوم الدراسة على دراسة الموقف العسكرى للعدو وللقوات المصرية والسورية، وسميت تلك الدراسة "بكشكول الجمسى"، وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناء على تلك الدراسة.

ويقول المشير الجمسى فى كتابه "مذكرات حرب أكتوبر": "سلمت هذه الدراسة بنفسى مكتوبة بخط اليد لضمان سريتها للفريق أول أحمد إسماعيل الذى قال إنه عرضها وناقشها مع الرئيس السادات فى برج العرب بالإسكندرية فى أوائل إبريل 1973 وبعد عودته أعادها لى باليد ونقل انبهار وإعجاب الرئيس السادات بها، وعبر الفريق أول أحمد إسماعيل عن شكره لهيئة عمليات القوات المسلحة لمجهودها فى إعداد هذه الوثيقة المهمة بقوله: لقد كان تحديد يوم الهجوم عملاً علميًا على مستوى رفيع، إن هذا العمل سوف يأخذ حقه فى التقدير، وسوف يدخل التاريخ العلمى للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين".

كانت هذه الوثيقة هى التى أشار إليها الرئيس السادات فى أحاديثه بعد الحرب بكلمة "كشكول الجمسى ولكن الجمسى أكد: "حتى أعطى الفضل لأصحابه فأنى أقول أن هذه الوثيقة هى كشكول هيئة عمليات القوات المسلحة، التى أعتز وأفخر أنى كنت رئيسا لها فى فترة مهمة من تاريخ القوات المسلحة وتاريخ مصر".

عاش الجمسى ساعات عصيبة حتى تحقق الانتصار، لكن أصعبها تلك التى تلت ما عُرف بثغرة الدفرسوار التى نجحت القوات الصهيونية فى اقتحامها، وأدت إلى خلاف بين الرئيس أنور السادات ورئيس أركانه وقتها الفريق سعد الدين الشاذلى الذى تمت إقالته على إثرها، ليتولى الجمسى رئاسة الأركان، فأعد على الفور خطة لمحاصرة وتدمير الثغرة وأسماها "شامل" إلا أنها لم تنفذ نتيجة صدور قرار وقف إطلاق النار.

اختاره الرئيس أنور السادات قائدًا للمفاوضات مع الإسرائيليين بعد الحرب، ورُقى وقتها إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975، وكان من أشرس القادة الذين جلسوا مع الإسرائيليين على مائدة المفاوضات.

سُجل اسم محمد عبد الغنى الجمسى كأحد أبرز 50 شخصية عسكرية فى التاريخ المعاصر، وأطلق عليه مهندس حرب أكتوبر، وقد تم تصنيفه ضمن أبرع 50 قائدًا عسكريًا فى التاريخ كما ذكرت أشهر الموسوعات العسكرية العالمية.

حصل على 24 نوطًا وميدالية ووسامًا من مصر والدول العربية والأجنبية ومنها: وسام نجمة الشرف العسكرية، وسام التحرير عام 1952، وسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958.

خرج المشير الجمسى من الحياة العسكرية، لكنه ظل محتفظا بنفس التقاليد الصارمة من الالتزام والانضباط والتزام الصمت بعيدا عن الأضواء، وحين بدأت موجة الكتابة عن حرب أكتوبر تنتشر فى مختلف أنحاء العالم، كانت المعلومات تتكشف تدريجيا عن دور الرجل فى الحرب، وتعددت معها الألقاب التى أطلقت عليه، فجرت المقارنة بينه وبين الجنرال الألمانى الأشهر روميل؛ فسمى "ثعلب الصحراء المصرى"، نظرًا لبراعته فى قيادة معارك الصحراء، ولُقب بأستاذ المدرعات التى احترف القتال فى سلاحها منذ تخرجه فى الكلية الحربية، أما أحب الألقاب إلى قلبه فكان لقب "مهندس حرب أكتوبر"، نظرًا لاعتزازه بالحدث وفخره به.

إلا أن أغرب الألقاب التى أُطلقت على المشير الجمسى، فكان ذلك الذى أطلقته عليه جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب أكتوبر، حين وصفته بـ"الجنرال النحيف المخيف".

ورحل المشير الجمسى، فى صمت، بعد معاناة مع المرض، العدو الوحيد الذى لم يستطع قهره، فى 7 يوينو 2003 عن عمر يناهز 82 عامًا، عاش خلالها حياة حافلة بالانتصارات، وكانت له جنازة مهيبة حضرها كبار الرموز العسكرية المصرية تكريمًا ووفاء لذكرى الرجل.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز