البث المباشر الراديو 9090
أفيش فيلم المئوى
صناعة فيلم كوميدى أمر ليس سهلا، خصوصا تلك الأفلام التى تتناول أحداثا سياسية، فالمحاذير كثيرة، وتتطلب وعيا من قبل صناع الفيلم، لعدم الانزلاق فى فخ الدعاية الفجة أو الاستسهال.

فيلم "الرجل ذو المائة عام الذى هبط من النافذة واختفى 2013"، للمخرج السويدى فيليكس هيرنجرين، وهو الذى كتب له السيناريو أيضا عن رواية لمواطنه الكاتب يوناس يوناسون، هو كوميديا سوداء عن الأحداث العظمى التى وقعت فى القرن العشرين، وإعادة تقديمها بتفسير جديد، تفسير فانتازى، فى محاولة لشحذ ذهن المتفرج وجعله يفكر مرة أخرى فى كل الأشياء التى كان يعتقد أنها من المسلمات، وأنها حقائق لا تقبل الشك، ليس للشك فى صدقها من عدمه، وإنما لطرحها من خلال رؤية ساخرة، أشبه ما يكون بعرض تلك الأحداث والشخصيات بشكل كاريكاتورى، نازعا عنها كل ما يغلفها من مهابة أو وقار، فى محاولة لتقديم رؤية مغايرة للتاريخ، الذى تمت كتابته بهذا الشكل الصارم وتقديمه لنا وكأنه شىء مقدس.

الفيلم مأخوذ عن رواية تمت ترجمتها للعربية تحت عنوان "المئوى الذى هبط من النافذة واحتفى"، وترجمها الكاتب الأردنى علاء الدين أبو زينة، وصدرت عن دار المنى باستوكهولم، وهى دار مهتمة بترجمة الأدب السويدى إلى العربية وقدمت من قبل رواية "عالم صوفى" لجوستاين جاردر، أما مؤلف رواية "المئوى" فحياته تحتوى على الكثير من الدراما، وتصلح هى أيضا تحويلها لفيلم، حيث درس اللغة فى الجامعة ثم عمل بالصحافة، ليتركها ويعمل فى مجال الميديا لمدة 20 سنة، ثم يترك كل ذلك ويقرر بيع كل ممتلكاته والتفرغ للكتابة والسفر.

فيلم "المئوى" ـ وسوف نختصر اسمه بسبب الطول ـ يسرب لنا فكرة مرحة وساخرة، ماذا لو كانت كل الأحداث الكبرى التى شكلت تاريخ القرن العشرين، مجرد صدفة أو نتيجة لغباء القادة، أو حظا طيبا رافق أصحابها، وليس نتيجة تخطيط وعمل وفكر ورؤية كما يقول لنا التاريخ؟ إنها محاولة لإعادة كتابة للتاريخ بشكل مرح، أو النظر إليه من زاوية أخرى، هى زاوية الضحك والسخرية، هل تستحق تلك الأحداث أن يكون هذا هو مصيرها؟.. ربما..

عمومًا، تستخدم السخرية كسلاح لمواجهة الديكتاتوريات دون الوقوع تحت بطشها، استخدام الضحك فى مواجهة القيود، هزيمة الاستبداد بالمرح، فيلم "المئوى" لا يقصد هذا المعنى تحديدا لأنه ابن ثقافة العالم الأول، وإن كان يقترب منه بمفهومه الخاص، المتعلق بثقافته المتضمنة التنديد بالحروب ومعارضة سباق التسلح النووى.

"ألن كارلسون" رجل عجوز بلغ المائة من عمره، ويؤدى دوره الممثل السويدى "روبرت جوستافسون"، قرر أن يترك بيت المسنين الكئيب الذى أقام به بعد مقتل قطه الأليف "مولوتوف" على يد ثعلب، ليدخل مغامرة غير مخطط لها، مجرد القيام برحلة إلى أى مكان، فأى مكان بالتأكيد هو أفضل من الجلوس وسط كبار السن، ومن هنا تبدأ المغامرة غير المحسوبة، ليجد "ألن" نفسه وبيده حقيبة بها 50 مليون دولار وعصابة مافيا تطارده ورجل شرطة يفشل فى الوصول إليه رغم أنه قريب منه، ورفقة غريبة الأطوار، ليصنع تاريخا جديدا لكنه هذه المرة بعيدا عن السياسة، إنه تاريخه الشخصى وكأنه يخرج لسانه للعالم فى آخر ما تبقى له من أنفاس، وعلى الرغم من كبر سنه وخطواته البطيئة المتثاقلة، إلا أنه ينجح فى التغلب على كل العقبات التى تواجه طريقه.

قدم صناع الفيلم كوميديا الموقف، بعيدا عن الإفيهات التى ربما ستتحول بعد فترة الى كونها "عادية"، وتفقد جزءا من قيمتها، لكن كوميديا الموقف باقية وصامدة ضد الزمن، ويدور "المئوى" فى خطين متوازيين، المرحلة الحالية لرحلة "ألن" الغريبة مع الخمسين مليون دولار، والخط الثانى هو قصة حياة "ألن" منذ أن كان جنينا فى بطن أمه، ثم الأحداث الكبرى التى شكلت حياته، مثل إعدام والده الذى كان يعتقد أنه توصل لحل فكرة التكاثر البشرى وزيادة النسل وبالتالى القضاء على الفقر، أو اكتشاف ولعه بالمتفجرات، والتى ستكون سببا فى دخوله مستشفى المجانين، لتبدأ بعدها مغامراته العظمى، فيشارك فى الحرب الأهلية الإسبانية ضد قوات فرانكو، وللمصادفة البحتة يكون سببا فى إنقاذ فرانكو من الموت المحقق، كما سيدل العلماء الأمريكان على معادلة الكتلة الحرجة ليصنعوا أول قنبلة ذرية فى التاريخ، أما ستالين فلم يمت بشكل عادى كما تقول لنا كتب التاريخ، بل كان "ألن" هو السبب فى وفاته، كما سيكون حاضرا فى باريس عام 1968 أثناء ثورة الطلاب التى شكلت علامة فارقة فى القرن الماضى، وسيرافق أخو آينشتاين "الغبى جدا" فى معسكرات الاعتقال بسيبيريا، والذى اختطفه السوفييت ليساعدهم فى صناعة القنبلة.

الفيلم يقدم لنا سينما مختلفة عما اعتدنا على مشاهدته من أفلام المنطقة الإسكندنافية، خصوصا أفلام "إنجمار برجمان"، التى تتميز بعمقها الإنسانى وغناها البصرى وشاعريتها ورؤيتها الفلسفة للحياة، فالمخرج "فيليكس هيرنجرين" يطرح رؤية مختلفة عن سابقيه، ليس لاختياره تقديم الأفلام الكوميدية، ولكن عوالمه ورؤيته للحياة ولمصائر شخوصه مختلفة.

ولو جاز لنا أن تستعير مصطلحا أدبيا لنطلقه على نوعية فيلمه، لقلنا أنه يقدم "الواقعية السحرية"، وهو هنا يقترب من عوالم المخرج الصربى "إمير كوستاريتسا"، حيث نشاهد عالما فانتازيا خاصا بهما، يلغى الفوارق بين الأشياء، محطما القوانين الفيزيائية المتعارف عليها، فنجد الأفيال تسير فى الشوارع أو تقوم القطط بدور محورى فى الأحداث، كما أن وقوع "المعجزات" هو شئ عادى لا يثير الدهشة، والشخصيات عادة ما تكون "غريبة الأطوار" من وجهة نظر العالم الموازى، وتتبنى منطق وفلسفة "زوربا" فى رؤيته للحياة، فليس غريبا فى فيلم "المئوى" أن تفشل عصابة المافيا التى لا تعرف سوى لغة القتل من اللحاق بالعجوز، أو أن تحتفظ سيدة المزرعة بالفيل كحيوان أليف بديلا للكلب أو القطة، أو أن ينشغل الشاب الذى أقل العجوز فى سيارته بالعلم، فيدرس كل العلوم الموجودة دون أن ينتهى من واحد منها.

"الهبوط من النافذة" يبدو كنقطة فارقة فى حياة "ألن"، إنه قرار بترك حياته السابقة خلف ظهره، والبدء فى حياة جديدة أو مرحلة جديدة، وتأخذ هذه الخطوة معنى "صوفيا"، حيث يترك خلفه كل شيئ مادى، فقط روب النوم وحذاء خفيف فى قدميه وبعض العملات المعدنية كافية لإيصاله إلى أقرب محطة، كما أن الخروج من "النافذة" وليس "الباب" المكان الطبيعى للدخول أو الخروج، يحمل فى طياته السخرية من كل شئ، وكأن ذلك الخروج يحتاج إلى قرارات لا تتعلق بالمنطق أو حساب العواقب، فالحياة لن ينفع معها هذا الأسلوب، لسبب بسيط، أن المجتمع ويمثله هنا "مشرفة الدار والممرضات"، لن يسمح بكسر القواعد التى تم وضعها للناس ليمشوا عليها بقية حياتهم، قرار الهبوط من النافذة هو "اعتراض" على الحياة بنمطيتها ورتابتها وتقاليدها وأعرافها البالية، فالهبوط هنا هو "تمرد" على الموت لصالح الحياة.

"روبرت جوستافسون" أدى شخصية المئوى بهدوء، بلا تكلف أو افتعال، آو الاعتماد على "كاركتر" الشكل لخلق الكوميديا، وحافظ على أن تكون تعبيرات وجهه محايدة، لا تعبر عن القلق أو الخوف من مجريات الأحداث، مجرد عجوز يعانى قليلا من النسيان والزهد فى الأشياء، ولكنه ما زال يمتلك روحا تعاند القدر أو لنقل "السخرية من الحياة"، كما تقوده قدماه دوما لصناعة التاريخ، متذكرا كلمات أمه الأخيرة وهى على فراش الموت "التفكير غير مجد، الشئ الأكيد أن الأمور ستبقى على ما هى عليه، وليكن ما يكون"، وكانت تلك هى فلسفته فى حياته الطويلة التى جاوزت القرن "فليكن ما يكون".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً