البث المباشر الراديو 9090
الطيب
كان حلمه أن يصبح ممثلًا، بات من أشهر مخرجى الواقعية الجديدة، فرض فنه على موجة الهبوط التى اعترت السينما المصرية فى الثمانينيات، وظل اسمه كافيًا للتدليل على تميز الفيلم الذى يقدمه.

ذلك بسبب إصراره على صناعة سينما متمردة على السائد والتجارى، وفى الوقت الذى صعدت فيه سينما المقاولات لتصبح الصوت الأعلى لدى المنتجين، كان يعمل على النقش فى صخور الشروط السائدة لصناعة أفلام كبيرة، بعد تجربة طويلة من العمل فى إخراج الأفلام الوثائقية، والعمل كمساعد مخرج لمجموعة كبيرة من أشهر مخرجى السينما المصرية، مثل يوسف شاهين، وشادى عبد السلام، فضلًا عن المخرجين العالميين الذى صوروا أفلامًا عالمية فى مصر.

بالكاد لا يمتلك سيرة كهذه سوى مخرج أراد الحياة لسينما أرادت الموت، عاطف الطيب، جيفارا السينما المصرية، وعميد الواقعية الحديثة، الذى تمر اليوم ذكرى وفاته الـ21، وهو المولود فى جزيرة الشورانية، مركز المراغة محافظة سوهاج، تمنى لو أصبح ممثلًا إلا أنه تخرج فى المعهد العالى للسينما قسم الإخراج، أثناء الدراسة عمل مساعدًا للإخراج، مع مدحت بكير فى فيلمى "ثلاثة وجوه للحب، دعوة للحياة"، ومساعدًا للمونتاج مع كمال أبو العلا.

التحق الطيب بعد تخرجه، بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، وقضى به الفترة العصيبة "1971، 1975"، التى شهدت حرب أكتوبر 1973، وخلال الفترة التى قضاها بالجيش، أخرج فيلمًا قصيرًا "جريدة الصباح"، من إنتاج المركز القومى للأفلام التسجيلية والقصيرة، وبعد تلك الفترة عمل مساعدًا للمخرج شادى عبد السلام فى فيلم "جيوش الشمس"، ثم أخرج فيلم قصير من إنتاج المركز التجريبى "المقايضة"، بعدها عمل مساعد مخرج ثانى مع المخرج يوسف شاهين فى فيلم "إسكندرية… ليه؟"، وفى 1981 عمل مع المخرج محمد شبل فى فيلم "أنياب".

كما عمل مساعدًا للمخرج العالمى لويس جيلبرت فى فيلم "الجاسوس الذى أحبنى"، ومع المخرج جيلر فى فيلم "جريمة على النيل"، ومع المخرج مايكل بنويل فى فيلم "الصحوة"، ومع المخرج فيليب ليلوك فى فيلم "توت عنخ أمون".

عاطف الطيب عمل كفارس يحارب الفساد الذى تغلغل فى نفوس شخصياته، التى تمثل المجتمع بكل تحولاته فى تلك الفترة، من خلال خصال أولاد البلد، فأصالة المواطن المصرى سمة ظاهرة فى كل أفلامه، لكنه لم يتمكن من إتمام فيلمه الأخير "جبر الخواطر" لوفاته، حيث أتم المونتير أحمد متولى عملية مونتاج الفيلم منفردًا، بعد أن توفى فى 23 يونيو 1995، عن عمر ناهز الـ47، إثر أزمة قلبية حادة، أجرى بسببها عملية، كانت آخر ما مر به فى حياته.

قدم خلال 15 عامًا، 21 فيلمًا، سعى فيها إلى تقديم صورة واقعية عن المواطن والمجتمع المصرى، وقال عنه نجيب محفوظ: لقد قدمت لى السينما العشرات من الأفلام، ولكنى أعتقد أن "الحب فوق هضبة الهرم" من المعالجات السينمائية الجيدة التى لم تستغل الأصل الأدبى لأسباب لا تمت للأدب أو الفن بصلة، إنما حول القصة الأدبية إلى شكل سينمائى متميز جعل منها بالفعل علامة مهمة فى تطور السينما فى مصر، وجعل من مخرجها بحق عميدًا للخط الواقعى فى السينما المصرية الحديثة.

ليس فقط فيلم "الحب فوق هضبة الهرم"، لكن فى أغلب أعماله، ظهرت الشخصية الناقدة للطيب، وفى هذا الفيلم ظهرت لتعالج أزمة الزواج فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ومشكلة السكن، وتراجع طبقة الموظفين من المتعلمين أمام طبقة المهنيين وأخلاقياتهم وذوقهم، دون أن يدين هذه الطبقة، وكعادته يغير الطيب النهاية لتصبح أكثر إدانة للواقع، بدلًا من النهاية السلبية فى قصة نجيب محفوظ.

لا ننسى "أبناء و قتلة"، الذى يستعرض فيه حياة تاجر سلاح انتهازى، من بداياته كعامل فى بار متواضع، واستغلاله لراقصة شعبية تتآمر عليه لإبعاده عنها، تاركة له طفلين يتربيان فى رعاية العمة، بينما تتزوج هى من ضابط الشرطة الذى يطارد التاجر، حتى ينتهى الفيلم بنهاية مأساوية بقتل ابنه الأستاذ الجامعى نتيجة حالة ضعف النظر التى ترمز إلى انعدام الفكرة الأخلاقية فى الحياة.

من ينظر لحياة الطيب يدرك حجم المعركة التى كان يخوضها بعمله على إدانة عصر الانفتاح، فيقدم فيلم "كتيبة الإعدام"، عن قصة أسامة أنور عكاشة، ثم فيلم "الهروب" فى بداية التسعينيات، الذين أدانا نماذج المتسلقين على موجة الانفتاح الاقتصادى، ويدعوان إلى الثورة والعنف والحلول الفردية فى تخليص الحسابات، هذه الرؤية المفتوحة التى تنتهى دائمًا بالقتل والتصفية جعلت النقاد يفتحون بدورهم نار الانتقادات الساخنة ضده، وصنفوه كمخرج "خطر"، خاصة مع تأثيره الكبير على عدد من المخرجين الشباب.

التوجه السياسى ظهر بارزًا فى فيلم "ناجى العلى" 1992، الذى مكن نقاده من إطلاق حملة جديدة على طريقة "امسك حرامى"، حيث اتهم الطيب بتقديم صورة سلبية عن الشخصية المصرية الذى قدمها كشخصية مغيبة وعاجزة فى تعمد لاستخدام الرمز لدور مصر السياسى فى تلك المرحلة من التاريخ العربى.

الهجمة على فيلم "ناجى العلى"، دفعت الطيب لمحاولة تقديم أفلام مختلفة عما قدمه فى مسيرته، ولكن الوقت تأخر، فصنف كمخرج منشق ومتمرد وصعب الترويض، فأتت أفلامه الأخيرة "دماء على الأسفلت، كشف المستور، ليلة ساخنة"، لتضيف لرصيده الساخن من الأفلام الخلافية والجدلية التى أرضت الكثير، وأسخطت أيضًا الكثير.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز