موسم وحيد القرن
فى فيلمه "موسم وحيد القرن – 2012"، يذهب المخرج الكردى الإيرانى بهمان غوبادى إلى مرحلة جديدة فى مسيرته السينمائية، ومختلفة أيضا عن أعماله السابقة على مستوى الكتابة والتصوير، والتى تناولت فى معظمها هموم ومعاناة الشعب الكردى، سواء فى إيران الثورة الإسلامية أو عراق صدام حسين، فى هذا الفيلم وإن كان البطل كرديا أيضا، إلا أنه يعبر عن مأساة الإنسان عموما، وعلاقته الملتبسة مع السلطة، وتغول الديكتاتورية وتدخلها السافر فى حياة البشر.

الفيلم يتناول حياة شاعر، تم الزج به إلى السجن لمدة 30 عاما بتهمة أن قصائده تحرض على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبما أن الفيلم عن شاعر فلابد أن يكون مختلفا، ويتم إخراجه بشكل "شاعرى" أيضا، وهو ما فعله غوبادى فى السيناريو الذى كتبه، حيث جاء "موسم وحيد القرن" عبارة عن قصيدة سينمائية، ترجمة بصرية للشعر، عن طريق اختزال الحوار وتكوينات الكادر والموسيقى، مستخدما مقاطع من الشعر تعبر عن حالة البطل وأزمته القدرية، فجاء الفيلم مثل قصيدة تلمس الروح، ممتعا وغنيا وملهما.

يحفل الفيلم بالعديد من المشاهد السريالية، والتى أتت للتعبير عما يدور بداخل روح الشاعر، من تساؤلات وانفعالات وانكسارات، ففى مشهد الشاعر داخل السجن، حيث يتم توثيقه فى عامود وربط فمه بشريط قماشى لمنعه من الصراخ أو التألم، تمطر السماء سلاحف، عشرات السلاحف الصغيرة، والتى تبدأ فى التحرك ببطء، تماما وكأن زمن السجون يتمدد ليصبح أطول من المعتاد، وان عقارب الساعة ستدور ببطء السلاحف التى أسقطتها السماء، مشهد مطر السلاحف يذكرنا بمشهد آخر فى فيلم "ماجنوليا - 1999" للمخرج الأمريكى بول توماس أندرسون، حيث تمطر السماء ضفادع، وتمتلى الشوارع وأسطح السيارات بضفادع صغيرة. وفى مشهد آخر، يقوم حصان بإدخال رأسه داخل سيارة الشاعر، حصان يمتلك عينا مرهقة ومتعبة وحزينة ومكسورة، يتبادل النظر مع الشاعر فى صمت، ويقوم غوبادى بعرض عين الحصان والشاعر بالتبادل فى لقطة مكبرة.

وحيد القرن والذى يحمل الفيلم اسمه، هو رمز للشاعر المبدع الفنان، رمز لماضيه ولقصائده التى نشرها فى ديوان قبل دخوله السجن، لكن لماذا وحيد القرن تحديدا وليس أى كائن آخر؟. وحيد القرن كحيوان يميل للعيش فى عزلة، ونادرا ما يكون جماعات، حتى إن فعل ذلك يكون القطيع قليل العدد، كما أنه يصنع منطقته الخاصة والتى لا يسمح لأى وحيد قرن آخر باختراقها أو الدخول إليها ويدافع عنها حتى الموت، منطقة يمارس فيها طقوس وحدته وأنانيته أيضا، وهو ما ينطبق على الشاعر، الذى يعيش داخل شرنقة ينسجها من حوله ويحرم اختراقها على أى مخلوق، يخلق عالما موازيا يستطيع تحمل روحه القلقة.

يحاول الشاعر قتل وحيد القرن، يصدمه بسيارته فى محاولة لعتق روحه الحبيسة بداخله، والتخلص من كل أثقال الماضى، لكن هل ينجح الشاعر فى ذلك؟. فى فضاء واسع وأرض قاحلة يبدأ الصراع، تنطلق سيارة الشاعر بسرعة بينما يركض وحيد القرن بجسده الضخم محاولا الهروب، الماضى ثقيل، يحمل الكثير من الذكريات والآلام والأحلام المجهضة والحبيبة المختفية، لذا سترتطم السيارة به بقوة، تهتز قليلا قبل أن تعود للاستقرار ثانية، وصوت الشعر ينشد "الأرض سطح ملح قاس..وحيد قرن مال برأسه ولَعقه بفم فارغ"، هل مات وحيد القرن؟ الشاعر لم يفهم أن الماضى لا يموت، يظل قرينا مرافقا للجسد فى كل مكان يذهب إليه، الخلاص الوحيد منه هو مفارقة هذا الجسد، فى مشهد النهاية عندما يقفز الشاعر بسيارته إلى البحر، نرى جثة وحيد القرن وهى تبدأ فى الصعود من القاع الى الأعلى، وابتسامة تملا وجه الشاعر، ابتسامة التحرر والانتصار.

يهتم غوبادى بالحيوانات فى أفلامه بشكل ملفت للنظر، ليس مجرد كائن عادى يظهر فى أحد المشاهد، ولكنها تمثل جزءا مهما من سياق الفيلم، دائما ما يرتبط الحيوان بمصائر أبطال العمل، والحيوانات التى يستخدمها غوبادى تحمل فى الوعى الثقافى والأدب والفنون، دلالات ورموزا معينة، خصوصا الحصان، ومعظم أفلامه تحمل أسماء حيوانات مثل "وقت للخيول المخمورة – 2000"، و"السلاحف تستطيع الطيران – 2002"، "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية – 2009"، و"موسم وحيد القرن"، إنه عالم غوبادى السينمائى الذى صاغه فى أفلامه ومنحه تميزا وتفردا بين مخرجى السينما الإيرانية المعاصرة.

فيلم "موسم وحيد القرن" مستلهم من قصة حقيقية لشاعر كردى صديق لعائلة غوبادى، اسمه "صادق كامانغار"، حبس ظلما فى سجون إيران لمدة 27 عاما، وتم إخبار أهله بأنه مات فى السجن حتى أنهم كانوا يزورون قبرا أخبرتهم السلطات أنه يخصه، الفيلم مستلهم وليس سيرة ذاتية، لأن أحداثه تختلف تماما عن الواقع، كما أن المقاطع الشعرية التى يتم إلقائها فى الفيلم تمت كتابتها خصيصا للفيلم، فالشاعر فى "موسم وحيد القرن" هو رمز لكل إنسان تعرض لظلم سياسى أو تم دفعه لترك وطنه والاغتراب بعيدا أو إجباره على التوقف عن الإبداع، وهى أزمة يعانى منها الكثير من الفنانين الإيرانيين، حيث يعيش بعض منهم خارج بلادهم مثل محسن مخملباف وبهمان غوبادى، أو تم وضعهم تحت الإقامة الجبرية والمنع من الكتابة والإخراج مثل جعفر بناهى، وقد قام غوبادى بإهداء الفيلم إلى "سانى جالا" طالب المسرح في جامعة طهران، الذى فقد حياته خلال مظاهرات 2011, و"فرزاد كلمانغار" الذى أعدمته السلطات الإيرانية فى 2010 بتهمة الإخلال بالأمن القومى، وإلى كل المعتقلين السياسيين فى السجون الإيرانية.

يدور الفيلم حول الشاعر "ساحل فرزان" والذى أدى دوره وهو كبير فى السن الممثل الإيرانى "بهروز وثوقى"، يتزوج من زميلته بالجامعة "مينا"، والتى أدت دورها الممثلة الايطالية "مونيكا بيلوتشى"، له ديوان وحيد بعنوان "قصيدة وحيد القرن الأخيرة"، ينتظره مستقبل واعد وحياة سعيدة مع حبيبته، لكن قيام الثورة الإسلامية ينهى كل ذلك، وبوشاية من "أكبر" والذى أدى دوره الفنان التركى "يلمظ أردوغان"، الذى يعمل سائقا لدى عائلة زوجته قبل أن يتحول إلى أحد كبار ضباط الحرس الثورى، يتم اتهامه بأن قصائده "والتى كتبها ونشرها قبل الثورة" تحرض ضد الجمهورية الجديدة.

الفنان "بهروز وثوقى" استطاع وبجدارة تقمص شخصية الشاعر والتماهى معها، مستخدما تعبيرات وجهه الجامدة وعينية الحزينتين والمنكسرتين بفعل الزمن والظلم والاغتراب عن الذات والوطن، استطاعت عينا بهروز قول كل شىء بدون نطق كلمة واحدة فى الفيلم، ولا حتى ابتسامة، دور صامت لكنه تمكن من تجسيد شخصية الشاعر المحطم، وكما تقول القصيدة فى الفيلم "لقد أطلقوا سراحك.. فتحوا الأرض وغطوا آثارك.. أعلنوا موتك.. سواء كنت حيا أو ميتا.. لا أحد يعلم بك.. خيط شفتيك.. أحمل جدرانك على كتفيك وارحل". إنه قدر الشاعر فى الحياة، إحساس بالغربة داخل الوطن وغربة مضاعفة خارجه.

فى مشهد النهاية وعندما يقفز الشاعر بسيارته إلى البحر وبداخلها غريمه "أكبر"، الشاعر الذى درب نفسه على كتم أنفاسه لأطول فترة ممكنة داخل السجن، حينما كان يضع السلحفاة على ظهرها ويكتم أنفاسه بلا حركة أو رمشة عين، وحينما تحس السلحفاة بالموات من حولها تنقلب عل رجليها، حينها يستنشق الشاعر الهواء، هذا الشاعر سوف ينظر بابتسامته الوحيدة والأخيرة له فى الحياة، الى "أكبر" وهو يحاول عبثا فتح باب السيارة للنجاة من المصير المحتوم، ينظر إليه قبل أن تنفرج شفتيه عن ابتسامة، وتبتسم أيضا عينيه، ابتسامة الحرية والانعتاق، بينما جثة وحيد القرن تصعد ببطء للأعلى.

أما الفنانة الايطالية "مونيكا بيلوتشى"، فقد أدت دورا مختلفا عما قدمته من قبل، فى مرحلة جديدة من اختياراتها الفنية، حيث اعتمدت على نظرات عينيها وتعبيرات وجهها فى إظهار ما بداخل شخصية "مينا"، ومن أجمل وأقسى مشاهدها، هو اللقاء مع الشاعر فى السجن، حيث تمت تغطية وجهيهما بكيس أسود، ووضع القيود الحديدية فى رسغيهما، لتتلامس الأيدى المقيدة فى عناق ملتهب ومتوتر، لكن دون أن يرى أحدهما الآخر.
دور "مينا" مركب ويمر بعدة مراحل، الشابة المنطلقة ثم السجينة غير القادرة على استيعاب الأمور والمطاردة من "أكبر" المجنون بحبها، وأخيرا المنكسرة فى أحد بيوت إسطنبول، تعيش مع ابنيها التوأم، ثمرة اغتصابها فى السجن، امرأة فقدت كل شئ، الأب المحسوب على النظام السابق، والزوج الذى منحوها شهادة وفاته على خلاف الحقيقة، لتصبح "مينا" ذاكرة الشاعر الحية، حيث تمتهن نقش التاتو على الأجساد، مستخدمة مقاطع من قصائد زوجها، فإن كان ديوانه تمت مصادرته ومنعه، إلا انه سيكون منشورا على أجساد البشر، لا تمنعه حدود أو سلطات من المرور ودخول بلاد العالم، ليبقى شعره محفورا ومرئيا إلى الأبد.

التصوير هو البطل فى "موسم وحيد القرن"، وقد نجحت كاميرا "توراج أصلانى"، فى تجسيد روح العمل، وبدت الكادرات وكأنها لوحات فنية، من حيث توزيع الأشخاص آو زاوية التقاط المشهد، إضافة إلى اختيار أماكن التصوير التى بدت غير مألوفة للعين، وقد اعتمد غوبادى على أقل ما يمكن من الحوار، مستلهما من الشعر قدرته على الاختزال وتكوين صورة شعرية جديدة، تاركا مساحة للمتفرج فى تأمل المشهد والتشبع به وبجمالياته الفنية، مغتمدا على تعبيرات وجوه الممثلين فى إيصال المراد قوله.

"عندما يموت الشعر فيك، تتعفّن جثتك"، فانتبه أيها الشاعر، حافظ على قصائدك بعيدا عن متناول الموت، فموت الشعر هو موتك أنت، لكن الاختيار لم يكن بيد "ساحل"، هو يعرف ذلك تماما، وينساق بإرادته لمصيره المحتوم، فببساطة، الحياة – بالنسبة للشاعر - هى فى مكان آخر.

ملاحظتان:
أفيش الفيلم الرئيسى كان معبرا عن روح العمل، حيث صور جثة وحيد قرن ملقى على أرض قاحلة، وفى الخلفية شخصان متجهان إلى البعيد.
تم وضع اسم المخرج الأمريكى مارتن سكورسيزى على التترات، كنوع من التقديم للفيلم، ولكنه لم يشارك فى الإنتاج.
