البحث عن دورى
من شاهدوا فى طفولتهم فيلم "البحث عن نيمو – 2003"، سواء بلغته الأصلية أو المدبلجة بالعامية المصرية، سيسعدون كثيرا بإنتاج جزء جديد بعد مرور 13 سنة من صدور الجزء الأول، ليستعيدوا أيام الطفولة، وليحققوا رغبتهم فى رؤية مغامرة جديدة لأبطال العمل، فطوال السنوات الماضية كانت مشاهد معينة أو مقتطفات من جمل حوارية، تدور فى ذهن من شاهدوا "نيمو" بنسخته المدبلجة، لتعلو الابتسامة وجوههم، خصوصا جمل السمكة "دورى"، والتى قامت بالأداء الصوتى لها الفنانة "عبلة كامل" مثل: "عوم واتمخطر.. مخطر.. مخطر"، أو الجملة الشهيرة لسمكة القرش بشوش "السمك صحاب مش طواجن"، أو جملة السلحفاة "ودع الأحزان".

شركة بيكسار تعود بجزء ثان من الفيلم، حمل اسم "البحث عن دورى – 2016"، ويدور حول مغامرة مختلفة للسمكة الزرقاء "دورى"، والتى لعبت دورا هاما فى البحث عن "نيمو" وإعادته مرة أخرى فى الجزء الأول من الفيلم، "دورى" والتى تعانى من فقدان قصير للذاكرة، تتملكها رغبة جامحة فى العثور على والديها، ورغم عدم تذكرها لأى شىء عنهما، إلا أنها من وقت لآخر تتذكر تفصيلة أو كلمة ما تقودها لمعلومة جديدة، وتستطيع إقناع نيمو ووالده مارلن، بمشاركتها فى تلك الرحلة الخطرة رغم معارضة والد نيمو فى البداية.

المغامرة الأساسية تقع فى معهد للأحياء البحرية بكاليفورنيا لإنقاذ وعلاج وتأهيل الكائنات البحرية وإعادتها مرة أخرى لبيئتها الطبيعية، بينما يتم إرسال الكائنات الميؤوس من علاجها إلى معهد آخر فى كليفلاند لتبقى هناك فى أقفاص زجاجية للأبد، وتدور الأحداث بين الإخطبوط "هانك"، والذى قام بالأداء الصوتى له الفنان "إد أونيل"، ويعانى من فوبيا الأماكن المفتوحة فيرفض العودة إلى المحيط الواسع ويرغب فى الذهاب إلى كليفلاند، وبين "دورى" التى تبحث عن أبويها ويتم منحها بطاقة الذهاب إلى كليفلاند لاعتقادهم بتأخر حالتها، لكنها لا ترغب فى ذلك، المقايضة هنا هى مساعدة الإخطبوط للسمكة الزرقاء مقابل الحصول على البطاقة.
"البحث عن دورى" من إخراج أندرو ستانتون، والذى شارك فى كتابة السيناريو مع فيكتوريا ستراوس وبوب بيترسون، كما شارك أيضا فى إخراج الجزء الأول "البحث عن نيمو" مع لى أونكريتش، بينما قامت الممثلة "إيلين ديجينيريس" بالأداء الصوتى للسمكة دورى فى الجزأين.

"دورى" الثرثارة والتى تكرر أسئلتها مرارا وتكرارا بسبب إصابتها بفقدان ذاكرة قصير المدى، وتحب الغناء وتجيد لغة الحيتان، تقابل فى معهد الأحياء المائية كائنات تقدم لها يد المساعدة والعون فى مغامرتها، الأشرار الوحيدون فى الفيلم هم الأطفال الذين يتحلقون حول حوض ماء "تفاعلى" مسموح لهم فيه بلمس الأسماك الموجودة بداخله للتعرف عليها عن قرب، حيث يتعاملون مع تلك الكائنات بعنف وقسوة، كما أن الأسماك التى يقودها حظها التعس للإقامة فى ذلك الحوض، تعتبر مجرد وجودها فى هذا المكان "عقابا" و"سجنا أبديا" لن تخرج منه، على عكس باقى الأقسام فى المركز، وتغلب على المشاهد التى تدور فى ذلك المكان لغة الحوار ومحاولة وإقناع كل طرف للآخر بحجته "مناقشات دورى المستمرة مع الإخطبوط هانك"، وليس الاعتماد على المواقف الكوميدية أو المفارقة، وهو ما يجعل ذلك الجزء يغلب عليه البطء وغير ممتع بالقدر الذى كان متوقعا من الفيلم.

فى فيلم "البحث عن دورى" يتحول نيمو إلى مجرد شخصية هامشية لا تلعب دورا فى التطور الدرامى، بحيث لو تم حذفه فلن يؤثر على الأحداث، ويتلاشى حضوره فى كواليس رحلة بحث "دورى" عن أبويها، مكتفيا بجمل حوارية قليلة وعادية مع أبيه حول ضرورة مساعدة السمكة الزرقاء، وهى جمل تخلو من "الإفيه" وتغلب عليها السمة الأخلاقية، دور "نيمو" باهت غير مؤثر فى تطور الأحداث، وكأن وجوده كان ضروريا فقط لأنه بطل الجزء الأول، ومن المستحيل التخلى عنه فى النسخة الجديدة من الفيلم، وهو على عكس دوره فى الجزء الأول والذى تطورت فيه شخصيته، من مجرد سمكة محاطة بسياج من دلال وحماية الأب، إلى سمكة قادرة على الاعتماد على الذات والقدرة على اتخاذ القرارات، تجربة نيمو حولته من سمكة "طفلة" إلى سمكة "ناضجة" تمتلك الخبرة والقدرة على مصارعة الطبيعة والمخاطر.

دائما ما تصبح الأدوار الثانوية فى أفلام الأنيميشن هى الأكثر إثارة للضحك والمتعة، بطرافتها وغرائبيتها وتكوينها الدرامى، كما أنها تعلق بأذهان المشاهدين لفترات طويلة، وهو ما حدث مثلا فى شخصية الملك جوليان فى سلسلة أفلام "مدغشقر"، وعادة ما تقوم هذه الشخصيات، فيما بعد، بدور البطولة فى أفلام أو مسلسلات تكتب خصيصا لها، خصوصا لو حققت نجاحا جماهيريا فى أدوارها الثانوية.

فى الجزء الأول من نيمو، كانت هناك شخصية سمكة القرش، التى تحاول جاهدة أن تتخلى عن أكل اللحوم والتحول إلى نباتية، وهو دور يفجر الكوميديا فى المواقف التى تجمعها مع السمكة دورى، أما فى الجزء الثانى من الفيلم، فتظهر شخصية جديدة، لم يكن دورها ثانويا بقدر ما كان بطولة ثانية بعد دورى، وهو الإخطبوط "هانك"، الذى يساعدها فى البحث عن أبويها، الإخطبوط كان مناسبا لمغامرات السمكة الزرقاء فى مركز الأحياء المائية، بأذرعه المتعددة وقدرته على الحركة والمغامرة ومعرفته بكواليس ودهاليز المكان، وأيضا بخبرته التى اكتسبها من محاولات هروبه العديدة، إضافة إلى منحه صفة من كائن آخر "الحرباء"، بقدرته على التلون بنفس لون الخلفيات أو الأشياء التى يقف عليها، وهو ما يضعه دائما فى موقف المنقذ لـ"دورى" من كل الأزمات التى تقع فيها.

هناك شخصيات ثانوية أخرى، لكنها لم تأخذ مساحة كبرى، رغم قدرتها على ذلك، مثل ثنائى فقمة البحر، الذى يجلس على صخرة وسط الماء بالقرب من معهد الأحياء المائية، ويتكلم فى نفس الوقت ويقوم بردود الأفعال فى نفس التوقيت، كما وجدت شخصية لطيفة أخرى لحوت أبيض فقد قدرته على استخدام إمكانياته فى تحديد المواقع عبر الموجات الصوتية، وهى ميزة يتمتع بها ذلك النوع من الحيتان، ما يضعه فى أزمة نفسية، وكذلك سمكة قرش كانت صديقة لـ"دورى" فى طفولتها وتعانى من قصر نظر.

حماس "دورى" وقدرتها على المغامرة وتجربة الجديد ودخول المجهول وربما "التهور"، والذى حتما يضيف لها شيئا ما فى تجربتها وخبرتها مع الحياة، قادها فى مغامرتها للعثور على أبويها، مهتدية بأغنية كانت تؤديها لها والدتها، ويقول مطلعها "استمرى فى السباحة"، وهو ما كانت تنفذه حرفيا بالاستمرار فى البحث والتنقل من مكان لآخر، هذا الحماس أو التصرف بشكل غير مألوف ربما يبدو أفعالا جنونية للآخرين، خصوصا الإخطبوط "هانك"، لكن ذلك هو الذى يدفع السمكة الزرقاء الى اكتشاف مناطق وأصدقاء جدد، لنتذكر أن مشاركتها فى البحث عن نيمو فى الجزء الأول كان عبارة عن تصرف مجنون لن تجرؤ سمكة أخرى على القيام به، فالاندفاع وعدم تقدير المخاطر يرجع إلى ذاكرتها القصيرة وبالتالى فهى لا تستخدم خبراتها المتراكمة أو تجاربها السابقة عند اتخاذ قراراتها، لأنها ببساطة غير موجودة فى وعيها، وفى الجزء الثانى يصبح ما يأتى على ذاكرتها مثل الومضة وبشكل عشوائى هو البديل للخبرات والذاكرة، فعندما تضيق بها السبل أو تتأزم المواقف إلى درجة اليأس أو الاستسلام، تطفو بداخلها حكمة والدها "هناك دائمًا طريق آخر"، ليكون ذلك هو مفتاح الخروج من المأزق.

فى أفلام الرسوم المتحركة يلعب الصوت دورا فى تكوين ملامح الشخصية، والتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها وحزنها ومرحها، يصبح الصوت هو المرأة التى نرى من خلالها الشخصية بشكل كامل، ونرسم لها فى خيالنا صورة معينة، والحكم عليها بكونها طيبة أو شريرة، وكل ذلك من خلال نبرة الصوت أو طريقة نطق الكلمات والحروف، وهو ما نجح فى توصيله صوت "إيلين ديجينيريس" لشخصية "دورى"، حيث يعبر الصوت عن المشهد بدقة، حيث تحول الصوت وطريقة الكلام هو جزء من الكوميديا التى تغلف شخصية "دورى" وتمنحها صفتها المميزة لها والقادرة على نزع الابتسامة من المتفرج..

نجحت "دورى" فى العثور على والديها بعد مغامرات خطرة، لكن هل نجح الفيلم فى التفوق على الجزء الأول؟ أعتقد أنه أخفق فى ذلك، ليس بسبب مشاكل إنتاجية أو لعدم قيمته الفنية، ولكن لأنه يكرر نفس فكرة الجزء الأول، بدون تقديم جديد أو ابتكار مغامرة مختلفة، فنفس التيمة واحدة فى الجزأين، فى الجزء الأول رحلة للبحث عن نيمو وإنقاذه من البشر، وفى الجزء الثانى رحلة دورى للبحث عن والديها، الاختلاف الوحيد أن البشر كانوا أشرارا فى الجزء الأول بينما تحولوا فى الجزء الثانى إلى لطفاء يساعدون الكائنات البحرية على الشفاء قبل إعادتها لبيئتها مرة أخرى.
"البحث عن نيمو" حصل على أوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة عام 2004 متفوقا على الفيلم الأمريكى "الأخ الدب" والفيلم الفرنسى "ثلاثة توائم من بيلفيل"، لكن سيكون من الصعب على "البحث عن دورى" أن ينافس على نفس الجائزة فى الدورة المقبلة، فما زال هنالك العديد من الأفلام التى تنتظر العرض، والتى من الممكن أن تحمل مفاجآت غير متوقعة.