لوحة زهرة الخشخاش لفان جوخ
وكانت جميع الروايات وقتها قد أكدت أن السرقة تمت فى وضح النهار، وأن السارق اعتمد على يقينه بتعطل أجهزة الإنذار والمراقبة والكاميرات الخاصة بالمتحف والحراسة الشكلية لموظفى الأمن، لتكون أسهل سرقة فى تاريخ السرقات الفنية فى مصر وربما فى العالم كله، استخدم فيها السارق مشرطًا حادًا، فصل به اللوحة عن إطارها ورحل بها فى هدوء .
فما مصير "زهرة الخشاش"، وقد قُدرت قيمتُها قبل السرقة بـ"50 مليون دولار"، كم تبلغ الآن؟ وهل يمكن أن تُجدد جهود البحث عنها؟ وهل هذه الكارثة الأولى فى ملف إهمال المقتنيات الفنية والتحف؟.
تاريخ من السرقات

أنباء سرقات أعمال فنية لكبار ورواد الفن من أكبر متاحف العالم، ليست جديدة، وقد صلت إلى سرقة الموناليزا، اللوحة الأشهر لليوناردو دافنشى ومن متحف اللوفر بباريس، بل تخطى عدد مرات سرقة عمل فنى واحد أكثر من مرة ومن مرتين، فقد سُرقت لوحة "عباد الشمس" لفان جوخ بطل زهرة الخشخاش، وذلك من متحفه فى أمستردام ومعها تسع عشرة لوحة لفنانين آخرين، كما سُرقت "الصرخة" للفنان النرويجى "إدوارد مونش"، لكن جميع اللوحات عادت بعد ساعات معدودة من سرقتها، كما سرقت لوحة شرفتان لسلفادور دالى سنة 2006، وفى عام 2007 وبسبب صور الفيديو التي التقطتها الكاميرات تم العثور على خمس لوحات تمت سرقتها من متحف أورساى بباريس، كما سرقت لوحات مهمة للغاية لبيكاسو سنة 2007 من متحف ساو باولو بالبرازيل، ورغم كل هذه السرقات من متاحف العالم، والتى تقدر خسائرها سنويًا بأكثر من خمسة مليارات دولار فإن نسبة كبيرة جدًا من هذه الأعمال المسروقة عادت فى ظروف غامضة وتوقيتات متفاوتة، ومنها ما لم يُعثر عليه إلى الآن مثل لوحات ديجا، وفان جوخ، وسيزان ومونيه، التى سرقت من متحف زيورخ بسويسرا عام 2008.
بكل هذه السهولة..
كانت أغلب هذه السرقات بطريقة السطو المسلح، وفى الغالب لم يكن الأمر سهلًا بالنسبة للمسلحين، لكن سرقة" زهرة الخشخاش" كانت مختلفةً تمامًا، من حيث إنها أسهل سرقة فى تاريخ سرقات الأعمال الفنية والمتاحف والتى لم يكلف اللص فيها عناء التسلل إلى المتحف ليصعد إلى الطابق الذى به اللوحة ويسحب منضدة يقف عليها ثم ينتزعها عن أطراف إطارها بمشرط حاد، ويغادر المتحف، وهو السيناريو الذى اتفق عليه الجميع وقتها ليفتح خط النار على الوزير فاروق حسنى ورجله بقطاع الفنون التشكيلية الفنان الراحل "محسن شعلان" والذى حُبس فى قضية سرقة لوحة فان جوخ ومعه خمسة آخرون من موظفى ورجال الأمن بالمتحف .
فان جوخ وزهرته

وزهرة الخشخاش رسمها فان جوخ سنة 1887 فى آخر ثلاث سنوات تقريباً من عمره الذى لم يتجاوز الـ37 عاماً متأثراً فيها بالفنان أدولف مونتيشيلى الذى كان بارعاً فى رسمه للزهور، ومن المفارقات أن فان جوخ رسم لوحتين لهذه الزهور إحداهما عام 1886 والأخرى موضوع السرقة عام1887، وعاش فان جوخ حياة غريبة، فرغم عمره القصير كان مثيرًا للتساؤل ولم يزل مثيراً للجدل فقد قطع أذنه في بداية حياته وانتحر في نهايتها وما بين أذنه وجسده عاش حياة مريبة مارس فيها الفن باحتراف بعد السابعة والعشرين من عمره ليترك رصيداً من الأعمال الفنية بلغ 800 لوحة تمثل كل واحدة منها على حدة قيمة لا تقدر بثمن .
قطاع الفنون أم الآثار

د.هبة الهوارى
تقول الناقدة التشكيلية وعضو المجلس الأعلى للثقافة د.هبة الهوارى، إن قضية زهرة الخشخاش تثير العديد من النقاط الجديرة بالاهتمام فى واقعنا الثقافى والتشكيلى على وجه الخصوص، فهناك مشكلة تبعية المتاحف المتخصصة فى الفنون التشكيلية لقطاع الفنون التشكيلية أم لوزارة الآثار؟ ومن هى الجهة الأقدر على تحمل تبعات تأمين وترميم مثل هذه الأعمال التى تعد كنوزًا من التراث الإنسانى؟ فالمتحف يحتاج لجهات متخصصة أمنياً للسيطرة عليه بالكامل وكذلك لمتخصصين فى مجال الترميم ويمكن للمتحف أن يتحول إلى مركز للدراسات والبحوث الترميمية المتعلقة بالفترة الزمنية التى يرتبط بها، كما أن المتحف من أهم المكونات الثقافية الفاعلة التى تمتلك تأثيراً قوياً فى تشكيل الوعى الفني وحل أزمة الاغتراب بين الفنان التشكيلى والجمهور عن طريق تطوير المتحف وتحويله إلى مركز إشعاع ثقافى يرسخ قيماً بناءة فى وجدان الأجيال النابتة التى لا تدرى شيئاً عن حضارتها وفنونها التى سادت العالم فى العصور القديمة.
كوارث الإهمال

الناقد عزالدين نجيب
ويقول الفنان التشكيلى والناقد عزالدين نجيب، إن غياب الوعى الشعبى بمقتنيات المتاحف وبالثقافة التشكيلية عامة، جعل هذه المتاحف أقرب إلى أماكن لتخزين الأعمال الفنية، حتى المعروض منها، ناهيك عن التخزين الحقيقى لآلاف القطع الفنية النادرة التى تعد لوحة فان جوخ أقل من كثير منها أهمية، بل هى عادية بالنسبة لها، فهناك 4 آلاف لوحة فى مكان واحد تنتسب لمتحف الجزيرة المغلق منذ عقودٍ طويلة، ومن ثم فإن هذه المتاحف أصبحت شأنًا خاصًا بالقائمين عليها، وليس للشعب شأن فى ذلك، وبالتالى لا توجد أية رقابة أو متابعة لا من الإعلام أو النقاد أو المتذوقين للفن (يوم السرقة كان عدد زوار المتحف تسعة أشخاص بينهم طالبة مصرية، ومتوسط زوار المتحف طوال العام 15 فرداً فى اليوم، ويصل فى بعض الأحيان إلى أقل من خمسة أفراد)، فماذا سيفعل 57 موظفًا يضمهم هذا القصر، لذا كان طبيعياً جداً أن يكون عدد العاملين بالمتحف سبعة من 57 عاملاً أى أن خمسين فرداً كانوا غائبين وذهب أربعة من السبعة إلى الصلاة فى التوقيت الذى سُرقت فيه اللوحة، فأى إهمال وتسيب هذا؟!
ويروى نجيب موقفاً له دلالاته حول هذه الأعمال الفنية المكدسة والمخزنة، بأنها كانت سوف تباع فى مزاد علنى سنة 1990 بحجة تسديد ديون مصر وقدرت آنذاك بـ30 مليار دولار، أى أنها بسعر اليوم لا تقل عن 100 مليار دولار، ولولا وقفة المثقفين الشديدة، ضد هذا البيع بالمؤتمر الذى أقيم فى المسرح الصغير بالأوبرا فى سبتمبر عام 1990 بمشاركة كبار رجال الفكر والفن والثقافة فى مصر وعلى رأسهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولويس عوض وثروت عكاشة وسعد الدين وهبة، لبيعت هذه الأعمال بالمزاد العلنى .
حوادث سابقة

رغم الدلائل والمقدمات التى كانت توجب إغلاق متحف محمود خليل لحين الانتهاء من تطويره بشكل كامل وتأمين مقتنياته بالوسائل اللازمة، كانت هناك مقدمات أفدح، تحرك أى مسؤول لاتخاذ خطوات عاجلة وفورية نحو تأمين جميع المتاحف الفنية والأثرية بمصر، منها حادثة سرقة لوحة "زهور الخشخاش" من قبل فى نهاية السبعينات ثم عودتها بمعرفة اللص نفسه بعد تسربها إلى إحدى البلدان العربية .
ومن الدلائل أن السنوات الأخيرة شهدت أكثر من حادثة سرقة لأعمال فنية ومقتنيات مثلما حدث فى سبتمبر لعام 2008 من سرقة لوحتين للفنان التشكيلى المصرى حامد ندا من دار الأوبرا، وفى عام 2009، حيث سُرقت تسع لوحات فنية نادرة خاصة بملوك وأمراء أسرة محمد على، التى سُرقت من داخل قصر محمد على، إضافة إلى سرقة مخطوطات نادرة من قبل من دار الوثائق والمخطوطات .
والآن وبعد مرور ست سنوات على اختفاء لوحة فان جوخ العالمية، هل لا تزال وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية، وأجهزة الدولة والقطاعات المسؤولة بالدولة فى حالة بحث عن "زهرة الخشخاش"، بالتنسيق مع "البوليس الدولى" والمؤسسات العالمية المعنية بالأمر، أم أصبح مصيرها فى خبر كان؟