البث المباشر الراديو 9090
رفاعة الطهطاوى رائد التنوير
ينشر هذا القانون بالجريدة الرسمية.. دائمًا نقرأ هذه الجملة فى الصحف والمواقع الإخبارية عند إصدار قانون أو قرار لرئيس الجمهورية، دون أن نعرف ما الجريدة الرسمية؟ ومن هو رئيس تحريرها؟ وأين تباع؟

ورغم أن الجريدة الرسمية تعد من أكثر الصحف التى يجب أن يهتم بها المواطن العادى، كونها المعنية بإصدار المراسيم والقرارات الحكومية والأحكام القضائية والإعلانات الرسمية، إلا أنها قليلة، ونادرا ما تجد من يعرف عنها أى شىء، وبعض من سمع عنها لديه عنها معلومات مشوهة، فيما يخلط البعض بينها وبين الجرائد القومية، وكلها عوامل جعلت من "الجريدة الرسمية" لسان حال الدولة المصرية رسميا فى عداد المجهول، فلا معرفة بمكانها ولا بتاريخ طبعها ولا كيفية الحصول عليها.

"الجريدة الرسمية" ما أن تدخل الأضواء مع إصدار قرار رئاسى أو الموافقة على قانون مهم يشار فى آخره بالجملة الشهيرة "وينشر فى الجريدة الرسمية"، حتى تعود إلى الظل، فأى جولة عند باعة الصحف فى القاهرة والجيزة والمدن الكبرى بالمحافظات بحثًا عن أعداد "الجريدة الرسمية" ستنتهى بالفشل، رغم أنها تضم بين صفحاتها قوانين وقرارات تمس صميم الحياة اليومية.

وتعد الجريدة الرسمية امتدادا لجريدة الوقائع التى تعد أول جريدة مصرية والثانية عربيًا التى تصدر باللغة العربية كما صدرت أيضا باللغة التركية، وهى أقدم الصحف العربية التى ما تزال تصدر حتى الآن، ويبلغ عمرها 179 والتى أسسها حاكم مصر القوى، آنذاك، محمد على باشا فى القاهرة عام 1828، وصدر العدد الأول فى 3 ديسمبر عام 1828 وكانت توزع على موظفى الدولة وضباط الجيش وطلاب البعثات.

وفى عام 1842 قام رفاعة الطهطاوى بتطوير الجريدة من حيث الشكل والمضمون والأسلوب، لدرجة أثارت حفيظة رجال الدولة وخشيتهم مما كان سببا فى نفى رفاعة الطهطاوى إلى السودان، وجعل رفاعة الأخبار المصرية المادة الأساسية بدلًا من التركية، وهو أول من أحيا المقال السياسى عبر افتتاحيته فى جريدة الوقائع، وفى عهده أصبح للجريدة محررون من الكتاب.

وفى عهد الخديوى سعيد باشا توقفت الصحيفة طوال عهده أى بين عامى 1854 و1863، فى إطار سياسته لتصفية مؤسسات الدولة.

ومع بدء الاحتلال البريطانى لمصر سنة 1882 تحولَّت الوقائع المصرية من صحيفة حكومية إلى صحيفة شعبية يومية على يد الشيخ محمد عبده، فقد عهد إليه رياض باشا فى عام 1880 مهمة إصلاح جريدة الوقائع المصرية، ومكث فى هذا العمل نحو ثمانية عشر شهرًا، نجح أثناءها فى أن يجعل من الجريدة منبرا للدعوة للإصلاح، والعناية بالتعليم.

ظلت الوقائع المصرية الجريدة الرسمية المعبرة عن الحكومة إلى أن أصدر الزعيم جمال عبد الناصر قرارا فى عام 1967 بإنشاء الجريدة الرسمية التى تصدر الخميس من كل أسبوع ويجوز فى الحالات العاجلة إصدار أعداد غير عادية بالمواد التى تنشر بها القوانين والقرارت الجمهورية بقوانين وقرارات رئيس الجمهورية وقرارات رئيس مجلس الوزراء المفوض بها من رئيس الجمهورية وقرارات لجنة شؤون الأحزاب السياسية، وأحكام المحكمة الدستورية العليا وبيانات منح الأوسمة والنياشين.

أما الوقائع المصرية فقد أصبحت ملحقا للجريدة الرسمية تصدر يوميا ما عدا أيام الجمع والعطلات الرسمية، واختصت بنشر قرارات رئيس مجلس الوزراء، والقرارات الوزارية، وقرارت المحافظين، وقرارات إشهار الأندية وتشكيل مجالس إدارتها، وملخصات تأسيس الجمعيات بجميع أنواعها، وإعلانات الحجوزات والمناقصات والمزايدات وإعلانات المصالح الحكومية وفقد الشيكات.

الجريدة الرسمية اكتسبت سمعة سيئة منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك الذى اتبع سياسة التعتيم على "الجريدة الرسمية" لإصدار قوانين الظل، قوانين تصدر بليل لا يعلم عنها الشعب شيئا تفاجأه بالكثير من القوانين الموجودة منذ أيام وأحيانا أشهر والحجة جاهزة فقد صدرت منذ أيام فى الجريدة الرسمية، كما ينص القانون، وهى حجة جاهزة ووسيلة ناجزة لتمرير القوانين.

الدكتور عبد المنعم الجميعى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنوفية، قال إن جريدة الوقائع المصرية تزامنت نشأتها مع ظهور مطبعة بولاق "المطبعة الأميرية"، وهى أول مطبعة للحكومة المصرية فى عصر محمد على، فى إطار مواكبة حركة التحديث التى بدأها عقب وصوله إلى الحكم سنة 1805 ثم انفراده بالحكم عقب مذبحة المماليك سنة 18011، بعدها بدأت حركة التعمير الضخمة التى بدأها محمد على واحتاج إلى أداة لنشر الأوامر الأميرية على جميع الموظفين فظهرت الوقائع المصرية لتلعب هذ الدور منذ سنة 1828، فكانت توزع على كبار رجال الدولة وقناصل الدول الأجنبية والتلاميذ فى المدارس "الكليات الحديثة" بل وفى قصر الباشا، وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية.

وأشار الجميعى إلى أن الوقائع المصرية لم تقتصر أخبارها على الأوامر الرسمية بل لعبت دوراً فى نشأة الصحافة بمفهومها الواسع إذ كانت تنشر بعض الأخبار الخفيفة التى تتعلق بالمسائل المالية والعلمية والجنائية والاجتماعية بعيدا عن القرارات الرسمية.

وأضاف: "التطوير الحقيقى للوقائع تم على يد رفاعة رافع الطهطاوى الذى حول الجريدة إلى صحيفة تعنى بالشأن المصرى كله بشقه الرسمى والشعبى، ما جعل الوقائع فى عهده تحظى بشعبية كبيرة بين جمهور المتعلمين".

ومن جانبه، أكد بهاء محمد، الباحث فى تاريخ مصر المعاصر، أن "الوقائع المصرية" تضم فى أعدادها ثروة أرشيفية هائلة تتضمن مكاتبات وأوامر وتقارير وقرارات الدولة المصرية الحديثة فيما يقارب قرنين من الزمن، وهى ثروة تحتاج إلى إعادة نظر للاستفادة منها فى مجال البحوث التاريخية.

وأشار إلى أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رأى أن يعيد تنظيم الوقائع المصرية فخصها بالأوامر الصادرة من الوزارات والهيئات الحكومية، فيما فصل مكاتبات وقرارات رئيس الجمهورية وجعلها تصدر فى الجريدة الرسمية التى ظهرت إلى الوجود فى عام 1967، ولا تزال تصدر منذ ذلك الحين وتضم بين صفحاتها كل ما يتعلق من قرارات وقوانين يؤشر عليها رئيس الجمهورية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز