البث المباشر الراديو 9090
المعمودية
صاحب زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس الأول إلى مصر، جدل كبير بخصوص توقيع البيان المشترك الذى يتضمن فقرة مهمة عن السعى لعدم إعادة سر المعمودية.

والمعموديةُ سرٌ من أسرارِ الكنيسة السبعة، وتعتمد فى الكنائس التقليدية على تغطيس المعمَّد فى المياه ثلاثة مرات باسم الأب والابن والروح القدس وتعنى دخول الشخص فى المسيحية، لكن ما قصة إعادة المعمودية؟ ولماذا يثير الأمر مشكلات بين الطوائف؟

يقول الدكتور سينوت دلوار شنودة، الذى يشغل منصب مدير العمليات الفنية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو شماس وباحث فى التاريخ القبطى وكاتب فى مجلة مدارس الأحد، إن البند الذى أثار القضية فى البيان المشترك بين الكنيستين هو البند رقم 11 من البيان المشترك الذى ينصُّ على: "طاعةً لعمل الروح القدس، الذى يقدِّس الكنيسة ويحفظها عبر العصور، ويقودها لبلوغ الوحدة ‏التامّة، التى صلى المسيح من أجلها، نحن اليوم، البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثانى، لكى نسعد قلب ربنا يسوع، ‏وكذلك قلوب أبنائنا وبناتنا فى الإيمان، فإننا نعلن، وبشكل متبادل، أننا نسعى جاهدين بضمير صالح نحو عدم إعادة سر المعمودية الذى تمَّ منحه ‏فى كلٍّ من كنيستينا لأى شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان ‏المجامع المسكونية الثلاثة التى عُقدت فى نيقية والقسطنطينية وأفسس. نسأل الله الآب أن يقودنا، فى الأوقات وبالطرق التى سيختارها الروح القدس، نحو بلوغ الوحدة ‏التامة فى جسد المسيح السرى".‏

ويضيف: نودّ أولا أن نوضح أن هذا البيان وهذه الفقرة بالذات قد ناقشتها لجنة مجمعية مشكلة لهذا الغرض ضمت رؤساء لجان المجمع، وهذه الفقرة لا تتعرض لقبول المعمودية بصفة مطلقة لكنها تقتصر على الكلام عن عدم إعادة المعمودية لمن يريد الانضمام من إحدى الكنيستين للكنيسة الأخرى بمعنى أنه لا يمكن لأحد أتباع الكنيستين أن يطلب أجراء سر المعمودية فى الكنيسة الأخرى وهو ما زال عضواً فى كنيسته.

من الناحية التاريخية

سر المعمودية هو أحد الأسرار التى لا تتكرر وهم إلى جانب المعمودية الميرون والكهنوت بمعنى إذا نال أحد سر المعمودية ثم أنكر المسيح أو بخر للأوثان أو ترك المسيحية فعندما يعود تائباً لا يعاد عماده مرة أخرى، وفى القرن الثالث حصل نقاشًا كبيراً حول إعادة الأسرار لمن نالوها من الهراطقة وأرادوا العودة إلى الكنيسة الجامعة فكانت البداية مع دوناتوس أحد قساوسة شمال إفريقيا الأمازيج، الذى عارض تدخل الدولة فى شؤون الكنائس، وكان رافضاً لتساهل أسقف روما مع الخطّائين وجاحدى الإيمان وإعادتهم لشركة الإيمان بعد توبتهم فعقد مجمعاً فى مدينة سيرنا، وأسس كنيسة مستقلة عُرفت بكنيسة أو بدعة الدوناتيين وقرر إعادة معمودية المنضمين إلى كنيسته المستقلة وخصوصًا أتباع أسقف روما.

وفى المقابل قرر القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة بعدم قبول أتباع الدوناتيين التائبين فى شركة الكنيسة إلا بعد إعادة معموديتهم وعقد مجمعاً فى قرطاجنة لهذا الغرض، بينما قبلهم القديس أستفانوس أسقف روما بعد التأكد من إيمانهم دون إعادة معموديتهم مرة أخرى وعقد مجمعاً مكانياً فى آرل الذى قرر أنّه إن قدم أحد من الهراطقة إلى الكنيسة، يُسأَل عن قانون الإيمان الذى تعمّد فيه، فإن بدا واضحًا أنّه تعمّد فى الآب والابن والروح القدس، يُكتفى بأن توضع عليه الأيدى لينال الروح القدس. أمّا إذا لم يستطع الإجابة عن الثالوث، فتُعاد معموديّتُه.

وهكذا سارت الأمور فى مجمع نيقية المسكونى الأول سنة 325 الذى قرر فى القانون الثامن عدم الحاجة لإعادة سرى المعمودية والكهنوت لمن يسمون أنفسهم "الأنقياء" أو الأطهار وهم أصحاب بدعة النوفاتيين إذا عادوا إلى شركة الكنيسة الجامعة بشرط التعهد والاعتراف كتابة بقبول تعاليم الكنيسة الجامعة الرسولية، بينما قرر فى القانون 19 وجوب إعادة معمودية اتباع بولس السميساطى لأن إيمانهم بالثالوث القدوس كان خاطئاً لعدم اعترافهم بأقنوم الآب، وقد تقرر نفس الأمر فى مجمع القسطنطنية المسكونى الثانى سنة 381 ضمن القرارات الإدارية التى أصدرها بل وأضاف أتباع أريوس ومقدونيوس إلى الذين لا تعاد معموديتهم بعد رجوعهم وتكفى توبتهم وإقرارهم بالإيمان السليم للكنيسة الجامعة.

وهكذا استقرت القاعدة الأساسية فى هذا الأمر بعدم إعادة المعمودية إذا كان المتقدم قد نال المعمودية باسم الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس عن طريق كاهن

فى الحوارات الحديثة

فى سنة 1985 بدأ الحوار الرسمى بين العائلتين الأرثوذكسيتين برعاية البابا شنودة الثالث والبطريرك المسكونى ديمتريوس واستمر إلى وقتنا الحاضر بعد تنصيب البطريرك بارثلماوس لكرسى القسطنطينية. وفى سنة 1987 تم فى كورنثوس وضع الاتفاق اللاهوتى الرسمى الأول وكان هذا بواسطة لجنة فرعية تقدمت بتقريرها إلى اللجنة العامة المشتركة للحوار، التى اجتمعت فى يونيو 1989 فى دير الأنبا بيشوى بمصر تحت رعاية قداسة البابا شنودة الثالث الذى حث المجتمعين على وضع اتفاق ينهى الخلاف الذى دام قرابة 15 قرناً بين العائلتين، وبالفعل أمكن بناءً على تقرير اللجنة الفرعية أن يُصاغ اتفاق لاهوتى حول طبيعة السيد المسيح على أساس تعليم القديس كيرلس الأول بابا الإسكندرية. وقد أحدث توقيع هذه الاتفاقية دوياً هائلاً فى العالم كله، لأنه كان أول اتفاق رسمى يُوقَّع بين ممثلى كنائس العائلتين. وفى سنة 1990 وفى يوم 28 سبتمبر تم فى ضاحية شامبيزيه بسويسرا توقيع اتفاق بنى على الاتفاق التاريخى فى دير الأنبا بيشوى سنة 1989.

ونص الاتفاق الجديد على رفع الحروم بين العائلتين الأرثوذكسيتين وهى الحروم التى صدرت ضد جميع الآباء والمجامع فى كلا الجانبين. وتم توقيع هذا الاتفاق بواسطة ممثلى العائلتين الرسميتين وأرسلوه مثل الاتفاق السابق إلى المجامع المقدسة لهذه الكنائس لكى تصدر المجامع المقدسة قراراتها بشأنهما وقد قبلت كنيستنا هذه الاتفاقات فى المجمع المقدس المنعقد فى عيد العنصرة سنة 1990 ثم فى المجمع المقدس المنعقد يوم 12 نوفمبر سنة 1990 على أن يكون هذا كخطوة من جانبنا تنتظر موافقة باقى الكنائس لكى يتم رفع الحروم فى وقت واحد بين كنائس العائلتين. وقد قبلت كنيستنا معمودية الروم الأرثوذكس بعد أن تم توقيع الاتفاق الأول سنة 1989 وكان ذلك بقرار من المجمع المقدس فى جلسة عيد العنصرة سنة 1990.

ونص القرار على قبول معمودية الكنائس الأرثوذكسية التى تقبل معموديتنا. وبالنسبة لباقى الأسرار فتقرر أن يتم قبولها حينما تُرفع الحروم ويتم إعلان عودة الشركة. وقد بُنى قرار المجمع بشأن قبول المعمودية للروم الأرثوذكس على قول معلمنا بولس الرسول "رب واحد إيمان واحد. معمودية واحدة" (أف4: 5).

بدأ الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية فى سنة 1971 من خلال اللقاءات التى دعت إليها مؤسسة برو أورينتا "نحو الشرق" فى النمسا، وحضر اللقاء الأول قداسة البابا شنوده الثالث (وكان وقتها أسقف التعليم والمعاهد الدينية) والقمص صليب سوريال أستاذ القانون الكنسى بالكليات الإكليريكية، وصدرت عن هذا اللقاء وثيقة كانت النواة للوثائق التى وقعت فيما بعد حول الاتفاق بين الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية بشأن طبيعة السيد المسيح، وجاء فى هذه الوثيقة: "إننا نؤمن بأن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح هو الله الابن المتجسد، تام فى لاهوته وتام فى ناسوته، لم يكن لاهوته منفصلاً عن ناسوته لحظة واحدة ولا لمحة بصر، وأن ناسوته واحد مع لاهوته دون اختلاط ولا امتزاج ولا انقسام ولا انفصال، فنحن فى إيماننا المشترك بربنا الواحد يسوع المسيح نعتبر سره الفائق الوصف واللا متناهى، ويعجز العقل البشرى عن استيعابه".، وتواصلت الحوارات مع مؤسسة برو أورينتا، حيث عقد اللقاء الثانى فى عام 1973، والثالث عام 1976، والرابع عام 1978، والخامس عام 1988.

وكان من نتيجة هذه اللقاءات أن أصدر قداسة المتنيح البابا شنودة الثالث فى مطلع القرن الواحد والعشرين تعليمات لكهنة المهجر بعدم الحاجة إلى إعادة المعمودية بالنسبة لطالبى الانضمام من الكنيسة الكاثوليكية ويكتفى برشمهم بزيت الميرون.

ويضيف دكتور سينوت قائلا: بدأ الحوار مع الكنيسة الأنجليكانية منذ انضمام الكنيسة القبطية لمجلس الكنائس العالمى فى عام 1954 فى المؤتمر الثانى للمجلس بحضور القمص مكارى السريانى "الشهيد الأنبا صموئيل أسقف الخدمات" والقمص صليب سوريال والأستاذ الدكتور عزيز سوريال عطية، وفى الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنائس المصلحة فى هولندا فى 13 ديسمبر 1994م تشرّف الاجتماع بحضور قداسة البابا شنوده الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وقد ألقى قداسته كلمة فى الجلسة الافتتاحية وحضر بعض الجلسات الأخرى.. وكان الاتفاق حول صيغة مشتركة لطبيعة المسيح.

ونصت على: "نعترف بربنا يسوع المسيح الابن الوحيد للآب الكامل فى لاهوته والكامل فى ناسوته المكوَّن من روح عاقلة وجسد، المولود من الآب قبل كل الدهور من الناحية اللاهوتية وكذلك فى ملئ الزمان وُلد من العذراء مريم من أجل خلاصنا بحسب ناسوته، له نفس الجوهر ذاته مع الآب من حيث اللاهوت ومساوياً لنا فى الجوهر من حيث الناسوت لأن إتحاداً حدث بين الطبيعتين، لذلك نعترف بمسيح واحد وابن واحد ورب واحد.

وفقاً لهذا المعنى للإتحاد الغير مختلط نحن نعترف بالقديسة العذراء أنها والدة الإله، لأن الإله الكلمة تجسد وصار إنساناً ومنذ اللحظة الأولى للحمل وحد بنفسه الهيكل الذى أخذه منها، وبالنسبة للعبارات الخاصة بالرب فى البشائر والرسائل نحن ندرك أن اللاهوتيين يفهمون أن بعضها عام بالنسبة لأقنوم واحد والأخرى يميزونها بأنها تتعلق بالطبيعتين، فيفسر تلك التى تلاءم الطبيعة الإلهية وفقاً للاهوت المسيح وتلك التى من النوع المتواضع وفقاً لإنسانيته".

كما تم فى قسم الإيمان والتشريع بمجلس الكنائس العالمى الذى عقدت فى ليما ببيرو عام 1982 توقيع إتفاقية الأسرار الثلاثة المعمودية والأفخارستيا والكهنوت عرفت بإتفاقية ليما ويرمز لها بالحروف B,E,M تمييزا للحرف الأول فى كل سر ونص فيها فى البند الخاص بالاعتراف المتبادل بالمعمودية فى البند الخامس عشر، وتعترف الكنائس على نحو متزايد بمعمودية بعضها البعض باعتبارها معمودية واحدة فى المسيح عندما يتم الاعتراف بيسوع المسيح كرب من قبل المرشح للمعمودية نفسه أو فى حالة معمودية الرضع، عندما تم الاعتراف من قبل الكنيسة (الآباء والأمهات والأشابين والمرشدين أو المعلمين الروحيين أو جماعة المؤمنين) ويتم تأكيده فى وقت لاحق من قبل الإيمان الشخصى والالتزام. الاعتراف المتبادل بالمعمودية معترف به كعلامة هامة ووسائل للتعبير عن وحدة المعمودية فى المسيح. وحيثما أمكن، فينبغى الاعتراف المتبادل وأن تعبر عنه الكنائس صراحة.

وقد وقعت كنيستنا سنة 1985 فى بوسطن بالولايات المتحدة الامريكية على هذه الاتفاقية مع بعض التحفظات.

بالإضافة لما سبق فهناك قاعدة هامة وأساسية أرساها مجمع أورشليم الرسولى الأول وهى عدم التثقيل على الداخلين إلى الإيمان بحسب قرار المجمع كما دونه سفر الاعمال :لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التى أن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون كونوا معافين. (سفر الأعمال ١٥: ٢٨، ٢٩).

وبناء على هذا فالبيان المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لم يأتِ بجديد بل كما قال البيان نفسه إنه طاعة لعمل الروح القدس، الذى يقدِّس الكنيسة ويحفظها عبر العصور، ويقودها لبلوغ الوحدة ‏التامّة، ولكى يفرح قلب الرب يسوع وقلب الكنيسة الجامعة الرسولية التى هى جسده المقدس وكل الشعوب المسيحية.

 



اقرأ ايضاً



آخر الأخبار

تعليقات القراء

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع