نيلسون مانديلا
بعدها غاب مانديلا خلف قضبان المعتقل 27 عامًا، لكنه لم ينس مشروعه، ولم ينس مصر، ومن ثم كانت وجهته الأولى بمجرد أن نال حريته. حدث ذلك فى العام 1991، وكان استقباله بالقاهرة أسطوريًا، ثم كانت الثالثة وهو رئيس، في العام 1995، وكالعادة كان همه على مصر ومستقبلها كبيرًا.
فى الأخير كانت لديه نبوءة معلنة منذ شبابه وسنوات نضاله الأولى، أن كل من جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر سيقودون إفريقيا إلى الازدهار والغنى والتقدم والتحرر والاستقرار، لكنه لم يكن وعلى ما يبدو يدرك معاملًا خطيرًا أطل برأسه طيلة السنوات الماضية، جعل من نبوءة التقدم تتعثر وبشدة، وبخاصة في مصر ونيجيريا.

فى البلدان الإفريقيين الكبيرين، يطل غول الإرهاب، بما يعطل من خطوات التنمية بفداحة، فى مصر ونيجيريا ينشط الدواعش "ولاية سيناء وبوكو حرام على الترتيب"، وإلى جانب التواجد الداعشي في مصر وشمال إفريقيا وغربها، حيث نيجيريا، إلا أن المنطقة تزدحم بمزيد من التنظيمات المتطرفة التي تعوق بلا شك فرص التنمية والارتقاء والاستقرار والتقدم، ومن ثم تزداد صعوبة تحقيق نبوءة مانديلا على الأقل بشكل كامل.
مؤخرًا استيقظ العالم، على إعلان أربعة كيانات دموية وشرسة نشطة فى أفريقيا بمناطق الساحل والصحراء، وتحديدًا في النيجير ومالى وجنوب الجزائر وموريتانيا وغرب القارة السمراء، الاندماج تحت راية البيعة لزعيم القاعدة المختفى عن الأنظار إلا من تسجيلاته الصوتية المتوالية من فترة إلى أخرى، أيمن الظواهرى.

الكيانات الأربعة المتحالفة، هى "المرابطون" ورئيسها الجزائرى مختار بلمختار "لا أحد يعلم على جه الدقة عما إذا كان حيًا أو قتل كما اشيع مرارًا، ومن ثم تولى دفة التنظيم خليفة آخر"، و"جماعة أنصار الدين" بزعامة " آغ أغا"، و"إمارة منطقة الصحراء" بقيادة يحيي أبو همام، فضلًا عن "كتائب ماسينا" بزعامة محمدو كوفا.
مصر ونيجيريا ليستا بعيدًا عن مخاطر تلك الكيانات النهمة للدماء، لكن ومع ذلك لم تختل حسبة مانديلا بالنسبة لمصر كليًا، صحيح يعطلها الإرهاب فى فترات، لكن بمزيد من الإصرار المستوحى من سيرة الزعيم الأفريقى الراحل، يمكن أن تعبر إلى نبوءته الشهيرة
فحسب الأمم المتحدة، التى احتفلت الثلاثاء باليوم الدولى لنيلسون مانديلا، فإنه لا يزال يلهم العالم من خلال المثال الذى جسّده فى الشجاعة والرحمة، والتزامه بالعدالة الاجتماعية وثقافة الحرية والسلام.

ومن أهم الدروس التى يمكننا أن نتعلمها من نيلسون مانديلا هى أننا يجب، من أجل إحراز تقدم، أن نتطلع إلى الأمام، مهما كان ذلك شاقًا.
لقد عُرف نيلسون مانديلا بالسجين رقم ٤٦٦٦٤ لمدة ١٨ سنة. لكنه لم يُصبح قط أسير ماضيه. ومع الحكم عليه بالأشغال الشاقة والسجن الانفرادى فى جزيرة روبين، فقد تسامى على المعاناة والإذلال ليقود بلده، وعالمنا، إلى يوم أكثر إشراقًا.
ولم يستسلم للمرارة أو العداء الشخصى، بل كرّس طاقته الهائلة من أجل تحقيق رؤيته لجنوب أفريقيا التى تنعم بالسلم وتعدد الأعراق والديمقراطية.

وقد قال نيلسون مانديلا ذات مرة يمكن تعريف القديس بأنه مذنب لا يفتأ يحاول. وهذه رسالة أمل قوية، فى عالم يمزقه الخوف والشك. ولم يفت الأوان أبدا لمواجهة المستقبل، والسعي مُجدّدا.
فاليوم، ونحن نُحيى ذكرى نيلسون مانديلا فى خدمة الآخرين طوال حياته، فإن أفضل إشادة بهذا الرجل العظيم ليست بالكلمات والاحتفالات، بل بأفعال تُحسّن عالمنا.

ويُمكن لكل منا أن يُحدث أثرًا فى تعزيز السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والحياة الكريمة للجميع. ويمكن لكل منا أن يستلهم مثال نيلسون مانديلا، وعبارته الشهيرة: "الأمر يبدو دائمًا مستحيلًا إلى أن يُنجز. ولنبن جميعًا على إرث نيلسون مانديلا".
هكذا هى رؤية الأمم المتحدة للزعيم الأفريقى الراحل، وهى رؤية نابعة من كتالوجه الذى لا يعرف اليأس، فإن التزمت بها مصر، ربما تلحق بنبوءته عنها فى القريب العاجل، بغض النظر على مخاطر الإرهاب أو غيره.