ميلشيات جماعة الإخوان
كانت الأرض مهيئة تماماً لاندلاع ثورة فى أى وقت، لكن تبقى "ضربة البداية" مطموسة المعالم.. الأحداث السياسية وصلت إلى ذروتها.. ثورة 19 لم تأت بثمارها.. اتفاقية 36 الخاصة بجلاء الإنجليز قننت الاحتلال، ليبقى له أربعة قواعد رئيسية داخل البلاد جاهزة للتدخل والاشتباك فى أى وقت.. أحوال القصر الملكى لا تسر عدوًا ولا حبيبًا.. إملاءات خارجية.. سقوط فى مستنقع العلاقات النسائية داخل ملاهى أوروبا، الأحزاب السياسية مترهلة، تُحرَق أوراقها وتتغير ملامحها، وتنقلب على مبادئ أعلنت عنها مسبقاً.. الشعب يعانى الفقر، وقسوة الملكية، واستبداد المحتل، كانت حياة النعيم مقتصرة فقط على البشوات والمقربين من أصحاب النفوذ، بينما يعيش أفراد الشعب فى فقر وضيق يد.
وتتصاعد ذروة الأحداث بتردى الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، ثم تزداد اشتعالاً باندلاع حريق القاهرة فى يناير 1952، لتتحول الأجواء الشتوية الباردة إلى نيران تلتهم أكثر من 700 محل ودور سينما، ويعلن الملك الأحكام العرفية، ويتم تحذير المواطنين من التجمع، وتعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى، ولكن فى الكواليس كانت هناك تحركات داخل الجيش، تنظيم سرى يتكون ويستعد لضربة البداية.
قوة عسكرية
لم تنجح أى ثورة اندلعت فى أى دولة حول العالم إلا إذا كانت تستند إلى قوة ترهب بها المستهدف، تقضى على آمال المستعمر، وتحطم قوة الحاكم، وتلك القوة إما أن تكون حدث سياسى جلل، أو ثورة يخرج فيها الشعب عن بكرة أبيه، أو قوة عسكرية ترهب المستبد، وهنا كان الضباط الأحرار الذين استندوا إلى القوة العسكرية، على أن تكون هى ضربة البداية فقط، لتنضم إليها فيما بعد قوة أخرى داعمة لها، وهى القوة الشعبية، وربما كان فشل ثورة 19 واتفاقية الجلاء فى 1936 راجعا لعدم وجود القوة التى ترهب المستبد، والتى تجعله يرضخ أمام الإرادة الشعبية.

جرت اجتماعات سرية، تضم عناصر تم اختيارها بعناية، وكان الأهم فى تلك العناصر ألا يكون أى منها عضوا فى حزب سياسى، أو تابع للملك، أو لدية علاقات مع الإنجليز، الأهم أن تكون نواياه صافيه، فقط انتمائه الوحيد والأقوى هو الوطن، وميوله للإرادة الشعبية، أما عن المبادئ فقد تم تحديدها، ووُضعت وثيقة تتضمن القضاء على الاستعمار، القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال، القضاء على الإقطاع، إقامة جيش وطنى، إقامة عدالة اجتماعية، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وربما ما تحقق من وراء تلك الثورة كان أكبر وأشمل من المبادئ نفسها.
اختيار نجيب
أجمع المؤرخون على أن اختيار محمد نجيب كان على أساس أنه الأكبر سنًا بين الضباط الأحرار، ربما كان هذا هو أحد الأسباب الحقيقية، لكنه أيضًا كانت تتوافر فيه الشروط التى تؤهله للقيادة، فلا هو ينتمى إلى القصر، ولا لديه اتصالات علنية أو سرية مع الإنجليز، وانتماؤه الوحيد للدولة والشعب، كما أن علاقته وثيقة وقوية مع الضباط الأحرار، وقد انضم أغلب الضباط الأحرار إلى الحركة فور علمهم أن الحركة تضم اللواء محمد نجيب.

فى تلك المرحلة، كان لا بد من اختيار قائد، يتمتع بعلاقات قوية ووثيقة بمن حوله، وكذلك صاحب رؤية، ونجيب لا يمتع بعقلية عسكرية فقط، من خلال كتائب الجيش المصرى واشتراكه فى حرب فلسطين عام 1948، وإنما يمتلك كذلك عقلية مدنية مميزة، خاصة أنه أول ضابط فى الجيش يحصل على شهادة الحقوق.
أخونة عبد الناصر
ساعة الصفر قد اقتربت لإعلان التحرك العسكرى نحو القصر، وإنهاء استبداد الملكية التى نهشت فى قوى الدولة المصرية، لكن ما يقلق هو تحرك الإنجليز من نقاطهم العسكرية الأربعة: معسكر الإسماعيلية، معسكر مصطفى باشا بالإسكندرية، معسكر القلعة بالقاهرة، ثكنات قصر النيل "مكان فندق الجامعة العربية"، وبالتالى كان لا بد من عناصر تحمى المنشآت الحيوية، فى حال تحرك الإنجليز، وهنا كان تحرك جمال عبد الناصر نحو جماعة الإخوان للاستعانة بهم فى تأمين المنشآت، والسؤال الآن لماذا جماعة الإخوان؟ هل كان ناصر إخوانيًا بالفعل وأحد أعضاء مكتب الإرشاد أو الجماعة؟

الإجابة، عبد الناصر لم يكن إخوانيًا، إذ كيف كان اسمه مسجلاً داخل جماعة الإخوان، وحزب مصر الفتاة، ومع الشيوعين؟ كيف لشخص أن يبايع المرشد على الولاء والطاعة وأن يكون له انتماء سياسى مخالف لفكر الجماعة، باشتراكة مع "مصر الفتاة" والشيوعين؟
كان دور عبد الناصر فى هذا الوقت التردد على الأحزاب والحركات السياسية داخل البلاد، على أن يكشف ما يدور فى عقولهم، ويعرف قوتهم الحقيقية وأرصدتهم عند الشعب، وأيضا قدرتهم فى حالة الاستعانة بهم من قبل الضباط الأحرار، وقد تم اختيار الإخوان فى النهاية لعدة أسباب: أولها أنهم يلعبون على الوتر الدينى، وهو أكثر النقاط التى يتعلق بها المصريون، ثانياً لأن لهم قاعدة شعبية فى الشارع، بعدما توغلوا فى مفاصل الدولة، بعقد حسن البنا لصفقة مع الملك فاروق وحصوله بموجبها على العديد من المزايا، من ضمنها أراض زراعية شاسعة.
ومن الأسباب التى رجحت كفة الجماعة فى تلك الفترة أيضا شعور عبد الناصر بأن الإخوان سوف ينقلبون على الملك فى حالة سقوطه، أو حتى بمجرد شعورهم بأنه سيسقط، وأنهم يراهنون على القادم وليس الحالى، كما أن حزب مصر الفتاة لم يكن يلقى قبولاً فى الشارع المصرى، حيث بدأ قوياً بقيادة أحمد حسين، الذى سرعان ما غير وجهته السياسية أكثر من مرة، وهو ما أفقده المصداقية فى الشارع المصرى، كذلك الشيوعيون لم يتمتعوا أيضاً بأى قبول شعبى، وبالتالى كان الطبيعى أن يقع الاختيار على الإخوان ليقوموا بتأمين المنشآت فى حالة تحرك الإنجليز لنجدة الملك.
لا وصايا
بدأت تحركات الضباط الأحرار فى المساء، انطلقوا نحو القصر، وأعلنوا عزل الملك فى الصباح عبر نشرة أخبار الإذاعة، فتحرك الشعب وانتفض فى مظاهرات مليونية، فمصر التى قارب عددها 19 مليون نسمة، امتلأت شوارعها بالناس حاملين صور الضباط الأحرار، معلنين إنهاء عصر الملكية، ومبايعتهم حركة الجيش المصرى الذى انطلق من أجل الشعب، وحماية سيادة الدولة، وإنهاء الإقطاع، والاستبداد، ومن هنا كان الصدام الأول مع جماعة الإخوان.

بعد أسابيع قليلة من نجاح الثورة، ورحيل الملك، وتعيين أكثر من وصى على نجله، قبل أن تتحول مصر من الملكية إلى الجمهورية، كان لا بد من الوفاء بالوعد، وأن يشعر المواطن بثمار الثورة، وهنا أعلن جمال عبد الناصر عن مشروع نهاية الإقطاع، بأن توزع أراضى الأثرياء على الملاك الأصليين وهم الفلاحون، وهنا لا بد من التوقف قليلاً، فالأراضى لم توزع على الفلاحين مجاناً، حيث كان الفلاح يدفع فى عصر الملكية ما بين 25 لـ50 جنيها ثمناً لاستئجار الأرض، وهو مبلغ باهظ، تم تخفيضه بعد الثورة، بحيث يدفع الفلاح ثمن إيجار الأرض إلى الدولة، ومن ثم تدفع الدولة الإيجار لمالك الأرض الأصلى على أنها أقساط، وفور انتهاء أقساط ثمن الأرض، تتحول ملكيتها إلى الفلاح، لكن هذا صنع صداماً قوياً بين عبد الناصر وملاك الأراضى، ومن بينهم حسن الهضيبى الذى كان يمتلك أكثر من 500 فدان، وأغلب أعضاء مجلس الشعب حينها، أصروا على أن تبقى ملكية الأرض فيما لا يزيد على 500 فدان، فى حين أصر مجلس قيادة الثورة على الاكتفاء بـ200 فدان فقط.
تصاعدت الخلافات بين عبد الناصر والإخوان عند توزيع المناصب، وكان هدف عبد الناصر توزيع المناصب على كل القوى الوطنية، لتحقيق أكبر قدر من التوافق المجتمعى، فى نفس الوقت كان يعلم جيداً بخطورة الإخوان، لكن نظرًا لمعرفته الجيدة بهم حدث ما توقعه، عندما اتصل بمكتب الإرشاد وطلب منهم ترشيح عدد من الأسماء لتولى الحقائب الوزارية، بدأ التخبط بين المرشد ومكتب الإرشاد، وراح كل منهم يرسل بأسماء مختلفة، ليقرر عبد الناصر اختيار أحمد حسن الباقورى، عضو مكتب الإرشاد، الذى لم يكن اسمه موجودا بين الأسماء التى رشحها المرشد أو مكتب الإرشاد، والهدف هنا أن يكون عبد الناصر قد حقق هدف الإخوان بتولى أحد عناصر الجماعة منصبا كبيرا، أما اختيار الباقورى فكان بسبب أنه شيخ أزهرى وسطى، وهو ما لم يلق قبولا لدى مكتب الإرشاد، فتم استدعاؤه وطلب منه تقديم استقالته، إلا أن الباقورى رفض، فتمت إقالته من مكتب الإرشاد، فيما انطلق الهضيبى إلى عبد الناصر من أجل الإطاحة بالباقورى، لكن عبد الناصر رفض، وعندما احتد النقاش من قبل الهضيبى رد عبد الناصر، بأن "ثورة 23 يوليو قامت دون وصاية من أحد، ولن نسمح بأى وصاية بعد نجاحها".

صفقة مع الشيطان
البحث عن المصلحة هو الشغل الشاغل لجماعة الإخوان، حتى ولو عقدوا صفقة مع الشيطان نفسه، فالأهم أن يحققوا ما يهدفون إليه، ولذا راحوا ينظمون المظاهرات، وكانت البداية عندما استدعوا طالبًا إيرانيًا يدعى نواب صفوى، أحد أعضاء جماعة "فدائيان الإسلام الشيعية"، من أجل الاستعانة به لتنظيم المظاهرات فى الشوارع، ليس هذا فقط بل عقدوا صفقة مع الإنجليز من أجل إثارة القلاقل داخل المجتمع المصرى، على أن يكونوا شوكة وذريعة الإنجليز لعدم مغادرة البلاد، وهو ما أكده أنتون إيدن، رئيس وزراء بريطانيا فى مذكراته، قائلاً: كنا نعتمد على الإخوان فى إثارة القلاقل والإضرابات لإيقاف مفاوضات الجلاء، بدعوى أن الأحوال داخل مصر غير مستقرة.
كما أشار إلى أن المفاوضات بين بلاده وجماعة الإخوان كانت تتم بين السكرتير الشرفى فى السفارة البريطانية والقيادى الإخوانى منير الملا فى منزل الأخير ببولاق، وذلك حتى لا تنكشف اتفاقاتهم السرية حينها، وهو ما يفسر أيضاً طلب الإنجليز بأن تكون مهلة مغادرة البلاد عشرين شهراُ، لاعتقادهم أنها مهلة كافية لإثارة القلاقل والاضطربات داخل المجتمع المصرى عن طريق ذراعهم الإخوانية.
تصاعدت الخلافات بين الإخوان وعبد الناصر، عندما طلب الهضيبى لقاء عبد الناصر، وأكد عليه خلال اللقاء بضرورة إلزام الفتيات والسيدات داخل مصر بارتداء الحجاب، وطبعا كان الغرض من الطلب أن تظهر جماعة الإخوان أمام الشعب المصرى بأنها ترفع راية الإسلام، بينما عبد الناصر لا يريدها دولة إسلامية، إلا أن ناصر قال له: "ابنتك تدرس فى جامعة الطب، ولا ترتدى الحجاب، أنت لم تستطع فرض الحجاب على أهل بيتك، وتريد منى إجبار المصريين على ارتداء الحجاب، بأى منطق"، ثم أعلن عبد الناصر عن ذلك اللقاء فى أحد خطاباته الشعبية، ليكشف نوايا الإخوان، لكن هل أعلنت جماعة الإخوان هزيمتها أم استكملت مشوارها فى إثارة القلاقل داخل المجتمع المصرى، تعاوناً وتجاوباً مع طلبات الإنجليز؟

حصار نجيب
استمر الإخوان على نفس النهج فى إثارة الفتن، وطلبوا لقاء محمد نجيب عدة مرات، راحوا يؤكدون له أن الأمور لا تسير على هوى الشعب المصرى، وأن ما يدور فى الشارع يؤكد أنه ليس إلا رئيسًا شرفيًا، لا يملك من أمره شيئًا، وفى نفس الوقت كانوا يهددونه بالمظاهرات الفئوية، حتى إن إحدى المظاهرات انطلقت من الجامعة حتى قصر عابدين، أثناء لقاء الرئيس نجيب بعبد الناصر، وهنا خرج نجيب وعبد الناصر إلى شرفة القصر، وحدث أمر غير متوقع.
أثناء هتاف الطلاب، أشار الرئيس محمد نجيب إلى أحد الطلاب ويدعى عبد القادر عدوة، طالب إخوانى، ليصعد عودة إلى شرفة القصر ويتوسط الرئيس محمد نجيب، ورئيس الوزراء حينها جمال عبد الناصر، كان المشهد مربكًا بالنسبة لعبد الناصر، خاصة عندما همس نجيب فى أذن عودة، ثم أشار عودة إلى الطلاب لينصرفوا فى صمت، هنا علم عبد الناصر أن الإخوان قد تمكنوا من الرئيس محمد نجيب.
بعد أيام قليلة طار نجيب ليرأس وفد مصر إلى السودان، من أجل الاحتفال بكتابة دستور جديد فى حالة طرح الاستفتاء الشعبى والموافقة على انفصال السودان عن مصر، وكانت تلك أحد العراقيل التى طرحها الإنجليز بانفصال السودان عن مصر، وهنا أيضًا يؤكد كبير المؤرخين عاصم الدسوقى أن السودان لم تكن تابعة لمصر حتى عام 1820 عندما ضمها محمد على، وهو ما يعنى حقها فى الاستقلال.
فى هذا الوقت استغل عبد الناصر سفر نجيب، وأصدر أوامر باعتقال قادة الطلاب المشاركين فى مظاهرة قصر عابدين، كما أصدر قرارًا بحظر جماعة الإخوان، وفور عودة نجيب قام عبد الناصر بإقناع نجيب بالتوقيع على القرارات التى أصدرها فى غيابه، ووقع نجيب بالفعل، ليطلب الهضيبى خلال أول لقاء جمع بينهما فور عودته من السودان أن يلغى التوقيع على القرار الذى أصدره عبد الناصر، إلا أن نجيب رد عليه بأن القرار قد نفذ بالفعل وانتهى الأمر، وفى مارس 1954 تم عزل محمد نجيب وتحديد إقامته.

لم تمر شهور حتى عاود الإخوان الظهور فى المشهد من جديد، بحادثة المنشية فى 26 أكتوبر من نفس العام، حيث أطلقوا النار على الرئيس جمال عبد الناصر أثناء إلقاء خطاب فى ميدان المنشية بالإسكندرية، ورد ناصر بحملة اعتقالات لقيادات الإخوان، التى انتهت بإعدام عدد كبير منهم، والسجن للباقين، لتموت جماعة الإخوان إكلينيكيًا وقتها، قبل أن تتنفس من جديد الصعداء، بإفراج الرئيس الأسبق السادات عن قياداتهم الباقية، بعد حرب العزة والكرامة فى 73 واسترداد أرض الفيروز.