البث المباشر الراديو 9090
الكتاب
يعانى العقل المسيحى الذى يميل إلى التشدد من حالة تكيف مع عادة التلقين فى قبول تعاليم المسيحية، وهى عادة ناجمة من عدة محاور أشهرها الوعظ الدينى الذى يعتمد على الإلقاء فقط دون التحاور، عكس ما كان يحدث قديمًا فى مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.

تلك المدرسة كانت تعتمد أسلوب السؤال والجواب أى أن المتلقى هنا فعال يستمع، ويحاور ويسأل بلا خوف، ولا قلق ويدخل فى نقاش الأمر الذى أثمر عددًا من الكتب المهمة التى تحاورت مع الفكر الوثنى، والفكر اليهودى.

خطورة الاعتماد على الواعظ بصورة أساسية باعتباره مصدر كل شىء أمر كرَّسه البابا الراحل شنودة الثالث فى عظته الأسبوعية التى بدأت يوم الجمعة ثم تحولت إلى يوم الأربعاء، وكان يتحدث فيها فى كل شىء الأمور الروحية والعقائدية والاجتماعية، وبذلك تم ترسيخ أسلوب التلقين وأصبح المسيحى دوره فقط الاستماع والإعجاب والإشادة، وأيضا التصفيق، وخصوصًا عند "النكات" الحلوة التى كان يلقيها البابا بخفة دمه المعهودة.

لذلك يصطدم بحائط التجمد والثبات كل من يحاول الكتابة بأسلوب مختلف أو يطرح أفكارًا تعد جديدة على ذهن المسيحى، وتحاول أن تخرجه من دور المتلقى المثقف المهلل الضاحك وتضعه فى مجال آخر يعطى مساحة للعقل والخيال، والاختلاف، وهذا هو سبب قيام السلفيين الأقباط مؤخرًا بالهجوم على كتب الراهب سارافيم البراموسى، وأصدرات دار "مدرسة الإسكندرية ومدرسة الإسكندرية".

المدرسة ظهرت فكرتها عام 2008 بين الراهب سارافيم البرموسى من دير "البرموس" بوادى النطرون، والقس مرقص داود من كنيسة "مار جرجس سبورتنج" بالإسكندرية.

فى 2013 بدأت المدرسة فى إصدار الكتب المتخصصة والترجمات فى مختلف المجالات المسيحية.. وفى 2014 وقَّعت المدرسة شراكة أكاديمية مع كلية "القديس كيرلس" فى الولايات المتحدة.

أنشأت المدرسة فى 2015 دار نشر، ومؤسسة تعليمية باسم مدرسة الإسكندرية، وأصبح لها مقر فى منطقة مصر الجديدة بالقاهرة فهى كتب تحمل كل المميزات الغائبة عن دائرة الفكر القبطى المتكلس، والمتحجر مع ماضيه والذى يتكيف فقط مع ما يسمى التأملات الروحية البسيطة والسهلة فى الكلمات والمعانى، وإن كانت لا تقدم جديدًا، فالجديد هنا يرعبهم ويقلب المعدة ويتعب العقل بالحركة والتساؤل.

وعلى سبيل المثال، فقد هاجموا كتابًا أصدرته الدار التى جذبت عددًا كبيرًا من الشباب الباحث عن حركة فكرية مسيحية تخرجه من حالة الموت الإكلينكى تحت عنوان "كيف صلى يسوع كيهودى؟" لأنه مزج بين صلوات تاريخ وسيناريو متخيل أى أن الكاتب أعلن أن الأمر به خيال ولكنهم أعداء لهذا الخيال، ولم يعتادوا هذا النوع من الكتابات الغربية فالكتاب يقدم بعدًا مهما قد نغفله فى قراءتنا للعهد الجديد، ألا وهو أن هناك عديدًا من الصلوات اليهودية غير المدونة تزين اللوحة فى خلفية النص.

فالعدد من الكلمات التى كانت تستخدم فى العبادة والتى نقرؤها بشكل عابر قد تعبر عن صلاة "ليتروجية "عبادة كاملة فى المجمع اليهودى، فى حين أن القارئ قد يعتقد أن الكلمة لا تعنى أكثر من صلاة حرة مقتضبة أو كلمة بركة أو تسبيح عابر.

قد يكون السبب فى عدم تدوين تلك النصوص فى العهد الجدد هو أن وجهة الإنجيل كانت معنية أكثر بالحدث الخلاص من اهتمامها بتوثيق كل خلفيات الحدث.

هنا نجد أن الكاتب تيموثى جونز قد بذل جهدًا بحثيًا حتى يتمكن من إعادة تكوين بعض نصوص الصلوات التى كانت تصلى فى المجامع اليهودية أو فى بيوت اليهود الاتقياء فى القرن الأول الميلادى.

إن تلك الصلوات حينما توضع فى مكانها فى الحدث الكتابى تعطى بعدًا جديدًا فى مطالعة الحدث، وتدخلنا فى الأجواء الحقيقية لما يحدث، وهنا نصل إلى الدور الآخر الذى قام به الكاتب ألا وهو ربط ما حدث فى عالم اليهودية فى القرن الأول الميلادى بحياة الصلاة التى يجب أن نحياها فى القون الحادى والعشرين من أجل الوصول بنا إلى فائدة مباشرة.

فى عديد من المرات كان ينسج الكاتب سيناريو من الأحداث التى لم ترد فى النص الكتابى لا لشىء سوى أن يدخلنا فى أجواء الحدث الواقعى بالطبع هو لا يمتلك وثائق استقى منها تلك التفاصيل، ولكنه فقط وضع الكتاب فى شكل أدبى، ونسق روائى فى بعض الفقرات منه حتى يتحقق الهدف من أن نلامس أرض الواقع وكأننا نسير ونجلس مع الرب يسوع فى كل موقف.

هذا الأمر استدعى منا التصرف فى التعريب وإضافة بعض العبارات التوضيحية لبعض النصوص والاقتضاب فى البعض الآخر حتى يتحقق الهدف من الكتاب للقارئ المسيحى العربى فى مجتمعنا المعاصر.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً