القس سمعان شحاتة
"بيَّت النية وعقد العزم على قتل القس المسيحى، وأعد لذلك الغرض سلاحا أبيض "سكين/ ساطور"، وتربص له بالمكان الذى أيقن أنه سيظفر فيه بالمجنى عليه، حتى باغته طعنا وضربا بأنحاء متفرقة من جسده.
أجهز عليه بالسلاح الأبيض قاصدا من ذلك إزهاق روحه، كما أحرز بدون ترخيص سلاحا أبيض.
لا يعانى من أى مرض نفسى، وكان فى كامل وعيه خلال قتل المجنى عليه، وقبل يوم الحادث خطط لقتل أى كاهن يراه أمام الكنيسة.
"المتهم اعترف أنه من أجل ذلك اشترى السلاح الأبيض "الساطور"، ونزل ووقف فى الشارع بالقرب من الكنيسة، وما إن لمح المجنى عليه حتى سارع إليه، وباغته بطعنات متفرقة، رغم أنه لا يعرف المجنى عليه معرفة شخصية، إلا أنه رأى شخصًا يرتدى زى الكهنة، فقرر قتله".

جثة القس سمعان شحاتة
أعلاه، كان نص أمر الإحالة من جانب النيابة العامة فى جريمة اغتيال القس سمعان شحاتة، والذى أدى بالمتهم فى الأخير لأن تدينه المحكمة وترسل قضيته إلى مفتى الجمهورية لاستطلاع الرأى الشرعى فى إعدامه.
جريمة إرهابية طائفية مكتملة الأركان، غير أن أسبابها لا تبدو سياسية كما يتضح من ظاهرها
أسبابها تبدو نفسية سيكولوجية، تتعلق برفض الإرهابى الذاتى لكل من يختلف معه، ومن ثم حمل ذلك على الخلاف والاختلاف الدينى، فكان أن انتقم من أى رمز غير مسلم، ليرضى اضطرابه النفسى.

المرض النفسى - تعبيرية -
ذلك هو طرح جديد مغاير لتوصيف دوافع الفعل الطائفى فى مصر والعالم العربى.
الدوافع دومًا لها علاقة بالنقائص النفسية التى يعانى منها الشخص، لا بأى أسباب سياسية أو أيديولوجية خاصة.
كتاب "الطائفية فى الوطن العربى.. أسبابها وماهرها.. العراق نموذجًا"، للمفكر والخبير الاستراتيجى العراقى الدكتور موسى الحسينى.

غلاف الكتاب
يرصد الكتاب، كما جاء فى مقدمته التعريفية، ما يجرى من صراعات ونزاعات طائفية فى الوطن العربى، مُلقيًا الضوء على أغرب ظاهرة فى جوهر هذه الصراعات التى يفترض أن تكون نتاج خلافات فقهية مذهبية بين الأطراف المختلفة فى آرائها، ضمن الدين الواحد، أو خلافات عقائدية بين الأديان المختلفة.
إلا أنها فى مظاهرها ومساراتها تكشفُ عن نفسها وطبيعتها فى أنه لا دخل لهذه الخلافات الفقهية أو العقائدية بما يجرى من صراعات حادة، وإنما هى حالة هستيريا جماعية تعود لأسباب فى الغالب سيكولوجية نتجت عن حالات الاضطراب الاقتصادى/ السياسى التى تعيشها البلدان العربية، وما ترتب عليها من فشل وإحباط متعمد أحيانًا لعمليات التنمية، للخروج من مأزق التبعية والتخلف.

ثورات الربيع العربى
وقد انعكست هذه المظاهر على الوضع الاجتماعى العربى ككل، وما تخلفه من اضطرابات انفعالية نفسية قلقة فى تركيبة الفرد السيكولوجية، كالكآبة، الإحباط، تصاعد مشاعر الحرمان النسبى، ما يؤدى إلى بعض من مظاهر البارانويا، والاحساس بالنقص والدونية، وانخفاض مستوى تقدير الذات وغيرها من مظاهر الاضطرابات النفسية التى تعزز غُلبة الهلاوس والأوهام على الواقع، وتلغى ملكة التفكير والتأمل عند الفرد.
وكأى حالة مرضية أو اضطرابات فإن الإنسان ينكر الإقرار بوجودها، لكنها من القوة والاستمرارية ما لا ينفع لتهدئتها بما عُرف بالميكانزيمات الدفاعية اللاشعورية، تغلفها الشخصية المضطربة بما تضفيه عليها من معتقدات دينية، لتبرير المعاناة التى يعيشها الإنسان بتأثير ضغوطاتها الانفعالية، فتغدو هذه الاضطرابات والهلاوس الناتجة عنها من المقدسات التى لا تحتمل النقاش أو المراجعة.

داعش
هنا ينعكس إضراب هؤلاء فى الجنوح إلى العقيدة بتطرف، ثم إلى العنف المتسق مع هذا التطرف، والنتيجة دماء وضحايا جدد على طريقة الاستهدافات الطائفية للإرهاب على ضفاف النيل.
أطروحات الكتاب فى معظمها مثيرة للجدل، وقد تكون مثار انتقاد، أو ربما غضب، كل من طرفى الصراع الطائفى، حيث تتعرض للكثير من المسائل والموضوعات والروايات التاريخية التى يعتبرها البعض من المقدسات التى لا تقبل النقاش، لكن المؤلف يناقشها انطلاقًا من وطنيته، مرتكزًا على حقيقة أن ليس هناك ما هو أقدس من العقل والمصلحة الوطنية.
كما أن ظاهرة الإرهاب الطائفى لا بد أن ينظر لها فى سياق أبعد من الخلافات العقائدية، وترويج فصيل لنفسه باعتباره الفرقة الناجية مالكة الحقيقة المطلقة بمفردها، لا بد أن يتم التعاطى معه وكما يثبت الكتاب، فى إطار المرض النفس العضال.

نظرة سريعة على الكثير من عمليات الإرهاب حول العالم وفى مصر، يمكن التثبت من معاناة الجناة من أمراض نفسية، بل أن بعضهم كان نزيلًا للمصحات فى فترة من حياته، كهشام عشماوى مثلًا، ومحمد لحويج بو هلال منفذ هجوم الدهس فى نيس وغيرهما.
وحتى جريمة قاتل القس سمعان بالمرج، لها ذات الطابع السيكولوجى الطائفى، ولو اتشحت برداء إرهابى فج.
وعمومًا فإن تجليات ظاهرة الاضطراب النفسى كدافع للاتجاه نحو التطرف والعنف الدينى والإرهاب المسلح، ما يتضح بشكل جلى أيضاً فى واقعة إرهابية لم يلتفت إليها الكثيرون، وهى واقعة هجوم، "ذئب" إرهابى منفرد على الأرجح، هو عبد الرحمن شمس الدين، فى يوليو 2017، على السائحين فى مدينة الغردقة.
عبد الرحمن تطوع حسب التحقيقات الرسمية ونصوصها، بارتكاب جريمة طعن سائحتين ألمانيتين على شاطئ أحد الفنادق بالمدينة ثم استمر في السباحة حتى وصل إلي شاطئ فندق آخر مجاور، فبدأ في طعن عدد إضافي من السائحات وهن مستلقيات يحصلن على حمام الشمس الخاص بهن، بينما كان يردد هتافات دينية وعبارات عدائية بلغة ألمانية طليقة، وقد لقيت سائحتان ألمانيتان وأخرى تشيكية الجنسية مصرعهن وأصيبت ثلاثة أخريات.

إحدى مصابات حادث الطعن بالغردقة
وأيضًا حسب التحقيقات المنشورة للقضية فقد تبين من الواقعة لاحقاً أن إرهابي الغردقة كان قد خضع لعلاج نفسي لفترة سابقة، ورغم الانطباع بأن الواقعة هي هجوم إرهابى فقط، إلا أن الفحص الطبي علي عبدالرحمن شمس الدين، بحسب الروايات الرسمية، قد أكد تمامًا أنه حالة مرضية واضحة، وعلى ذلك فقد تم إيداعه إلي مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية للإشراف الطبى عليه بقرار من النيابة العامة.
لكن لم يتضح بشكل قاطع حتي الآن إذا ما كان شمس الدين قد استهدف في هجومه الإرهابي بالطعن السائحات السيدات فقط، مثلما كان الحال مع منفذ الهجوم الإرهابي في فنلندا أغسطس الماضى، وأسفر الحادث عن مقتل شخصين وإصابة ثمانية آخرين وكان المهاجم يستهدف بالطعن النساء فقط، وهي نقلة جديدة في الحوادث الإرهابية في الغرب ضد النساء تحديداً، سواءً كانت دوافعها أيدولوجية أو نفسية.

المتهم فى حادث الطعن
وبطبيعة الحال، ليس من البديهى تعميم الحكم على مختلف الإرهابيين ووصمهم بأنهم مرضي نفسيين، أو التعاطي مع الاضطراب والمرض النفسي وكأنه النافذة الوحيدة "وحسب" نحو العنف والإرهاب، لكنه فى نفس الوقت لا يمكن انكار تأثير الدوافع النفسية فى التحولات الأيدولوجية لدى عدد لا بأس به من الإرهابيين.