مكاوى سعيد
وبينما يتحدث الكفراوى عن سعادته برواية "أن تحبك جيهان" وإعجابه بفكرتها وتناوله لها، يهب مكاوى واقفًا ليسأله الكفراوى فى استغراب عن سبب رغبته فى الانصراف السريع فيجيبه مكاوى: "زهقت وعاوز امشى يا عم سعيد".
قبل ذلك بساعات، تحديدًا مساء الخميس كنت قد اتفقت معه على اللقاء صباح الأحد على "زهرة البستان" لنتحدث عن كتابه الجديد. وفى المساء كانت آلام القولون تهاجم مكاوى، تألم قليلًا وأمسك ببطنه، لكنه رفض أن يأتى له القاص شريف عبد المجيد بمسكن ما من إحدى الصيدليات القريبة من أتيليه القاهرة حيث كانا. بدت الأمور طبيعية إذن، غير أن الوسط الثقافى كله صُدم، ظهر أمس السبت، بالعشرات على فيس بوك ينعون مكاوى سعيد!

هكذا دون مقدمات يرحل صاحب "تغريدة البجعة"، لن يجلس مكاوى سعيد على زهرة البستان كعادته، ولن يتجول فى شوارع وسط البلد التى منحته أسرارها حتى ألف عنها كتابه "مقتنيات وسط البلد" عن المهمشين فى وسط البلد، عن تلك المقتنيات التى يعتبر مكاوى نفسه إحداها: "بعتبر نفسى من مقتنيات وسط البلد. قعدت أكتب كتير جدًا ومحدش يعرفنى ولا واخد باله، الناس مقتنيات وعشان كده سميت الكتاب بالاسم ده".
بدأ مكاوى سعيد، المولود عام 1956، حياته شاعرًا، وحصل الطالب بكلية التجارة على جوائز فى جامعة القاهرة منها لقب شاعر الجامعة، غير أنه لم يستمر فى كتابة الشعر ولم يصدر ديوان، ويفسر ذلك فى حوار سابق مع مبتدا: "بدأت بكتابة الشعر، لكن لم يكن عندى ما يمكن أن أضعه فى ديوان. لم أكن أعرف وقتها ماذا أريد أن أكتب بالضبط، لكنى قرأت القصة ووجدتها أقرب إلىّ من الشعر، أستطيع فيها التعبير عن نفسى، وعما أريد أن أقوله بشكل أفضل وأكثر رحابة. أعتبر أن الشعر الذى كتبته كان مجرد تمارين على الكتابة، لم يرق لأن يصبح شعرًا حقيقيًا".

تأثره بيوسف إدريس ومكسيم جوركى وتشيكوف، ثم لقائه، فعشقه، ليحيى الطاهر عبد الله جعله يقترب أكثر من عوالم القصة القصيرة، فكتبها وصدرت مجموعته القصصية الأولى "الركض وراء الضوء" التى حصل عنها على جائزة الدولة التشجيعية فى القصة، ولكنه انقطع بعدها عن الكتابة لفترة طويلة وذلك تأثرًا برحيل الكاتب يحيى الطاهر عبد الله. ترك مكاوى الكتابة والأدب ووسط البلد، التى لم يعد قادرًا على مواجهتها بعد وفاة الطاهر عبد الله، ليعمل محاسبًا بإحدى شركات المقاولات.
استمرت القطيعة ثمانى سنوات، حتى عاد مكاوى برواية "تغريدة البجعة" التى وصلت للقائمة الطويلة لأول نسخة من جائزة البوكر العربية عام 2008، ومنحت هذه الرواية مكاوى شهرة واسعة وصار كاتبًا معروفًا فى الأوساط الأدبية داخل مصر وخارجها.
أصدر مكاوى مجموعة أخرى هى "البهجة تحزم حقائبها" كلها عن عوالم الطفولة، قصص بعين ورؤية طفل، أقسى ما يتعرض له هو الموت، إذ يفقد زميلًا له فى حادثة سقوط من الدور الرابع، وتنتحر أخت صديقه لأن زميلاتها يسخرون من بدانتها، فيسيطر جو حزين على القصص، وتبدو البهجة فى طريقها للرحيل. حققت المجموعة ردود أفعال جيدة وفازت بجائزة ساويرس الثقافية عام 2015.

حب مكاوى سعيد لوسط البلد لم يتم التعبير عنه فقط فى كتاب كمقتنيات وسط البلد أو تسليط الضوء عليه فى قصة قصيرة أو أكثر، ولكنه جعل بطل روايته الأخيرة "أن تحبك جيهان" من سكان وسط البلد. كتب مكاوى روايته فى نحو أربع سنوات، وتمنى، فى حوار تليفزيونى، أن يتم تحويلها لعمل سينمائى. وفازت الرواية بجائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب فى دورتها الـ11 العام الماضى، وكان مكاوى وقتها المصرى الوحيد ضمن الفائزين الـ12.
لم يكن مكاوى سعيد أديبًا يكتب الروايات والقصص ويتذوق الشعر، بل كان مؤرخًا لوسط البلد والقاهرة كلها، القاهرة الخديوية تحديدًا التى كان خبيرًا بها. كتاب مكاوى الأخير الذى سيصدر الشهر المقبل خلال معرض القاهرة للكتاب ليس رواية، هو كتاب عن القاهرة زمن الخديوى إسماعيل وما بعده والتقاطعات بين الفن والسياسة خلال تلك الفترة، عن مصر منذ قرن ونصف تقريبًا، مصر التى شاخت، كما قال مكاوى عن الكتاب الذى أسماه "القاهرة وما فيها: حكايات وأشخاص وأزمنة وتواريخ". كتابه سيصدر ويوزع دون أن يحمل توقيعًا بخط مكاوى، توقيعًا يمنحه بعض البهجة التى حزمت حقائبها برحيل صاحبها.