داعش
بينما تسارع الدولة وأجنحتها الأمنية والعسكرية الخطى لضرب التنظيم، وذلك فى ظل تكلفة باهظة يتحملها الجميع، تبدو ارتباطات التنظيم بجهات عابرة للحدود، سواء كان ذلك بصور مباشرة أو غير مباشرة، واضحة للعيان، فى حين أن مبرره الجاهز يستند إلى زعم معلب عن الاستعانة بالظالمين لضرب نظرائهم على ضفاف النيل، على حد إقرار مرجعياته الشرعية المزعومة.
التصرفات غير المنطقية للدواعش، ثم أهداف عملياتهم، وتكتيكات التنفيذ والحركة المفاجئة التى يعتمدونها فى مصر، والتى وفى كثير من الأحيان لا تتناسب مع إمكانيات التنظيم، إنما ترجح وبشدة اختراقه من قبل أجهزة معلومات واستخبارات، أو استغلاله من جانبهما كجماعة وظيفية تنفذ الأجندات لصالح من يدفع أكثر، أو حتى لحساب قوى سياسية إقليمية ومحلية لديها القدرة على الاستغلال والتوجيه عن بعد.
أن يرتكب فصيل ما، على الأرجح، هو داعش مصر "ولاية سيناء" مذبحة كبرى فيصلية ضد مصلين عزل، يصنفها البعض باعتبارها هجمات 11 سبتمبر المصرية، ثم لا يستعرض إعلاميًا بها، فذلك يثير الريبة من دون شك من جهة، ومن جهة أخرى يقوى من فرضية وجود أصابع خارجية ساعدت أو وجهت فى هذا الشأن.

كما أن الاستهدافات الطائفية التكفيرية، فى الأغلب فعل اعتيادى شبه لحظى للدواعش فى سوريا والعراق وليبيا والغرب الأفريقى.
ويعيش داعش على وقع صراع مرير وانشقاقات فى الداخل والخارج، على إثر سقوط مشروعه الأم فى أرض الخلافة الوهمية، بيد أن انسلاخ العديد من عناصره والهرولة من جديد، أو حتى لأول مرة إلى حضن القاعدة، إنما يستفذ التنظيم بشدة، وعليه فإن عناصره القلقة تلجأ للعنف المفزع الرهيب لإثبات قوة مصطنعة من قلب ترنح علنى لا ريب فيه.
اختراق التنظيم هنا يبدو منطقيًا، أجهزة الاستخبارات الدولية فى كثير من الأحيان تحارب التنظيمات لتقليم الأظافر، لكن لا تقضى عليها نهائيًا، تحسبًا لتجنيد بعض عناصرها لصالحها، ومن ثم توجيه الكيان ككل بما يخدم أهدافها، فتحارب بها أعداءها، أو تساوم بها حتى أصدقائها، ولا مانع من استخدامها كفزاعة محلية، إذا ما كانت ترمى لتحقيق أهداف داخلية.
الطرفة الأكبر فى تاريخ داعش، أنه أقرب للشركة المساهمة منه إلى التنظيم الإرهابى.

الرواية الأكثر تداولًا تقول أنه كان صنيعة النظام السورى، وعلى يد الإسلاميين الذين أفرج عنهم بشار بداية العام 2011، لصنع تيار جهادى متطرف على الأرض، يكون مبرره الجاهز لضرب المعارضة السلمية والثورة الحالمة..
كما استخدم من جانب رجال بشار الأسد للضغط على المجتمع الدولى بتفجير الوضع فى العراق وإعلان الخلافة المزعومة من أراضيه، قبل أن تتجاذب التنظيم وبالأخص بعدما صار عابرًا للحدود، قوى خليجية وأخرى غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
كون أن جذوره فى العراق تعود لجماعة القاعدى أبو مصعب الزرقاوى، فذلك مدعاة للتأكد من فرضية اختراقه، على أساس أن قوى عدة كطهران ودمشق وموسكو والبعثيين وجنرالات صدام حسين وأنقرة، كانت تريد زلزلة الأرض من تحت أقدم الأمريكان والعهد الجديد فى بلد دجلة والفرات وكل حسب أهدافه.
الأمريكان يدعمون داعش صراحة فى ولاية خرسان/ أفغانستان، ليقود التنظيم حربًا بالوكالة عن واشنطن ضد طالبان، بل أن الروس استخدموه كمنصة جذب لكشف متطرفى الشيشان والبلقان وجمهوريات الاتحاد السوفيتى السابقة.
ولأن داعش مصر، لا تنفصل عن المظلة الكبرى لداعش الأم، ومع اتسام أنصار الدولة الإسلامية فى سيناء باستراتيجية استقبال المقاتلين الوافدين والأجانب بخبراتهم الدموية غير الاعتيادية محليًا، فإن ذلك لا يعنى إلا أن أى فرد قادم من الخارج للعمل تحت لواء الراية السوداء، وكان بالأساس مخترقًا أو مجندًا من قبل استخبارات خارجية، فإنه سيواصل تنفيذ أجندتها فى أرض الفيروز.

وعليه، فإذا كان الوافد مخترقًا تركيًا على سبيل المثال، فضرباته فى مصر ستعكس رغبة أنقرة بطريقة أو بأخرى، وعلى هذا النحو يمكن الإشارة إلى منطقية الربط بين إعلان المخابرات العامة المصرية قبل أسابيع سقوط خلية تجسس تركية مصرية تعمل فى مجال تمرير المكالمات الدولية بغرض الاطلاع على أسرار حساسة فى بلاد النيل، وبين أن يكون هجوم الروضة ردًا غير مباشر من نظام رجب طيب أردوغان على فضيحة التخابر الأخيرة.
التعارض والخلاف المصرى القطرى يقف فى خلفية العملية كذلك، وكاحتمال لأن تكون مدفوعة برغبة من الدوحة وحلفاؤها فى الإخوان فى تكدير السلطة بمصر بمحاصرتها بإرهاب سياسى طائفى، وبتقليب المواطنين على الدولة بدعوى فشلها فى حمايتهم.
فى هذا الإطار يظهر التراث القطرى الأثير فى استخدام جماعات العنف ومنها دواعش جليًا، من سوريا إلى ليبيا، ولا مانع من غزة وسيناء.
غزويون ساسة وعسكريون من المضارين من اتفاقية المصالحة بين فتح وحماس، إما لإغلاق صنبور التهريب والأنفاق، أو لضرب مصالحهم مع قوى إقليمية متطلعة كطهران والدوحة، ربما ليسوا ببعيد عن فقه اختراق التنظيمات ودعمها ماليًا وفنيًا ولوجيستيًا، ثم توجيهها كشوكة فى خاصرة الخصوم،
حتى تل أبيب من مصلحتها اختراق دواعش سيناء، لتظل شبه الجزيرة الملتهبة على ذات السخونة والاستنفار الذى ينهك السلطات والقوى الأمنية العسكرية فى مصر.
مصر صارت فاعلة سياسيًا وأمنيًا ومعلوماتيًا فى ملفات حساسة، كتنظيم صفوف المعارضة السورية، واستعادة الدولة وضرب جماعات التطرف فى ليبيا، وتسويات الحالة السياسية بلبنان، مع الانحياز للمعسكر الروسى إلى حد ما فى مواجهة الاستراتيجيات الأمريكية بالمنطقة، وذلك مدعاة أيضًا لرغبة البعض من المضارين فى هذ الشأن، لأن يتحرك عبر وكلاء العنف لتكدير البلاد وإغراقها فى فوضى وإرهاب ووجع.
هجوم الروضة، سيظل غامضًا، طالما لم يعلن تنظيم بعينة مسؤوليته، بل ستغيب الحقيقة لو أن مجموعات مرتزقة تعمل لصالح مخابرات أجنبية هى من قامت بالهجوم الخسيس، مستخدمة أسلوب داعش للتضليل.