أردوغان
الرئيس التركى، إخوانى الهوى والجذور والأجندة، رجب طيب أردوغان، يكشف عن سر اشتعال سيناء بالإرهاب.
قال صراحة، الثلاثاء، على هامش اجتماع بالكتلة البرلمانية لحزبه، العدالة والتنمية بأنقرة، إن "الإرهابيين الذين غادروا الرقة أرسلوا إلى مصر لاستخدامهم هناك فى صحراء سيناء".

لم يزد أردوغان بأى تفاصيل أخرى تتعلق بسيناء، أو بالقطعية التى تحدث بها عن حركة الدواعش الفارين من الرقة إلى شبه الجزيرة المصرية، فيما انتقل فى السياق ذاته ليوجه هجومًا على الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة تسليحها لوحدات حماية الشعب التابعة لقوات سوريا الديمقراطية الكردية، والتى ينسب إليها الفضل الأكبر فى إسقاط عاصمة خلافة أبو بكر البغدادى المزعومة.
ورغم أهمية كلام أردوغان المضاعفة، جراء إعلانها من جانبه هو شخصيًا، وهو يشار إليه ونظامه باعتبارهما من كبار الداعمين أو على الأقل المستخدمين لداعش من الباطن فى معارك سياسية قذرة وانتهازية، إلا أن الأمر لا يعد مفاجأة بالنسبة للسلطات فى القاهرة، بيد أن الإدارة العليا فى مصر تتحسب لأمر عودة الجهاديين المصريين أو قدوم مقاتلين وافدين إلى بلاد النيل، ومن ثم لا تتردد فى القيام بعمليات أمنية ومعلوماتية استباقية، فضلًا عن التنسيقات السياسية مع الدول المعنية لدرء الخطر ولو خارج الحدود.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى، كشف ودون تردد أو مواربة، خلال لقاء مع مجموعة من ممثلى وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية، على هامش منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، مطلع نوفمبر الماضى، عن استنفارات مصرية كبيرة تجاه تحول إرهابيى المنطقة، بمختلف توجهاتهم، وسواء كانوا من المحليين أو غير المحليين، إلى ضفاف النيل.

قال الرئيس نصًا ساعتها، إن لدى القاهرة حاليًا "قدرات عسكرية لمواجهة الخلل الذى حدث بالمنطقة وأيضا لمواجهة الإرهاب"، قبل أن يفسر السبب فى ذلك، بأنه "كلما تطورت الأمور فى اتجاه التخلص من داعش فى سوريا وليبيا والعراق، يكون تواجدهم فى المنطقة الغربية وسيناء فى مصر".
وتابع بأن "ما حدث فى السنوات السبع الماضية، هو خروج العراق وسوريا وليبيا واليمن من المعادلة بشكل أو بآخر، وبالتالى حدث خلل فى التوازن الاستراتيجى فى المنطقة، ولا يجب أن يحدث فراغ يؤثر على أمننا واستقرارنا، وبالتالى كان لا بد أن تكون لدينا معدات عسكرية لمجابهة الإرهاب، الذى نرى أنه لا ينحصر فى المنطقة حتى بعد حملة استمرت 3 سنوات فى سوريا والعراق بتحالف من أقوى دولة فى العالم، وبالتالى لا بد أن نكون قادرين على التعامل مع الخطر المباشر على مصر".
ويمثل ملف عودة المقاتلين المصريين فى صفوف الإرهاب العابر للحدود صداعًا بلا شك للقاهرة، بيد أن خطورته الكبرى تظل فى نقل خبرات قتالية متطرفة وخطرة إلى ضفاف النيل، على طريق استهداف المصليين مثلُا فى مسجد الروضة ببئر العبد، قبل نحو أسبوعين.

ورصدت دراسات أمنية وبحثية معتبرة أعدادًا تقترب من ألف مصرى عادوا إلى مصر بعد أن نشطوا فى حفلات الدم تحت لواء الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادى، بينما انخرط العشرات منهم فى معارك الدواعش بسيناء ضد الجيش والأمن، خلال العامين الأخيرين على الأقل.
وتفيد تقارير أن دفعات جديدة كانت بالرقة، بدأت رحلة عودتها إلى مصر، أو بالفعل عاد جزء كبير منها.

إن الخبرات المستوردة والعمليات البشعة، فضلًا عن العمليات ذات الحرفية على مستوى التخطيط والتنفيذ وتجهيز العتاد والمتفجرات وما شابه، لم تكن لتأتى إلى أرض المعارك بسيناء إلا بصحبة فلول العائدين والوافدين من الدواعش المحليين والأجانب.
ويستهدف ما تبقى من الإرهاب الداعش والقاعدى على الأرض فى الشرق الأوسط مصر منذ فترة لتكون حاضنة جديدة لعجلة العنف الدينى المسلح.
سيناء صارت هدفًا للجميع، وبخاصة مع تواصل الانهيار الكبير لمعاقل تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى فى سوريا والعراق وليبيا.

وكانت الساحة السورية قد تميزت بعوامل جذب عدة للجهاديين المصريين بالأساس الذين سافروا إليها وانضموا لتنظيمات داعش أو جبهة النصرة فى الغالب، وكذلك لمن تم استدراجهم إلى هناك عبر منصات التواصل الاجتماعى حيث كان يتم الانتقال اليها عبر تركيا، إضافة إلى الساحة الليبية التى كان يتم الانتقال اليها عبر الحدود المشتركة.
فيما قدمت جماعة الإخوان رعاية كاملة لهذا النزوح جنبا الى جنب مع مجموعة من الحركات والجماعات السلفية أشهرها حازمون بهدف القتال فى سوريا.
إلى جانب الدعم الكامل من مؤتمر الامة المصرية لدعم الثورة السورية فى 15 يونيو2013 برعاية وحضور الرئيس المعزول محمد مرسى، وفى تلك المرحلة برزت أسماء مثل محمد الظواهرى وأحمد سلامة مبروك وحازم صلاح أبو إسماعيل ومحمد عشوش قاموا بأدوار رعاية متكاملة لعملية نقل الشباب إلى تنظيمات سوريا وليبيا.

ووفقًا للباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد جمعة، فى دراسته "عودة الجهاديين من سوريا والعراق المخاطر وسبل المواجهة"، فإن "المقاتلين العائدين باتوا كجسور بين تنظيمات جهادية خارجية وجماعات محلية موالية لها، وهو ما تحقق جزئيًا أيضًا خلال العامين الماضيين"، ويبدو أنه بات يتكرر الآن.
القاعدة فى شمال إفريقيا، وتحت مظلتها ومظلة تحالفاتها الكبرى، بقيادة مختار بلمختار "غير معروف إن كان قتل أم لا يزال على قيد الحياة" وإياد آغ غالى، صارت أيضًا حاضنة كبيرة للقاعديين المصريين الجدد من شاكلة ضابط الصاعقة المفصول هشام عشماوى ورجاله، فى حين أنها تضع مصر على رأس أولويات عملها تنفيذًا لاستراتيجيتها الخاصة بمنافسة تنظيم داعش وسحب البساط من تحت أقدامه من "المحيط إلى النيل".
بالتوازى مع ذلك، ثبت أيضًا أن جهاديين من جنسيات غير مصرية يصلون إلى مصر بأوامر من قيادات مصرية من العائدين من تنظيم داعش أو القاعدة تعمل على تدعيم الحالة الإرهابية والمساهمة فيما يعتبرونه جهادًا مصريًا واعدًا، حيث يتم أيضًا استخدام أنفاق غزة فى التحرك والانتقال، وكذا يتم الاعتماد على الصلات مع السلفية الجهادية فى القطاع لتوفير الدم اللوجيستى والمادى.

يلجأ المقاتلين العائدين الذين يكونون أكثر شراسة أيضا إلى استهداف المدنيين ومحاولة اجبارهم باستمرار على دفع الضرائب أو التعاون معهم، مع تطييف الأهداف "ضرب الأقباط أو الصوفية" وهو ما يفسر التغيير فى سلوك ولاية سيناء مع القبائل هناك، من التقرب والمهادنة إلى التهديد والعداء والقتل بدم بارد.
وفى السياق ذاته، تسربت قبل أسابيع تفاصيل صفقة وصفت فى دوائر أمنية وإعلامية دولية بالقذرة، بموجبها أمنت الولايات المتحدة الأمريكية وكذا قوات سوريا الديمقراطية، التى تعتبرها أنقرة إرهابية، ولذا هاجمها أردوغان، خروج المئات من مقاتلى داعش وعائلاتهم، من السوريين وغير السوريين، من الرقة بأمان ودون مشاكل.
هؤلاء انتشروا فى مختلف أنحاء سوريا، فيما نطلق بعضهم خارجها، وبخاصة أن العشرات منهم ينتمون لدول أوروبية وأسيوية، وأخرى فى شمال إفريقيا، ومن بينها مصر.
وكشف الصفقة مجموعة من السائقين، استعانت بهم وحدات سوريا الديمقراطية لنقل هؤلاء المقاتلين بشكل سرى مقابل مبالغ مالية طائلة، حيث سرب على الأقل سائقان منهم المعلومة، على إثر المخاوف الجامعة التى عاشوا فيها أثناء مشاركتهم فى قوافل تهريب العناصر الداعشية، والتى كانت تمتد فى بعض الأحيان لمسافة 5 أو 7 كيلومترات.

واحد من السائقين، قال إلى الدواعش فخخوا حافلته، بينما كانت تضع النساء والأطفال من أسرهم أحزمة ناسفة حول البطون والخواصر، حتى لا يتم الغدر بهم، وحتى لا يفشى أحد سر رحلات تهريبهم الغامضة تلك.
بربط حديث أردوغان اليوم عن انتقال دواعش من الرقة لسيناء، مع تحركات السلطة فى القاهرة لضرب ملف العائدين والوافدين من عناصر التطرف والإرهاب، وفى الخلفية حادثة بئر العبد الأخيرة، وكذا المعلومات المتسربة عن الصفقة الأمريكية الكردية القذرة، فإن مصر وشبه جزيرتها الحيوية فى خطر كبير وداهم.