حمدى رزق
الكتابة بالحبر الأسود صارت طقسًا مرعيًا، تجلب إلكترونيًا إعجابات، وتسجل أكثر قراءات، وكلما أسودت سطور المقال راجت فى الأسواق، سوق الكتابة البيضاء جَبَر، ورق الصحف لا تسوده إلا السطور السوداء، مارق من يكتب بالحبر الأبيض، الكتابة السوداء شجاعة، الكتابة البيضاء موالسة، الكتابة السوداء تكسب كثيراً.
لماذا تشيع الكتابة السوداء، لكل ظاهرة أسبابها، بعيدًا تمامًا عن التخوين والعمالة، أو غيرها من المصطلحات المصكوكة صكًا مؤامراتيًا، يقينًا هى تعبر فى الغالب عن حالة مزاجية سوداوية تغشى قطاعات واسعة من الكتّاب، نحسن الظن بالجميع، ولسنا براء.
معدلات السواد فى المجتمع تنتج كتابتها وكتّابها، الأقلام تملأ بطونها من حبر المجتمع، وتفرز من هذا الحبر، وتنسج على منواله، الشكوى من الحال جد شائعة، كل يشكو حاله لحاله، وكل يغنى على مواله الحزين، وكل يعزف على لحن حزين، لماذا الكتابة كتعبير عن الحال لا تكون سوداء، الأبيض خلص ما تبقى فى المحبرة سوى أخبار سوداء.
الأديب يوسف القعيد صك تعبيرًا "الكتابة بحبر القلب"، هل أسودت القلوب فصار حبرها أسود؟ الكتابة السوداوية طقس يجمع بين الأضداد، لا تيار يجمعهم، ولا تنظيم يلمهم، وليس هناك توجيه يقيناً بالكتابة البيضاء لكى يكون ماثلاً توجيه بالكتابة السوداء، كل يكتب على حاله، ويملأ قلمه بالحبر الذى يهواه أو يهوى إليه أو يهوى فى سواده.
إحالة الكتابة السوداء إلى معاملات مؤامراتية نوع من الخبل والاضطراب فى الأحكام، فإذا تجمعت السحب السوداء فى السماء، لا تخشى، إنه المطر ينهمر من اصطكاك السحاب، يسقى الأرض العطشى للأمل، سوّدوها أنى شئتم، ستمطر خيرًا بإذن الله.
وما ضرك يا هذا بالكتابة السوداء وأنت تقترفها كل حين، ولماذا تضيق بالكتابة السوداء إذا كنت من مدرسة الكتابة البيضاء، وإذا كنت تكتب بالأبيض من أين تستقى الأسود فى بعض كتاباتك، الكتابة عندى أبيض وأسود، والبياض غالب، أحب الأبيض رغم إغراء الأسود، وعندى الكتابة بين أبيض وأسود، أبيض لكل مظلوم، أسود على كل ظالم.
ألم نجعل له عينين، عين ترى الأبيض أبيض، ترى الجمال والإنجاز، وعين ترى الأسود أسود خلوًا من العدالة، والكفاية، والرحمة بالفقراء، عين ترى الخير تستملحه وتحبذه وتلح عليه، وعين ترى الأسود تكرهه، وترفضه وتتمنى زواله، وفى الحالتين، ما كنا معذبين للقراء.
الكتابة السوداء تروق لنفر من الزملاء، والكتابة البيضاء لا تروق للكثير منهم، أخشى من الخشية والقلب منى واجف، الأبيض خلص من زمان، هذا زمن الكتابة السوداء، نفر من الكتّاب لا يرى سوى السواد، يمتهن السواد، حتى نظرية نصف الكوب الآخر لا تجوز عليه، ولا يعتد بها، ينكرها، لا يراها، نذر نفسه للسواد.
ونفر من الزملاء لا يرى سوى سواد كتابة هؤلاء، فيبتدرهم بالعداء وينبرى لتسويد صفحتهم، وينعتهم بفاحش الأوصاف، وينسى، ولا يعنى بإبراز البياض، فتترى فى سوادهم دون أن ينفذ إلى القراء بخيط أمل يبدد هذا الظلام أو ينير شمعة ليرى بها السوداويون ما خفى عنهم من فرط سوداويتهم.. للأسف جلنا إلا من رحم ربى نعمه فى سواد!