البشير - أردوغان
أعلن الرئيس التركى رجب طيب فى الخرطوم أن السودان خصص جزيرة سواكن الواقعة فى البحر الأحمر شرق السودان لتركيا كى تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يحددها، وزار أردوغان برفقة نظيره السودانى عمر البشير سواكن حيث تنفذ وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" مشروعا لترميم الآثار العثمانية.
وقال أروغان وهو يتحدث فى ختام ملتقى اقتصادى بين رجال أعمال سودانيين وأتراك فى اليوم الثانى لزيارته للسودان أولى محطات جولته الأفريقية "طلبنا تخصيص جزيرة سواكن لوقت معين لنعيد إنشاءها وإعادتها إلى أصلها القديم والرئيس البشير قال نعم"، وأضاف أن "هناك ملحقا لن أتحدث عنه الآن".

لماذا الزيارة رمزية؟
ميناء سواكن هو الأقدم فى السودان ويستخدم فى الغالب لنقل المسافرين والبضائع إلى ميناء جدة فى السعودية، وهو الميناء الثانى للسودان بعد بورتسودان الذى يبعد 60 كلم إلى الشمال منه، ويمكن وصف زيارة أردوغان بالتاريخية إذ أنها أول زيارة لرئيس تركى إلى السودان منذ استقلاله عام 1956.
والرمزية والأهمية التاريخية تنطبق كذلك على سواكن، فقد استخدمت الدولة العثمانية جزيرة سواكن مركزاً لبحريتها فى البحر الأحمر، وضم الميناء مقر الحاكم العثمانى لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامى 1821 و1885، فعندما كانت الدولة العثمانية التركية تحكم هذه المنطقة، كانت سواكن تتبع مباشرة للخليفة العثمانى فى الأستانة وليس للحاكم فى السودان أو مصر.

مثلث السودان وقطر وتركيا: الخرطوم تلجأ لخصوم العرب والشرق
تأتى الزيارة بعد بدء السودان إعادة تمركزه.. حيث ترك معسكر التحالف العربى، الذى يضم دول عربية بقيادة السعودية لدعم الشرعية فى اليمن، والاتجاه نحو محور "الإسلام السياسى (القطرى - التركى) والذى حدث بعد زيارة الرئيس السودانى عمر حسن البشير لقطر فى 24 أكتوبر من هذا العام"، ويرى الخبراء أن البشير وأردوغان فى الإنحدار من خلفية الإسلام السياسى من الناحية الايدلوجية.
لكن بعد زيارة أردوغان.. نفى وزير الخارجية السودانى نية الخرطوم الدخول فى محاور إقليمية، وقال غندور فى مؤتمر صحفى مشترك مع نظيره التركى فى مطار الخرطوم فى ختام الزيارة أن "السودان لم ولن يكون يوما جزء من أى محور ونحن منفتحون على كل دول العالم لتبادل المصالح، وتركيا دولة شقيقة ولنا معها تاريخ طويل".
وأضاف أن "السودان مهتم بأمن البحر الأحمر وننسق مع جيراننا فى ذلك، وتركيا موجودة فى البحر الأحمر ولها قاعدة عسكرية فى الصومال لتدريب الجيش الوطنى الصومالى".

بين التلميح والتصريح
لدى السودان ساحل على البحر الأحمر يمتد على أكثر من 700 كيلومتر، وعلى ما يبدو أن أردوغان قصد بقوله: "هناك ملحقاً لن أتحدث عنه الآن" أن الجزيرة ستكون نقطة للبحرية التركية وللتأثير الجيوسياسى.
وكان وزير خارجية تركيا مولود جاويش أُوغلو أكثر وضوحاً من رئيسه، إذ قال فى المؤتمر الصحفى مع نظيره السودانى: "تم توقيع اتفاقيات بخصوص أمن البحر الأحمر"، مؤكداً أن تركيا "ستواصل تقديم كل الدعم للسودان بخصوص أمن البحر الأحمر".

وأضاف: "نحن مهتمون بأمن السودان وإفريقيا وأمن البحر الأحمر"، وتابع "لدينا قاعدة عسكرية فى الصومال ولدينا توجيهات رئاسية لتقديم الدعم للأمن والشرطة والجانب العسكرى للسودان ونواصل تطوير العلاقات فى مجال الصناعات الدفاعية".
ومن جانبه، أعلن إبراهيم غندور، فى المؤتمر الصحفى أن السودان وتركيا وقعا اتفاقات للتعاون العسكرى والأمنى، من بينها "إنشاء مرسى لصيانة السفن المدنية والعسكرية"، وأضاف أن "وزارة الدفاع السودانية منفتحة على التعاون العسكرى مع أى جهة ولدينا تعاون عسكرى مع الأشقاء والأصدقاء ومستعدون للتعاون العسكرى مع تركيا"، وأضاف "وقعنا اتفاقية يمكن أن ينجم عنها أى نوع من أنواع التعاون العسكرى".
البحر الأحمر والقرن الإفريقى.. حرب موانئ
اهتمام تركيا بأمن البحر الأحمر يأتى فى إطار بحثها عن نفوذ إقليمى ودولى وتوجيه رسالة سياسية لمصر ودول الخليج بأنها موجودة فى الساحل الغربى للبحر الأحمر.
فاتفاق التعاون العسكرى وربطه بالاهتمام بأمن البحر الأحمر، يعكس بحث تركيا عن نفوذ لها فى هذه المنطقة المهمة من العالم، ولتأكيد لدورها فى منطقة الشرق الأوسط، ويبرز هذا تنافسها بين مختلف الدول التى تسعى الآن لإنشاء قواعد لها فى المنطقة.

ويعيد هذا التنافس إلى الأذهان ما نقلته وسائل إعلام عن اتفاق قطر مع السودان على إنشاء أكبر ميناء للحاويات فى البحر الأحمر فى مدينة "بورتسودان" بعد تنافس شرس مع "شركة دبى للموانئ" على الفوز بالصفقة.
وتسيطر الإمارات العربية المتحدة على عدة موانئ فى بحر العرب والبحر الأحمر، كما وضع أردوغان قدمه فى الصومال، لكنه فشل عند محاولته فى جيبوتى، والتى تضم "قواعد فرنسية وأمريكية وصينية"، والقاعدة الصينية فى جيبوتى هى "أول قاعدة عسكرية للصين خارج بلادها".
تشهد العلاقات المصرية - التركية توتراً شديداً منذ الإطاحة بالرئيس الإسلامى السابق محمد مرسى، ودار حديث عن بوادر تحسن فى العلاقات بعد زيارة وزير الخارجية سامح شكرى لتركيا للمشاركة فى القمة الإسلامية الطارئة بشأن قرار دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس.
إلا أن رفع أردوغان لـ"إشارة رابعة" خلال الزيارة ربما يعيد العلاقات لـ"مربع التوتر"، وفقا للتقارير التركية.

مصر هى من أدارت ظهرها لتركيا.. وأنقرة تحاول نكاية مصر
على ما يبدو أن أرودغان منزعج لتوجه الرئيس عبدالفتاح السيسى، ببناء خط أنابيب مع اليونان وقبرص وتجاهل الموانئ التركية، وإصرار مصر على "نزع الأهمية" عن الموانئ التركية كـ"مصب للغاز" على البحر الأبيض المتوسط.
وكان الرئيس السيسى والقبرصى نيكوس أناستاسيادس واليونانى اليكسيس تسيبراس قد عقدوا فى 21 نوفمبر الماضى محادثات تركزت على الطاقة والأمن والهجرة غير الشرعية.
وبعد تلك القمة، سارع أردوغان بزيارة اليونان بعد أقل من 3 أسابيع على تلك القمة، وذلك فى أول زيارة لرئيس تركى لليونان منذ 65 عاما، ومن هنا نستطيع القول أن أردوغان يحاول استدراك نجاح السيساة الخارجية المصرية، وما تسفر عنه من اتفاقيات على كافة الأصعدة لصالح مصر، ومن ناحية أخرى خسارة لتركيا.