دونالد ترامب
المكالمة الهاتفية التى أجراها الرئيس الأمريكى بأمير قطر، تميم بن حمد، قبل أيام، والتى أشاد خلالها بما زعم أنها "جهودًا كبيرة تبذلها الدوحة فى مكافحة الإرهاب"، بدت غريبة وغير متوقعة على نحو ما. فقبل 6 أشهر فقط، وفى أوج انفجار المقاطعة الخليجية المصرية للدوحة، اعتبر ترامب أن الأخيرة رأس الإرهاب فى المنطقة، لكنه عاد ليتعامل معها كرأس حربة فى مواجهته.
كيف تتناقض المواقف على هذا النحو الفج؟! القطريون لديهم الإجابة الشافية، ولا لما وهم لا يخجلون من الجهر بدفع الرشاوى لاستمالة ساكن البيت الأبيض، صاحب النهم الكبير فى إبرام الصفقات.

الدوحة لم تخف أنها تشرع فى توسيع قاعدة الأمريكان العسكرية فى قطر والمعروفة باسم "العديد"، وتأسيس مدارس ومجمعات سكنية ومتاجر تخدم نحو 11 ألف جندى مقيم بها، لأجل تحويلها من مجرد مقر قيادى مؤقت للمارينز إلى نزل دائم ومركزى، يُمكن من خلاله الوصول إلى أماكن الصراع فى العراق وسوريا فضلًا عن باكستان وأفغانستان بسهولة وفى أسرع وقت ممكن. لاحظ أن توسيعات القاعدة الأمريكية ستتكبد الدوحة لا واشنطن كامل تكلفتها المادية.
الأخطر أن الدوحة ستجهز موانئها، وربما تؤسس موانئ جديدة، حتى تستوعب الأسطول الحربى الأمريكى!! قبل أن تقدم الدوحة كل آيات الخضوع والرشوة والانبطاح التام إرضاءً لليمين الصهيونى وربيبهم ترامب، فأتمت قبل أيام صفقة بـ100 مليار دولار، مع منح واشنطن فرصة الاطلاع على كل كنوز المعلومات التى تضعها الإمارة تحت يدها فى ملفات الإرهاب والجماعات المسلحة فى الشرق الأوسط، وغالبيتها جمعتها كانت جمعتها، عبر تعاونها المباشر مع تلك الكيانات المتطرفة، والتى طالما استخدمتها لزعزعة استقرار النظم والبلدان العربية، أو تحقيقًا لمصلحة حليف غربى. علاوة على رشوة ترامب نفسه، الذى يركز حاليًا على جمع موارد لتحديث البنية التحتية فى بلاده، ومن ثم أصرت الدوحة على تخصيص 10 مليارات دولار من الـ100 السالف الإشارة إليها أعلاه، لهذا الملف.

رشوة أخرى قدمتها قطر تخدم شركات الطيران الأمريكى التى طالما كانت تضار جراء عدم تكافئ المنافسة مع نظيراتها فى الخليج، والتى تحظى بدعم من جانب الحكومات. الشركات الأمريكية وسطت ترامب لأجل الضغط على الدوحة وأبوظبى لرفع الدعم عن شركات "الجوية القطرية" و"الاتحاد" و"طيران الإمارات".
يأتى هذا بينما لعب اليمين اليهودى الصهيونى الأمريكى دور البطولة فى غرام ترامب المفاجئ بقطر. فجماعات الضغط المنتمية إليه هى الأقرب للرئيس الأمريكى والأكثر تأثيرًا عليه، فيما بدا أنه كان جسر قطر الآمن لامتلاك قلب وعقل البيت الأبيض، والأهم احتواء غضبه، قبل أن يتكلل الأمر قبل أيام قليلة بتصالح المصالح بين ترامب وإدارته وبين نظام تميم. وشهدت الأيام القليلة الماضية توافد نفر من أقطاب اليهود والصهاينة ومناصرى تل أبيب من الأمريكان على الدوحة، وذلك فى زيارات سرية عير معلنة.
ولعل أبرزهم كما سربت تل أبيب نفسها الحاخام مناحيم من الاتحاد الأرثوذكسى، ومالكولم هونلين، النائب التنفيذى لرئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، ومارتن أولينر من الصهاينة الدينيين، وجاك روزين من المؤتمر اليهودى الأمريكى، إضافة إلى المرشح الجمهورى السابق للانتخابات الأمريكية 2016، مايك هوكابى.
هوكابى هذا صهيونى أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وسبق أن اتهم الرئيس الأمريكى السابق، باراك أوباما، بأنه ينتهج سياسة قاسية ضد تل أبيب، وكأنه يقود سكانها مجددًا إلى أفران الغاز، فيما لم يتردد فى أكثر من مناسبة فى إنكار أى حق للفلسطييين فى أراضيهم المحتلة وغير المحتلة، بل وادعى أن الضفة الغربية جزء من الدولة العبرية.
لكن تبقى أكبر مساعدة تلقتها الدوحة من صهيونى أمريكى، كانت تلك التى نالتها وبشق الأنفس وبعد عناء كبير، من جانب رئيس المنظمة اليهويدية الصهيونية فى واشنطن، مورت كلاين، الذى ينظر إليه ومؤسسته باعتبارهم أكبر الجهات تأثيرًا على صانع القرار بالبيت الأبيض.
وزار كلاين الدوحة سرًا يناير الماضى، وذلك بعد أن أذاق القطريين وتميم وسلطة حكمه أصنافًا من المذلة جراء رفضه تلبية دعوة الإمارة مرارًا على مدار الشهور من سبتمبر إلى ديسمبر من العام الماضى. ورفض كلاين طلب تميم لقاءه سرًا على هامش فاعليات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2017، وقال ساعتها إنه لن يضفى "الشرعية" على تصرفات قطر "المشينة".
فى الأخير، أغرى القطريون الرجل، وتدخل وسطاؤهم فى تل أبيب وتمت الزيارة، وعلى إثرها توسط كلاين ورجاله لدى ترامب، الذى رضخ فورًا ليتبدل موقفه مع الدوحة.