البث المباشر الراديو 9090
حقل ظهر
للتهديدات التركية الجديدة والمستفزة تجاه القاهرة وحلفائها فى البحر المتوسط، وعلى رأسها قبرص واليونان، قصة طويلة يمكن إيجازها فى نقاط محددة.

فقبل كل شىء، تريد أنقرة إعادة تعيين الحدود البحرية فى المتوسط بما يحقق مصالحها الاقتصادية والعسكرية، وبالطبع على حساب كل القوى الفاعلة فى تلك المنطقة وعلى رأسها مصر، أضف إلى ذلك أن نصيب أنقرة المتضائل فى قسمة مخزونات الغاز الطبيعى فى ذلك الحوض المائى الإستراتيجى يثير غضبها وطمعها فى آن واحد.

والاعتقاد الأرجح أن تركيا تريد الضغط لأجل إفساد وعرقلة بدء إنتاج حقل ظهر للغاز الطبيعى أمام السواحل المصرية، ويعد الأكبر فى العالم، ولكن بصورة غير مباشرة، كما تريد ضرب حقل آخر مشترك تملكه مصر وقبرص، هو أفروديت.

كان وزير الخارجية التركى، مولود جاويش أوغلو، قد أعلن الأسبوع الماضى، وتحديدًا بعد 5 أيام فقط من افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسى إنتاج حقل ظهر، أن بلاده تخطط لبدء التنقيب عن النفط والغاز شرق البحر المتوسط، زاعمًا أن ذلك يعد حقًا سياديًا لأنقرة.

وقبل أن يدّعى أن "الاتفاقية المبرمة بين مصر وقبرص عام 2013، بهدف استغلال المصادر الطبيعية الممتدة فى المنطقة الاقتصادية الخالصة لهما شرق البحر المتوسط، لا تحمل أى صفة قانونية"، تابع باستفزاز أنه "لا يمكن لأى جهة أجنبية أو شركة أو حتى سفينة إجراء أى أبحاث علمية غير قانونية أو التنقيب عن النفط والغاز فى الجرف القارى لتركيا والمناطق البحرية المتداخلة فيه".

وتتجلى ضربة "ظهر" المصرية، فى حوض مائى يزخر بثروات عدة مؤثرة تخص الطاقة، فيما تتصارع عدة دول على اقتسام الكعكة، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل ولبنان واليونان وقبرص، إضافة إلى بلاد النيل، وبالقطع يريد حاكم الأناضول المتشنج، رجب طيب أردوغان، وكذا أذرعته الحكومية، وجميعها يقودها نفر من أبناء الإخوان، الخروج بأى مكسب، على طريقة "فيها لاخفيها".

الادعاءات التركية بشأن العلاقات التجارية والاتفاقيات المتبادلة بين القاهرة ونيقوسيا، تعد كذلك ردًا متأخرًا على تأكيد الرئيس السيسى، فى أثناء زيارته الأخيرة لقبرص، فى نوفمبر الماضى، على دعم الحقوق الشرعية للأخيرة "فى استغلال ثرواتها الطبيعية فى منطقتها الاقتصادية الخالصة، وفقاً للقانون الدولى للبحار واتفاقيات تعيين الحدود التى وقعتها قبرص مع دول الجوار، ومن بينها مصر".

على هذا النحو، جاء رد الخارجية المصرية ومتحدثها الرسمى، المستشار أحمد أبوزيد، صلبًا قويًا، مؤكدًا أن "اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا يمكن لأى طرف أن ينازع فى قانونيتها"، مشيرًا إلى أنها "تتسق وقواعد القانون الدولى وتم إيداعها كاتفاقية دولية فى الأمم المتحدة"، وأن "محاولة المساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية فى تلك المنطقة، تعتبر مرفوضة وسيتم التصدى لها"، ولا يعد كلام أوغلو جديدًا من جانب أنقرة، فقد سبق أن لوحت الأخيرة حتى باستخدام القوة العسكرية.

فى العام 2014، أعلنت أنقرة تفويض قواتها البحرية بالاشتباك مع أى كيانات تقوم بعمليات تنقيب عن النفط والغاز الطبيعى فى المناطق التى تعتبرها تابعة لها إداريًا فى حوض شرق البحر المتوسط.

بدأ ذلك التلويح المستفز باللجوء للقوة العسكرية، وكأنه خطوة إجبارية للرد على إعلان القاهرة الصادر عن القمة الثلاثية التى جمعت، نوفمبر 2014، كلا من الرئيس عبدالفتاح السيسى، ونظيره القبرصى، نيكوس أناستاسيادس، إضافة إلى رئيس الوزراء اليونانى، أنتونيس ساماراس، إذ حذر بيان القمة صراحة من استخدام القوة أو التهديد بها، فى إشارة واضحة إلى أنقرة.

وعمومُا فحديث تركيا عن انعدام الاتفاقات المائية والخاصة بتعيين الحدود البحرية بين مصر وقبرص، وهو بالأساس حديث مكايدة غير قانونى ولا يمت للواقع بصلة.

فوفق دراسة للباحث ناصر عبدالحميد، عن صراعات الغاز فى البحر المتوسط، فإن جزيرة كاستولوريزو الواقعة بين اليونان وقبرص ومصر وتركيا، تعد نقطة ارتكاز معترفا بها دوليًا لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة فى جنوب شرق البحر المتوسط، تصل جزر كاستولوريزو بين المنطقة البحرية اليونانية والقبرصية، والمنطقتان الاقتصاديتان الخالصتان لليونان وقبرص تتداخلان بين المنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين لمصر وتركيا، ما يقلص مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة التركية فى شرق البحر الأبيض المتوسط.

هكذا تخرج تركيا بأقل المكاسب، وعليه تصعّد من العداوة تجاه قبرص ومن يناصرها، وفى الحالة المصرية يكون تشنجها مضاعفًا، يأتى هذا بينما تعانى تركيا من مباحثات أجراها الرئيس المؤقت السابق المستشار عدلى منصور مطلع العام 2014، مع الرئيس القبرصى، نيكوس أناستاسياديس، بالقاهرة، إذ تم توقيع اتفاق قررت مصر بموجبه عدم التنقيب فى حزام عرضه 10 كم من حقل أفروديت للغاز القريب من جزر كاستولوريزو، داخل المياه المصرية، دون موافقة نيقوسيا التى يفترض أنها تتشارك مع القاهرة فى ملكية الحقل.

بينما لم يفرض أى حذر مماثل فى المياه القبرصية، القراءة المتأنية للقرار المصرى فى ذلك الوقت، لا تؤشر إلا إلى احتمالية أن تكون القاهرة قررت التخلى عن مكاسب وحقوق اقتصادية خاصة بها لصالح نيقوسيا، لضرب عصفورين بحجر: الأول التنغيص على الأتراك، أعداء قبرص "اليونانية"، والإعلان عن أن مصر قادرة على اللعب فى ملف حساس بالنسبة لأنقرة، طالما أن الأخيرة تصر على دعم مخططات ضرب استقرار بلاد النيل.

أما الثانى، فلا يبدو أن التساهل الاقتصادى مع قبرص، إلا عربون ود تجاه حليفتها اليونان "عدوة أنقرة"، التى كانت تترأس القارة العجوز آنذاك، ومن ثم عوضت القاهرة أى خسائر مالية متوقعة جراء حظر التنقيب فى حقل للغاز تمتلك نصفه، مقابل الحصول على دعم سياسى من رأس الاتحاد الأوروبى آنذاك، لتعلن لكل الساعين لضربها، أنها لا تزال قادرة على الصمود.

هكذا وبعد كل تلك السنوات، عادت تركيا لمحاولة ضرب الاتفاق المصرى القبرصى بشأن أفروديت لعل وعسى تحقق أى مكسب سياسى أو اقتصادى بعيدًا عن استعراض عضلاتها الوهمية بحنجورية أردوغان الفارغة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز