ترامب والعبادى
المؤتمر الذى ربما يكون فشل فى تحقيق مبتغاه. الهدف منه كان جمع ما تيسر من نحو 88 مليار دولار، وهى التكاليف المقدرة لعملية إعادة إعمار المدن العراقية التى دمرتها فترة الحرب ضد تنظيم داعش المتطرف، فيما لم يتم جمع نحو بضعة مليارات لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة من دول الخليج، السعودية والإمارات والبحرين وقطر.
العبادى تعيس
ربما يكون أتعس التعساء هو حيدر العبادى، رئيس الوزراء العراقى، والذى يواجه مأزقا كبيرًا بهذا الفشل، الذى طالما كره أن يحدث، بسبب وعوده المتكررة بتحقيق الاستقرار لبلاده التى عانت لسنوات طويلة من ويلات الحرب التى قضت على الأخضر واليابس فى كثير من الأراضى العراقية.
العبادى أيضًا تعيس لأنه مُقدم على معركة انتخابية صعبة فى 12 مايو المقبل، أمام كتل سياسية شيعية موالية لطهران، ما دعا دبلوماسيين غربيين للتحذير بأن هزيمة العبادى فى هذه الانتخابات من الممكن أن تُغرق البلاد فى صراع طائفى جديد.
من التعساء أيضًا الشعب العراقى الذى وجد نفسه الآن بين مطرقة المتطرفين الذين يترصدون أى فرصة للعودة من جديد، وبين سندان إيران التى هى من جهتها مستعدة للانقضاض على مقاليد الأمور فى بغداد، فى خطتها الواضحة للسيطرة على بوابة شبه الجزيرة العربية الشرقية، ومن ثم توسيع نفوذها فى منطقة الشرق الأوسط.
لا شك أن دول الجوار، والدول العربية عمومًا ليست سعيدة بنتائج المؤتمر، ولاسيما أنها كانت تطمح فى تحقيق الاستقرار للعراق، ما يستدعى التخلص من بؤرة مهمة من بؤر الإرهاب اللعين، الذى تواجهه قوى نظامية كثيرة فى المنطقة، وأهمها الجيش المصرى، الذى بدأ معركته الحاسمة منذ آخر الأسبوع الماضى.. وبالتأكيد إعادة إعمار العراق تعنى لكل الدول العربية الكثير.

ترامب سعيد
أما السعداء بهذا الفشل، ففى مقدمة صفوفهم ولاشك يأتى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والذى كان ينوى بشكل واضح إسناد "مهمة الإعمار" لشركات قطاع خاص دولية، ومن ثم يكون هو المتحكم فى توزيع الغنيمة، ما يأتى عليه بمكسب "مادى" كبير. أرادها ترامب "بيزنس"، وها هى تسير وفقا لإرادته.
كانت الخارجية الأمريكية قد أكدت فى وقت سابق أن واشنطن منذ العام 2014، قدمت للعراق نحو 1.7 مليار دولار كمساعدات إنسانية، وكذلك 6 مليارات أخرى كمساعدات اقتصادية وأمنية، إلا أنها فى معظمها كانت وقت رئاسة باراك أوباما، فى حين يبدو موقف الإدارة الأمريكية الحالى ملتبسًا، من حيث التأكيد على الوقوف إلى جانب بغداد فى إعادة الإعمار، من ناحية، ومن ناحية أخرى النية الخبيثة لدى ترامب فى دخول شركات من القطاع الخاص فى العملية، ما يحقق لها مكسبًا ماليًا كبيرًا.

الفشل يحقق أمانى «ولاية الفقيه»
من السعداء أيضًا، نظام "ولاية الفقيه" فى إيران، وهو الذى يستعد بكل قوة من خلال حلفائه فى الداخل العراقى، لانتخابات مايو، حيث سيشكل فوزهم على العبادى فوزًا كبيرًا لا يضاهيه فوز. هم بذلك يضعون أيديهم على العراق بشكل كبير، لاسيما وأن فشل المؤتمر سيهز صورة رئيس الوزراء الحالى أمام شعبه، ما يعطيهم فرصة لانتخابات الكتل الأخرى المواجهة لكتلة العبادى.
بيئة خصبة للمتطرفين السنة
المتطرفون السنة أيضًا من السعداء، فكثير من المحللين يؤكدون أن معظم المدن العراقية التى دُمرت خلال الحرب مع تنظيم داعش تقع فى المناطق السنية، أى التى شهدت تمردًا كبيرًا أيام غزو القوات الأمريكية للعراق، وهى مناطق يخشى وزير الخارجية الأمريكى تيلرسون فى أن تكون مناطق جذب جديدة للمتطرفين، إذا لم يُعد إعمارها، وفقًا لتصريحاته.

الضربة لا شك موجعة. والمبالغ المجموعة لإعادة العراق إلى الشكل الذى كان عليه قبل سنوات الحرب المريرة الطويلة، قليلة للغاية.. والخراب الذى تركه تنظيم داعش وقت سيطرته على كثير من المدن العراقية، يدمى العيون والقلوب.
أما المتربصون فكثيرون للغاية، ينتظرون أى فشل للانقضاض على مكتسبات عدة قام بها الشعب العراقى، بمساعدة الأمريكان والروس ودول مكافحة الإرهاب.. أما المستقبل فيبدو ضبابيًا، ويحتاج إلى إعادة صياغة، أو بالأحرى يحتاج إلى رؤية واضحة لتعديل المسار، أو لرسمه فى الأساس حتى يقيم العراق دعائمه من جديد، كدولة قوية مؤثرة، وبوابة شرقية منيعة للمنطقة العربية برمتها.