راشد الغنوشى
كان الغنوشى قد خرج بتصريح جديد مثير للجدل فى 11 فبراير الحالى، على هامش اجتماع لـ"النهضة" فى محافظة باجة، شمال غربى تونس، حذر فيه خصومه السياسيين، قائلا إن "كل من يعدّ حركة النهضة ليست حزبًا سياسيًا، أو يتّهمها بالإرهاب، إنما يراهن على حرب أهلية".

يأتى هذا فى الوقت الذى تقع فيه تونس تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية فى الوقت الحالى، كانت فى حاجة إلى توحيد الصف الداخلى، بدلا من من أن يخرج الغنوشى، بتصريحات حادة للغاية وغير مسبوقة، اعتبرها البعض تلويحًا بالعنف، فيما ذهب آخرون إلى وصفها بأنها تأكيد جديد على عجز "النهضة" عن فصل السياسة عن الدين، كما ادعت فى 2016، واستمرارها فى السير على نهج "الإخوان" فى المراوغة، والتلويح بالعنف، فى حال لم تتم الأمور كما ترغب.
يذكر أن الغنوشى، زعيم الحركة المحسوبة على جماعة "الإخوان" الإرهابية فى تونس، قد حاز على إعجاب البعض فى الغرب بسبب قراره التخلى طواعية عن السلطة فى 2013، إلا أن تصريحاته المتكررة المثيرة للجدل، دفعت البعض للقول إن ما حدث لم يكن أكثر من مناورة، لامتصاص الغضب الشعبى المحتدم حينها إزاء ممارسات الإسلاميين، إضافة إلى المخاوف من تكرار سيناريو الإطاحة بـ"الجماعة الأم" فى مصر، مع فرعها فى تونس.

وفى حين تستعد تونس للانتخابات البلدية فى 6 مايو 2018، يزداد القلق، لا سيما بعد آخر استطلاعات الرأى بشأن عملية الانتخابات البلدية، التى تعد الأولى من نوعها فى البلاد منذ 14 يناير 2011، إذ كشفت أن حركة النهضة جاءت فى مرتبة ثانية، بعد حزب نداء تونس، شريكها فى الائتلاف الحكومى، رغم أن الحركة كانت تطمع باستعادة الصدارة، مستغلة الأزمات الحالية فى البلاد، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهى السفن، وتواصل تراجع شعبية الإسلاميين فى مواجهة العلمانيين.
وأمام ما سبق، لم يستبعد البعض أن تكون تصريحات الغنوشى متعمدة، وليست مجرد زلة لسان، لإجبار حزب نداء تونس على الاستمرار فى التحالف مع النهضة، بعد التقارير التى تم تداولها مؤخرًا بشأن رغبة الحزب فى فك هذا التحالف، وتشكيل حكومة موسعة قبل الاستحقاقات الانتخابية.

وتتصدر مؤخرًا على ملفات شائكة، تتضمن اتهامات لـ"النهضة"، إبان توليها السلطة عقب 14 يناير 2011، مثل تسهيل سفر المئات من الشباب إلى بؤر التوتر، ما جعلهم فريسة للتنظيمات المتشددة، إضافة إلى الجدل بشأن مصادر تمويلها، واتهامها بتلقى تمويلات خارجية، لا سيما من قطر.
فيما يتوقع مراقبون ألا تمر تصريحات الغنوشى بسهولة، لا سيما أن النهضة دأبت على تبرير أقوال الغنوشى بأنه أُسىء فهمها، فيما يتهمها منافسوها بأنها لم تتخلص من فكر "الإخوان" فى فرض رأيها على الآخرين، والتلويح بخيارات عنيفة، فى حال لم يتحقق لها ما أرادت.

وعلى الرغم من مسارعة "النهضة" إلى تفسير تصريحات الغنوشى، المثيرة للجدل، على أنها أخرجت من سياقها، فإن كلامه بشأن الحرب الأهلية، جاء بعد تصريحات سابقة له تضمنت أيضًا أمورًا خطيرة، ففى يناير 2017، وأيا كانت حقيقة تصريحات الغنوشى السابقة، فإن خصومه يرون أن ما يكتنفها من غموض أحيانا، ومن نبرة حادة فى أوقات أخرى، يرجح أن إعلانه فى 20 مايو 2016 التخلى عن الإسلام السياسى وفصل الدعَوى عن السياسى، لم يكن إلا مناورة من حركته، أكثر من كونه تغييرًا فعليًا، لأن آليات الديمقراطية تتميز بالوضوح، ولا تعتمد على المراوغات.