أحمد الطيب- شيخ الأزهر
قالت إيزابيل كابيلو جيل، رئيسة الجامعة الكاثوليكية بلشبونة، إنه لشرف كبير أن تستضيف الجامعة شيخ الأزهر وأن تستمع لمحاضرته المهمة ونحن نشكر حضوره معنا لنستفيد من علمه الغزير فى الجامعة الكاثوليكية.
أعرب الطيب فى كلمته عن سعادته بإلقاء هذه الكلمة فى الجامعة الكاثوليكية والتى تأتى ضمن رسالة الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين ومسؤوليتهما فى سعيهما الحثيث لتأصيل مبدأ الحوار بين الشرق والغرب، ومحاولة تطبيقه على الأرض فى شتى عواصم أوروبا وأفريقيا وآسيا.
وقال الطيب، إن الهدف من هذا النشاط هو مد جسور التعارف الحضارى بين الإنسان وأخيه الإنسان، مهما اتسعت بينهما فوارق الأجناس واختلاف اللغات والعقائد والأديان، وخصوصيات الثقافات والعادات والتقاليد، وذلك عبر التأكيد على المشتركات الدينية بين المؤمنين بالأديان السماوية، وحتى بين غير المؤمنين ممن يحترمون الأديان ويعرفون لها خطرها فى ضبط مسيرة العالم المعاصر، وإعادته إلى صوابه، بعد أن فقد الاتجاه الصحيح وضاعت الطريق من تحت قدميه، وأوشك أن يشرف على ما يشبه الانتحار الأخلاقى، والغرق فى فوضى عامة ربما لم يعرفها تاريخ الإنسانية من قبل.
وأضاف الطيب، أن عالمنـا المعـاصراليوم يمر بأزمات متعددة خانقة، فى مقدمتها الأزمة الاقتصادية التى نشرت الفقر والجوع وبطالة الشباب والتكبيل بالديون، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وكذلك أزمة البيئة، وأزمة السياسات الدولية المعاصرة، وما تثمره من ثمرات مرة فى إذكاء النزاعات والاستقطابات الدولية والصراع على النفوذ، ونشر الفوضى وانهيار الأُسرة وتهميش المرأة، وغير ذلك من الأزمات والعلل والأمراض الخلقية والاجتماعية والإنسانية التى تصيب إنسان القرن الواحد والعشرين باليأس والإحباط، وتفسد عليه متعة الحياة، وهدوء البال وراحة الضمير.
وتابع: "وقد دفعت هذه الأزمات حكماء الغرب من المفكرين ورجال الدين إلى التوقف وتأمل هذه النذر التي تتجمع اليوم فى سماء العالم كما تتجمع الغيوم السوداء المنذرة بالدمار والغرق، وقد أعادوا النظر، وعقدوا المؤتمرات الدولية، وكان أبرزها المؤتمر الثانى لأديان العالم، الذى دعا فيه ممثلوا الأديان المختلفة إلى ما سمى بضرورة أخلاق عالمية لبناء نظام عالمى جديد يخرجنا من هذه الأزمة ويقوم على إرشـادات ثابتة هى الالتزام بثقافة خالية من العنف وباحترام الكائنات الحية كافة، وبثقافة التضامن وبنظام اقتصادى عادل، والالتزام بثقافة التسامح، وثقافة المساواة فى الحقوق والشراكة بين الرجل والمرأة، مشيرًا إلى أن هذا البيان يحمد له أنه نبه إلى الدور الهام الذي يمكن أن يؤديه المتدينون فى بناء النظام العالمى الجديد من خلال الدعوة إلى إقامة سلام دائم أولا، بين المتدينين أنفسهم، قبل أن يبشروا به بين الناس، وذلك حتى لا تنطبق عليهم الحكمة القائلة فاقد الشىء لا يعطيه، وانتهى البيان إلى أنه لا سلام للعالم بدون سلام بين أديان يحترم بعضها بعضا، ولا سلام بين الأديان بدون حوار بينها، ولا بقاء للإنسانية بدون أخلاق عالمية.
وأوضح الطيب، أنه يتفق تمام الاتفاق مع هذه القضايا، إن كان المقصود منها استدعاء الأديان للنزول إلى واقع الناس وضبط تصرفاتهم بما تحمله من رصيد أخلاقى هائل قادر على إقرار العدل والمساواة، وقبل ذلك محورية السلام وضرورته للناس ضرورة الطعام والشراب، أما إن كان المقصود من ضرورة صنع السلام أولا بين الأديان، هو الإشارة إلى المعنى السلبى لهذه العبارة، أعنى "ضرورة وقف الحروب التى تشعلها الأديان وتحملها مسؤولية سفك الدماء، بما يؤكد المقولة الشائعة التى تقول "إن سبب الحروب هو الدين، فإنى أعتقد أن المتدينين على اختلاف أديانهم لا يسلمون بذلك ولا يعتقدونه، بل يعتقدون عكسه، وهو أن غياب الدين الإلهى ونبذه وتهميشه وتوظيفه فى أغراض هابطة، والسخرية من الإيمان بالله والكفر به والتحلل من ضوابط الخلق الدينى هو أصل جرثومة الحروب، واشتعالها فى القرن السابق، بل في مطلع القرن الواحد والعشرين، قرن العلم والتقدم، وقرن حقوق الإنسان، ومواثيق السلام الدولية، ونحن لا ننكر أن حروا بشعة ظلت مشتعلة عقودا سخر فيها الدين ووظف لإضفاء الشرعية على نيرانها، لكن كان الدين هو أول ضحايا هذه الحروب، وأكبر الخاسرين فى أسواقها.
على صعيد آخر، أبدى الطيب، دهشته من أن تستقر مقولةالدين هو سبب الحروب فى أذهان شباب اليوم، بل فى أذهان الكهول والشيوخ، وتحملهم على الاعتقاد بأن الإنسانية لا سبيل أمامها لكى تنعم بالسلام وبالعيش المشترك إلا استبعاد الدين من مراكز التوجيه فى المجتمع وتحويله إلى شأن فردى خاص لا يتجاوز قلب المؤمن به إلى حيث التأثير فى سلوك المجتمعات، صغر هذا التأثير أو كثر، وقد شجع هذا الاعتقاد على فتح أبواب الإلحاد أمام شبابنا على مصاريعها، وفقد معه إنسان هذا العصر أعز ما يمتلكه باعتباره كائنا أخلاقيا فى أصل فطرته وطبيعته.
وبين الطيب، أن بدهيات البحث التاريخى الماضى والمعاصر تقول إن الدين بمفرده لا يكفى فى تفسيرِ اندلاع الحروب، وأن أسبابها متعددة ومتشابكة، تتوزع ما بين أسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فهناك من الأسباب الأخرى غير الصراع الدينى، الصراع على حب السلطة وإرادة القوة، وهناك الحرب التى يفرضها واجب دفع المعتدين على الأوطان، وعلى الثقافات والخصوصيات، وهناك الحرب التى تدفع إليها الرغبات الجارفة فى الاستيلاء على موارد الآخرين، وحب السيطرة وإرادة الهيمنة، وتجارة السلاح التى يفوق عائدها الاقتصادى دخل أى استثمار آخر، ودع عنك ما يتطلبه تسويق هذه التجارة من سياسات موازية تعمل على خلق بؤر التوتر بين الآمنين، وقد يظن البعض أن هذا الذى أتلوه على مسامعكم هو فى أفضل أحواله ضرب من التغنى بالأديان سمعناه كثيرًا، ورغم ذلك تجرى بنا حياتنا كما نحب ونشتهى دون حاجة إلى ضوابط خلقية وعقائد إيمانية وما إليهما من الماورائيات والغيبيات، غير أن هذا الظن، وأشباهه، ليس فى أفضل أحواله إلا تجاهلا لحقيقة الإنسانية، وقصورًا فيى فهمها، وعجزًا صارخًا عن تحمل تبعاتها ومسؤولياتها، وأولها، الشعور بالآخر والدفاع عن حقوقه كاملة، وفى مقدمتها، حق الحياة والعيش فى سلام، وهذا القصورهو نفسه برهان أهمية الدين وحاجة الإنسانية إليه، فهو القوة الوحيدة التى تحمى المؤمن من أن يقع فريسة سهلة للنوازع الفرديَة وطغيانها، أو يتمحور على ذاته الفردية حتى لو جاءت على حساب أشلاء الآخرين، وأزعم أن تحمل التبعية اتجاه الآخر، هو ميزان التفاضل ومعيار التقدم الصحيح للأفراد كما للدول والشعوب سواء بسواء.
وشدد الطيب، على أن الأخلاق التى تتخذ من الأديان، مرجعية لها وضابطا لأصولها وفروعها هى الأخلاق المرشحة لمقاومة الأخلاق المادية التى تغلبت على الدين وتحكمت فيه وعبثت به، وأن إطلاق العلم والتقدم والحرية والحداثة والاستهلاك عادت بالإنسان إلى ما يشبه عصر الغاب، وقد مضى على هذه الأخلاق، الآن أكثر من قرنين من الزمان بعثت فيها ولاتزال تبعث سلسلة من الحروب التى ضاع فيها آلاف الآلاف من الأرواح.
وأشار الطيب، إلى أن كل هذه المآسى البشعة التي تتعذب بها شعوب الشرق الأوسط وراءها سبب أساس رئيس هو تطور الإنسان الغربى وامتلاكه للقوة يظل حداثة انطلقت من القطيعة مع الدين قطيعة حادة ثم أدارت ظهرها لتراث إنسانى يختزن الكثير من كنوز المعرفة الصحيحة والأخلاق المؤيدة بالوحى الإلهى، وفى هجير هذه الحداثة الجديدة فقد الإنسان هويته الحقيقية وتبدلت ماهيته، بل مسخت من كونه كائنا عاقلًا ،إلى كونه كائنًا ماديا اقتصاديا، ليس له قلب يخفق بالألم لشقاء الآخر وتعاسته، بقدر ما له قلب يعلو ويهبط فى سوق الصناعة والتجارة على رقصات العرض والطلب، وصفق الرواج والكساد .
ودعا فضيلة الإمام الأكبر إلى البدء وعلى هَدْيٍ من أضواء الوحى والنبوة، إلى إطفاء نار الحروب والدعوة إلى سلام عالمي، مؤسَّس على أخلاق الدين وتعاليمه، يوقف شلالات الدماء التي تتدفق دون مبرر أخلاقي أو حضاري من سفك نقطة دم واحدة في هذا المشهد العبثى الذى اختلط فيه الموت بالخراب، واليتم والترمل، وفقد العائل، والنزوح من الأوطان
واختتم الطيب كلمته قائلا:" إن الحل الصحيح لما يسمى بمعضلة الأديان، يكمن فى ضرورة التفرقة بين معنى الاعتراف ومعنى الاحترام، فليس معنى أن أحترم دين الآخر أنى أؤمن بهذا الدين، ولكن أؤمن بحرية الآخر بأن يعتقد دينا مخالفا ومناقضا لديني، وأن أسلم له اعترافه بدينه، لكن لا يلزمنى بالاعتراف بما يعتقد، وهنا نفهم آيات القرآن الكريم الت تقول "لا إكراه فى الدين" والتى تقول"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، بل وإن آيات الكتب المقدسة فى هذا الأمر تتقف اتفاقا واضحا، وما ورد فى القرآن فى هذا الشأن، فإذا فالأمر يعود إلى ضرورة التسامح والاحترام المتبادل بين العقائد وبين الأديان، والإسلام يفرض على الدولة المسلمة أن تمكن الآخر المختلف فى الدين من ممارسة شعائر دينه، وأن توفر له دار العبادة التى يتعبد فيها، والدولة ملزمة بكل الضمانات التى تمكنه من ممارسة هذا الحق الذى لا يرى حقا سواه.