الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر
جاء ذلك خلال الكلمة الافتتاحية فى الندوة العلمية مع كبار علماء الدين فى موريتانيا، تحت عنوان "واجب العلماء للتصدى لظاهرتى التطرف والانحراف الفكرى، والتى تحمل شعار علماء موريتانيا يحتفون بشيخ الأزهر، فى حضور مستشار الرئيس الموريتانى، ومعالى وزير الشؤون الإسلامية الموريتانى أحمد بن داود، وكبار العلماء والشخصيات فى موريتانيا، ووفد الأزهر الشريف.
فى بداية كلمته عبر شيخ الأزهر، عن سعادته الغامرة بوجوده أمام نخبة متميزة من العلماء والأدباء والمفكرين، كما أعرب عن شكره الجزيل للدعوة الكريمة لزيارة هذا البلد الطيب، والضارب بجذوره فى أعماق التاريخ علما وأصالة وحراسة للدين وأمهات الأخلاق والفضائل.

وأضاف شيخ الأزهر: "من العجيب أن الأزهر لم يقتصر دوره على الحفاظ على هذا التراث من التّلف والضّياع والاندثار، وإنما كان له دور آخر كأن الله اختّصه به، وهو دور إعادة الحياة إلى هذا التّراث، بعد ما أشرف على الهلاك بالفعل".
وقال الطيب: إن القضايا المتداولة على الساحة الآن، أو كما يسمونها: القضايا الساخنة، وهى قضايا الغلو والعنف والإرهاب المسلح، وإلصاق المسؤولية عنها بالإسلام، وأشباهها وما يتولد عنها، أصبحت من المعلوم بالضرورة عندنا وعندكم، ولم تعد هناك زيادة لمستزيد، من كثرة ما قيل فيها حقّا أو باطلا، أو إلباسا للحق بالباطل، فمن الحكمة إذا، فيما أعتقد، أن نغتنم فرصة المراجعة والمذاكرة معكم فيما يعود بالنفع على مصلحة الأمة وواقعها الملموس على الأرض، بعيدا عن أحاديث الأمانى والأحلام، مشيرا إلى أن أفضل ما يمكن أن نقدمه لأمتنا فى أزمتها اليوم هو: تعميق الصلات العلمية الأكاديميّة بين علماء الأزهر وعلماء الغرب الإسلامى، من خلال المدرسة الشّنقيطيّة، بما لها من خصائص علمية وتعليمية تميزت بها عن كثير من المدارس الإسلامية فى العالم الإسلامى.
وأوضح الإمام الأكبر، أن أهم أسباب تميز المدرسة الشنقيطية، هو محافظة العلماء على تراث الأمّة حفظا ورواية، وشرحا وتعليقا، وهو ما يتسق ورسالة الأزهر الشريف فى حفظ التراث وتنميّته وتعريف أبناء المسلمين به، متحدثا عن أبرز سمات المنهج الأزهرى والتى تتمثل فى الجمع بين علوم العقل والنقل والذوق فى تراث المسلمين، وهذا المنهج التوفيقى الذى تصالح فيه المعقول والمنقول، يعكس طبيعة هذا التراث المتعدّد الأبعاد منذ نشأته وعبر تطوّره على أيدى كبار الأئمة وعظماء المجتهدين، وتشرّب المسلمون هذا التراث من ينابيع هؤلاء الأعلام كالعسل المصفّى.

وأشار إلى كلمة الدكتور زكى نجيب محمود، التى قال فيه: جاءت الحضارة الإسلامية وكل مسلم يعرف ما هى مصر بالنسبة للحضارة الإسلامية، هى التى حفظت التّراث الإسلامى كلّه، ولولا ما عمله الأزهر فى القرون: الثانى عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، هذه القرون الأربعة الميلادية، لما كان هنالك ما يسمى الآن بالتراث العربى الإسلامى، وكنا أين نجده والتّتار أحرقوه من هنا، أى من الشرق، وفى الأندلس ضاع من هناك على أيدى الغزاة، لكن انكب الأزهر على التجميع، قبل أن يضيع فى الهواء، فجمع، ولكن أى تجميع؟ تجميع فيه الإيجابية، وفيه الإبداع، وفيه الهدف، لافتا إلى أنه حين حانت فرصة التّفرّد بريادة التّراث من جديد، لم ينهج الأزهر منهج الانتقاء والإقصاء والفرز بين علوم يستبقيها ويسعى فى نشرها، وأخرى يعتم عليها ويعرضها لعوامل البلى والهلاك.
وأكد شيخ الأزهر، أن هذه الأبعاد الثلاثة: النص والعقل والذوق، قد تعانقت وتمازجت فى مناهج التعليم فى الأزهر قديما وحديثا، وتلاشت بينها الحواجز المصطنعة، وأصبح كل منها يغذى الآخر ويغتذى به، ووقر فى ذهن الطّالب الأزهرى طوال مراحل تحصيله العلم فى الأزهر، أن الاختلافات العقديّة والفقهية والذوقية، هى اختلافات مشروعة، إما للتيسير ورفع الحرج ورفع الضرر، وإما لأن شريعة الإسلام لا يمكن أن تكون صالحة لكلّ زمان ومكان، إلّا إذا تصالحت فى ظلالها مطالب العقول، وإشراقات القلوب، واستشراف الماورائيات، التى تستمد اليقين فيها من نصّ معصوم، قد يعتلى على مستوى إدراك العقل، ولكنّه فى كلّ الأحوال لا يناقض قوانينه، ولا يصطدم بأوليّاته، ولا ببدائهه، كما هو الحال فى باب السّمعيات من أبواب علم الكلام
وشدد على أن الأمة ما ابتليت قديما ولا حديثا بالغلو والتشدد وما صاحبهما من فرقة تمزق، إلا حين فرطت فى هذا المنهج المتكامل، وغاب عنها الطبيعة الامتزاجية لهذا التراث التى هى سر بقائه وخلوده وصموده سندا وظهيرا لوحدة هذه الأمة وتماسكها.
