الأنبا رافائيل
وقال الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة: "بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين، يحكى الكتاب المقدس إنه فى يوم من الأيام جاء شاب إلى السيد المسيح، يسأل سؤالًا يدور فى خاطر كل إنسان: أيها المعلم الصالح ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟ فأجابه السيد المسيح: احفظ الوصايا، فقال لها هذه حفظتها منذ حداثتى، فقال له إذن يعوزك شىء اذهب بع كل ما عندك، ووزع على الفقراء، فيكون لك كنز فى السماوات، ثم تعال اتبعنى حاملًا الصليب".
وتابع رافائيل فى كلمته: "وللأسف القصة مشيت فى منحنى سلبى، فهذا الشاب مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة، وتمر السنون وتتكرر القصة بمنحنى جيد، جاء شاب وهو سيدنا (يقصد المتنيح الأنبا أنطونيوس) حينما كان شابًا فى سن صغير وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ وقال له السيد أحفظ الوصايا، فأجاب سيدنا حفظتها منذ حداثتى، وواضح أن سيدنا منذ حداثته كان إنسانًا فضائلى ونحن عاشرناه ورأينا فيه الفضائل العديدة، فقال له السيد اذهب وبع كل مالك واحمل الصليب، ففرح وباع كل شىء وترك مؤهله ووظيفته وانضم إلى دير السريان ١٩٨٠، ووقتها كان سيدنا سنه ٢٩ سنة، وترهب حاملًا صليب الرهبنة، وأراد مخلصنا الصالح أن ينعم عليه بصليب أعظم وهو صليب الخدمة الأسقفية فأقيم أسقفًا لهذه الأبرشية المباركة ورعى شعبه أحسن رعاية على مدى ٣٢ سنة حاملًا الصليب، وأراد إلهنا الصالح أن تكون نياحته فى يوم تذكار الصليب المجيد الذى حمله مع المسيح".
وتابع: وفى إيمان كنيستنا أن خلاص الإنسان هو أن يدخل السماء، فى كل يوم يتم لنا خلاص مرحلى أما الخلاص النهائى فهو دخول السماء، والآن أبونا القديس الأنبا أنطونيوس حصل على الخلاص المجيد بدخوله إلى أحضان القديسين بعد أن حمل الصليب وحمل سيدنا عدة صلبان:
١- صليب البتولية والجهاد الروحى:
كل الناس يشهدون بنقاوته وعفته وحياته الرهبانية التى لم تنقطع منذ حداثته حتى يوم نياحته.
٢- صليب الرعاية:
معلمنا بولس الرسول يصف هذا الصليب ويقول"عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ، منْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟، إِنْ كَانَ يَجِبُ الافْتِخَارُ، فَسَأَفْتَخِرُ بِأُمُورِ ضَعْفِى" الأسقف يحمل صليب ثقيل، والكاهن عند رسامته يضع الأب الأسقف يده على رأسه والأب الأسقف لما بيسام يضع الأب البطريرك يده على رأسه وإحنا عارفين إن الذبيحة في العهد القديم كان يأتى الإنسان معترفًا بخطاياه ويضع يده على رأس الذبيحة فتذبح عنه.
وضع اليد فى الكنيسة معناه أن الكاهن والأسقف قبل أن يكون ذبيحة، وتوضع عليه اليد ليحمل عن كل الشعب أنينه ومتاعبه ويحمل خطاياهم ولا يئن فى يوم من الأيام كما قال بولس الرسول "قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ وَلكِنَّنَا فِى هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِى أَحَبَّنَا".
سيدنا حمل صليب الرعاية خلال ٣٢ سنة وواجه صعاب كثيرة ولكنه تحمل بكل شكر دون تذمر والآباء يشهدون بأنه لا يوجد مكان فى منفلوط إلا عمر فيه سيدنا فى هدوء وصمت ووداعة ملائكية وحمل صليب الرعاية.
٣- صليب المرض:
سيدنا حمل صليب المرض والألم ولكن لم نر الابتسامة تفارق وجهه، وكان يحتمل بكل شكر مثل المسيح ويقول معلمنا بطرس فى رسالته "فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِى الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِى الْعَالَمِ"
وأى إنسان عرضة أن يتألم بأى نوع من الألم، لكن حينما نتألم بشكر وصبر وطول بال تحسب هذه الآلام شركة فى آلام المسي، وهذا هو طريق الخلاص أن نتحد بالمسيح فى آلامه ونتحد معه، وكما قال معلمنا بولس الرسول "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَى نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ"، وفى رسالته إلى أهل رومية ٨ : ١٨ قال: "فَإِنِّى أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا".
بكل تأكيد سيدنا تعب في أمراضه وخدمته لكن المجد الذى يتمتع به الآن قال عنه الكتاب "خِفَّةَ ضيفتنا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا"، لذلك نقول له هنيئًا لك سلامة الوصول للمحطة الأبدية والبيت الأبدى.
وأردف "باسم قداسة البابا تواضروس الثانى، وباسم كل الآباء الأحبار الأجلاء آباء المجمع المقدس والمطارنة والأساقفة، وباسم كل الكنيسة القبطية، نودع الى أحضان القديسين فى فردوس النعيم هذا الحبر الجليل والعمود الشامخ فى كنيستنا القبطية ونقول له يا سيدنا لا تنسى وصل لنا أمام العرش الإلهى، واذكر شعبك والله لا يتركهم يتامى، بل يتعهدهم بالرعاية ويقيم لهم راعيًا صالحًا ليكمل المسيرة والمشوار، ربنا يبارك حياتكم ويعزيكم، ومن كل قلبي أقدم لكم التعزية نيابة عن قداسة البابا وكل المجمع، وصلوا من أجلنا ومن أجل الكنيسة ومن أجل تدبيرها، ربنا يبارك حياتكم لإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين".
