جرائم أردوغان فى عفرين
فجرائم أردوغان فى الشمال السورى لا تختلف كثيرًا عما اقترفه تنظيم داعش الإرهابى بالمنطقة، حيث أسفرت انتهاكات جيشه العثمانى وميليشياته عن وقوع خسائر فى الأرواح قُدرت بنحو 649 قتيلًا من الأكراد، و46 قتيلًا من القوات الرديفة للجيش السورى، و149 قتيلا مدنيا، بينهم 27 طفلا و20 امرأة.
ليس هذا فحسب، فقد كشفت تقارير إعلامية من مدينة عفرين، أنه منذ بدء عملية غصن الزيتون التركية لما يقرب من 60 يومًا، لم تتوان ميليشيات الجيش السورى الحر التابعة لأردوغان عن نهب وسرقة ممتلكات الأهالى المُهجرة قسريًا من القرى المجاورة لعفرين، إلى أن تم احتلال المدينة بعد عمليات قصف مُكثفة من قبل الطيران العثمانى، واستمرت أيضًا عمليات الاستيلاء على المنازل والسيارات، ومحتويات المواقع العسكرية والسياسية.
يمكننا القول إن الانتهاكات التركية بحق المدنيين فى الشمال السورى، كفيلة بأن تضع أردوغان أمام الجنائية الدولية، بتهم "جرائم حرب"، إلا أن صمت المجتمع الدولى قد يعيق تلك الخطوة.

لكن على جانب آخر، كان لمصر رأيًا آخر، حيث أدانت الاحتلال التركى لعفرين، معتبرة أن العملية العسكرية انتهاكا للسيادة السورية، وجيب الحفاظ على وحدة البلاد وتوحيد صفوف الشعب العربى المفتت منذ 7 سنوات، وذلك لضمان عملية سياسية تتسم بالشمولية والموضوعية.
ويبدو أن صوت مصر دفع الإدارة الأمريكية إلى إبداء قلقها حيال إخلاء مدينة عفرين من المدنيين بالقوة الجبرية، داعية تركيا والنظام السورى بإدخال المساعدات الإنسانية.
أما الأمر الذى أثار دهشة الجميع، ترديد أردوغان بأن بلاده لا تطمع باقتطاع أجزاءً من أراضى أى دولة - فى إشارة إلى احتلال عفرين، وأنها تهدف إلى نشر السلام والأمن داخل حدودها وفى العالم بأسره.

إلا أن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، خرج فى إحدى تصريحاته ليؤكد أن بلاده لا تعتزم تسليم المدينة المحتلة إلى الحكومة السورية.
ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى الإعلان عن مؤتمر فى ولاية غازى عنتاب التركية، بهدف تكوين مجلس حكم محلى فى عفرين السورية.
السؤال هنا.. هل تتخذ الحكومة السورية خطوات تصعيدية ضد احتلال تركيا لأراضيها؟
لم يتردد النظام السورى فى إدانة العملية العسكرية خاصة بعد تنفيذ عمليات تهجير قسرى لأهالى المدينة، وقتل المدنيين العُزَل بذريعة تعاونهم مع وحدات حماية الشعب الكردية، حيث قام بتوجيه رسالتين للأمم المتحدة ومجلس الأمن، مؤكدًا أن سيطرة قوات أردوغان الشمال السورى "أمر غير مشروع"، ويتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة.

أما الأمر الذى كان بمثابة صفعة لأردوغان، فهو تحذير مندوب الأمم المتحدة فى سوريا ستيفان دى ميستورا، من مخاطر العملية التركية العسكرية فى عفرين، مؤكدًا أنها بمثابة تقسيم هادئ وطويل لسوريا، وستكون عواقبه كارثية على المنطقة بأكملها.
بينما دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى إتاحة فرصة أكبر للوصول إلى المدنيين فى عفرين، قائلة: إن "الهلال الأحمر التركى يفتقر للمصداقية مع أكراد سوريا بعد العملية العسكرية التركية".
حيث أفادت تقارير بانقطاع إمدادات المياه والكهرباء وشح المواد الغذائية داخل المدينة المحتلة، والتى يقطنها أكثر من نحو 700 ألف شخص، خاصة بعد نهب وسرقة كل السلع الغذائية والممتلكات، ما تسبب فى نزوح أكثر من 323 ألف مواطن".

ورغم وجود اعتراضات أممية وإقليمية حول الاحتلال العثمانى التركى لعفرين باعتباره انتهاكًا للسيادة السورية، ويزيد من تعقيد المشهد السياسى، ويُعرقل جهود التسوية السياسية القائمة، إلا أن أردوغان قرر التغاضى عن تلك الاتهامات، مؤكدًا استعداده لاحتلال 4 مدن سورية أخرى، وهى "منبج، والقامشلى، وعين العرب، ورأس العين"، فى تحد واضح للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن.
والسؤال هنا.. لماذا يخطط أردوغان إلى احتلال مدن جديدة بعد عفرين؟
البداية مع مدينة "القامشلى"، حيث تقع فى جهة الشمال الشرقى على الحدود مع تركيا، وعلى مقربة من سفح جبال طوروس، بمحاذاة مدينة نصيبين التركية، وتتبع إداريا محافظة الحسكة، ويمر بالمدينة نهر الجقجق، يسكن بها خليط من العرب ومن الأكراد لذلك هى مطمع قوى لللديكتاتور أردوغان فى حربه للقضاء على الأكراد.
أما مدينة "الباب"، فهى تُعتبر من أقدم المدن فى التاريخ، حيث يُرجَح أنها تعود إلى العهد الرومانى، وذكرها العديد من المؤرخين والرحالة فى كتبهم، وتُعد مطمعًا لتركيا، لوجود أقنية مائية جوفية مندثرة يقال إنها تعود للعهد الرومانى كان يمر من خلالها نهر الذهب فى المدينة، وفى شمالها تل أثرى يدعى "تل بطنان"، تكثر على سطحه قطع فخارية، ولقى أثرية يعتقد بأنها تعود للعهدين الحثى والآرامى، بالإضافة إلى تأمين حدود تركيا الجنوبية.

بينما تأتى "منبج" فى المرتبة الثالثة، خاصة أنها تقع فى شمال شرق محافظة حلب بشمال سوريا، على بعد 30 كم غرب نهر الفرات، و80 كم من مدينة حلب، وتعد مدينة مقدسة لما لها من حرمة دينية لدى سكانها، واحتوائها على معابد "وثنية" يحج إليها الألوف من الوثنيين، لحضور الأعياد والاحتفالات الدينية، لكن تم تدمير أجزاء واسعة من المدينة على يد المُحتل العثمانى، إضافة إلى قربها من الحدود التركية، لذلك قام أردوغان بمحاصرتها.
وأخيرًا تأتى مدينة "رأس العين"، التى تمتاز بأثريتها، وتقع فى شمال محافظة الحسكة على الحدود التركية السورية، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وهى النقطة التى يعبر منها نهر الخابور إلى الأراضى السورية، وتتميز المدينة بموقع استراتيجى، حيث تبعد مسافة 85 كم عن مدينة الحسكة، و90 كم عن مدينة القامشلى، وتبلغ مساحتها 23 ألف كم مربع.
مساعى أردوغان فى احتلال مدن أخرى، أصبح مما لاشك فيه اختراقًا واضحا لمواثيق مجلس الأمن، وخاصة القرار رقم 15 لعام 2014، بشأن عدم احترام سيادة الدول على أراضيها وتعزيز العنف والاقتتال الداخلى.
أضف إلى ذلك، أن الاستهداف الممنهج الذى تتبعه القوات التركية ضد المدنيين والمبانى والبنى التحتية لمدينة عفرين فى ريف حلب الشمالى الغربى، بإمكانه أن يكون سببًا كافيا لمعاقبة أردوغان بارتكاب جرائم حرب.

فقانون المحكمة الجنائية الدولية لعام 2002 - المادة (6) فقرة "أ.ب.ج.هـ" والمادة (7) فقرة "أ.د.و"، نص على معاقبة كل من ارتكب جرائم تثير قلق المجتمع الدولى بأسره، وتبرر نشوء المسؤولية الجنائية الفردية، وتتطلب حصول سلوك محظور بموجب القانون الدولى، مشترطة لتوجيه تهم جرائم حرب الآتى:
*قتل مرتكب الجريمة شخصًا أو أكثر.
*أن يكون الشخص أو الأشخاص منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية معينة.
*أن ينوى مرتكب الجريمة إهلاك تلك الجماعة القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية كليًا أو جزئيا بصفتها تلك.
*أن يُصدِر هذا السلوك فى سياق نمط سلوك مماثل واضح مُوجَه ضد تلك الجماعة أو يكون من شأن السلوك أن يحدث بحد ذاته ذلك الإهلاك.
جميع ماسبق يؤكد أن أردوغان متورط ومُدان بارتكاب جرائم حرب، وأنه ليس بعيدًا عن محاسبته أمام الجنائية الدولية، بتهم "جرائم حرب"، خاصة أن انتهاكاته تثير مخاوف المجتمع الدولى بأكمله.