عصام تليمة
إن ما سعى إليه التنظيم جديًا على مدار سنوات وأجيال متعاقبة، من ترسيخ حكم مصر بيده والانطلاق منه إلى حكم العالم قد ضاع فى غمضة عين، والأهم أن سمعة المظلومية السياسية قد تبددت إلى حدٍ كبير.
دانت دفة حكم مصر فى ظروف استثنائية لرجال المرشد، وبدلًا من استثمار الفرصة التاريخية هرولت الجماعة بجنون نحو الهاوية مدفوعة برغبة موتورة فى تحويل الدولة إلى مجرد شعبة داخل التنظيم، فجرى ما جرى، وانهار المشروع تمامًا.

انخراط العشرات من شباب التنظيم فى خلايا وتنظيمات إرهابية فى الداخل والخارج، على طريقة "حسم" و"لواء الثورة"، وتحالفت "المقاومة الشعبية" المزعومة، فضلًا عن المتسربين إلى دواعش سيناء، أو إلى نظرائهم فى سوريا، والعراق، وليبيا، إنما نقل الجماعة ونفر غير قليل من بطانتها إلى ساحة اللا عودة، فلم يعد الحديث عن "شعار سلميتنا أقوى من الرصاص"، براقًا وخادعًا مثل ذى قبل.
الجماعة فى لحظة الانهيار السياسى، بعد 30 يونيو، أرادتها مواجهة صفرية دامية مع الدولة، فذلك كان ملاذها الآمن الأخير، لتبقى على قيد الحياة، بعدما افتضح أمر مشروع تمكينها الظلامى ونشر رجالها والاستحواذ والهيمنة، وإقصاء الآخر بكل أشكال الطائفية البغيضة المفارقة للدولة الوطنية الحديثة.
أما، وبعد أن هدأت العاصفة، وفشلت كل محاولات الجماعة المحمومة لتقليب العالم على الدولة المصرية، وتبدد السعى المجنون لإسقاط الأخيرة عقابًا على زحزحة التنظيم والإطاحة به من فوق كرسى الحكم، فلم يعد متبقيًا، وللمفارقة فى الذكرى التسعين على التأسيس الأول على يد حسن البنا، غير عورة الخلافات الشرسة التى دبت بشراسة فى التنظيم، ولا يمكن قراءتها إلا على أرضية ندم كبير بين رجال المرشد على تضييع فرصة لا تعوض للبقاء فى صدارة مشهد السلطة فى أكبر دولة بالمنطقة.
وعلى الرغم من كل ما يساق من أكاذيب عن الوئام الإخوانى الداخلى، إلا أن نفرًا من قادة وكوادر الجماعة سرعان ما يفضح الأمر ويكشف أنها تعيش فوق
مؤخرًا شن عصام تليمة، المدير السابق لمكتب الداعية الإخوانى، يوسف القرضاوى، الهارب إلى قطر، هجومًا على أمين عام الجماعة السابق الهارب أيضًا ولكن إلى تركيا، محمود حسين.
وفى هذا الإطار نشر تليمة تفاصيل شهادة جديدة عن الخلافات الداخلية فى التنظيم غاية فى الأهمية، نسردها نصًا فى السطور المقبلة على النحو التالى:
"كان رأى كثير أن ننشر تفاصيل ذلك، ونوضح للناس، ولعموم الإخوان دور الدكتور محمود حسين فى تفتيت الصف الإخوانى، ووأد أى محاولة للم الشمل".

وتابع: "بعدها حدث فى مصر إعلان عن المكتب العام، وانتخابات فى مصر، وخرج الدكتور مجدى شلش، وعلق عليها، وكتب الدكتور وصفى أبو زيد عنها على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" بتأييد الإجراء، لأنه لا جدوى من محاولات الإصلاح والمبادرات التى يرفضها محمود حسين ومن معه، وكذلك علق الشيخ عبد الخالق فى قناة وطن وكتب د. رجب أبو مليح على "الفيسبوك" بالرفض ولكن بسخرية، ثم فوجئنا برسالة ترسل من المسؤولين عن ترتيب اللقاء تفيد بأن المخالفين لمحمود حسين من العلماء "فريق المصالحة الداخلية" ليسوا مدعوين للقاء القادم للهيئة والذى كان مقررًا له أول فبراير، وأنهم لم يعودوا أعضاء بالهيئة، فأرسلت رسالة لهم، بأنه إذا أردتم الحساب فليحاسب الجميع، وإذا أردتم التجاوز فليكن عن الجميع، فمن الفريقين من خرج للإعلام وتكلم عليه وعلى صفحته".
واستطرد: "ثم فوجئنا فى شهر يناير 2017م باجتماعهم دوننا، بحضور من يرضى عنهم مسؤولو رابطة الإخوان، ولما بلغنى خبر اجتماعهم، اتصلت بهم، وقلت لهم بوضوح: أى اجتماع، أو تناقش فيما يخص موضوع نقاشنا فى إسطنبول، أو نزول بريد لعموم الإخوان دون عرضه علينا، فسأخرج للإعلام وأحكى كل ما حدث مع ذكر أسماء من شاركوا بالتفصيل، فاضطرهم هذا الكلام منى، لتأخير الإجراء، وربما التغاضى عنه هذه الفترة، ولكنهم عقدوه سرًا بعد ذلك أكثر من مرة، إحداها فى ماليزيا فى شهر يناير 2018م الجارى".

وفى ملمح آخر للخلافات الإخوانية الداخلية يقول تليمة: "أما ما أشاعوه من أن من خالفوهم قد فصلوا، أو حسب عبارتهم الكاذبة وقتها: أن هؤلاء قد قاموا بإعفاء أنفسهم من التنظيم، وهو كلام كذب، وللأسف خرج منهم فى شهر رمضان، وكان البعض ينشره فى معتكفات العشر الأواخر فى المساجد، لم يجدوا ما يتقربون به لله، إلا الكذب على إخوانهم، وزادوا على ذلك أننا نريد تحويل الجماعة إلى حزب سياسى كما فعلت النهضة فى تونس، وفق ما جاء فى البريد الكاذب الذى نزلوه لصفوف الإخوان فى مصر، وكان فيه تحذير شديد منا وكأننا خرجنا عن الدين".
وأضاف: "كل هذا فى رمضان الذى يعتبر الفقهاء الكاذب فيه صومه قد حبط أجره، ويرى آخرون أن أجره وصومه قد بطل وعليه الإعادة، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" وهم والحمد لله قد قالوا الزور، وعملوا به، وكلفوا غيرهم بالعمل، نسأل الله لنا ولهم الهداية والمغفرة".

ويصوب تليمة سهامًا حرجًا فيقول: "فهلا أخرج لنا محمود حسين طلب الإعفاء الذى قدمنا؟! وهل هناك إعفاء بدون طلب من صاحبه؟ وهل يُبعد إنسان من الجماعة دون تحقيق؟ كما حدث مع وجوه كبيرة وكفاءات ممتازة فى الجماعة تم تجميدها ثم إبعادها.. إن هناك فى هذا الملف الكثير والكثير الذى يعرّض هؤلاء للمساءلة والمحاسبة الذين يخرجون للإعلام بصفات باطلة، إذ انتهت ولاية هذه القيادات منذ عام 2014، ودخلت مدة أخرى بحلول عام 2018م وهم مصرون على البقاء فى مناصبهم دون انتخابات، وهذا يخلع عنهم صفة الشرعية ولا يوجب لهم سمعا ولا طاعة، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية التنظيمية".
وقبل أن ينهى شهادته نصًا، قال: "كتبت ذلك ليعلم الإخوان فى كل مكان حقيقة الأمور، التى سكتنا عنها طوال هذه المدة، وليقوم الجميع بواجبه لإنقاذ تاريخ عظيم يوشك أن تقضى عليه مجموعة متحكمة بغير حق، وتقوم بتعطيل الطاقات، وإبعاد الكفاءات".