البث المباشر الراديو 9090
أطفال تركيا وفكر داعش
لم تعد الدول الأوروبية تطيق أن تتحول ميادينها وشوارعها إلى ساحة حرب واقتتال مفتوحة بسبب الحملات الانتخابية للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، لاسيما وأن هذه الدول ملجأً للعديد من الأتراك الفارين من جحيم الديكتاتور التركى.

وضاقت دول أوروبا باستمرار تهديدات تركية صريحة بنشر فكر الإرهاب الداعشى على أراضيها، والتى كان آخرها مسرحية للأطفال النمساويين من أصل تركى.

ويبدو فعليًا أن المجتمع الدولى، بدأ ينقلب على الحكومة التركية، فى ظل سياسات أنقرة القمعية داخليا ضد المعارضة التركية، أو تلك السياسات الخارجية التى انتهجت لغة التهديد بالإرهاب ضد الدول الأوروبية، أو ممارسة الانتهاكات الإنسانية بحق المستضعفين فى بلاد مزقتها الحرب مثل سوريا.

تركيا تروج أفكار داعش بمسرحية للأطفال

«لا يوجد مكان لهذا فى النمسا.. لن يكون هناك تهاون بالمرة».. هكذا جاء تعقيب المستشار النمساوى المحافظ سباستيان كورتس، واضحًا وصريحًا ردًا على جريمة تجسيد أطفال لفصول مسرحية تركية مرعبة جديدة، أبطالها من الأطفال النمساويين ذوى الأصول تركية، والتى تم عرضها داخل مسجد تركى بالعاصمة فيينا، حيث ظهروا فى لقطات تحاكى مقاطع ترويجية مثل تلك التى دأب داعش على نشرها، يظهر فيها قاصرون وهم ينفذون عمليات قتل أسرى، أو يتدربون على شن هجمات إرهابية.

وكانت صور الأطفال التى تم نشرها أكثر خطورة من فيديوهات داعش، ذلك لأن الجهة التى تقف وراءها مؤسسة دينية تابعة للحكومة التركية، ما يعنى أن السلطات فى أنقرة تعد شريكا فى هذه المسرحية التى تعد انتهاكا صريحا لحقوق الطفل، كما أنها تحث وتحرض على العنف والإرهاب.

وظهر فى الصور أطفالا، من الجنسين، يرتدون الزى العسكرى خلال عرض مسرحى داخل المسجد، حيث يعيدون إحياء معركة "تشاناقاله" التى انتصر فيها الجيش العثمانى على القوات البريطانية والفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى، الأمر الذى أثار موجة من الغضب فى النمسا.

الجهة التركية التى ترعى المسجد فى النمسا هى منظمة أتيب وهى تابعة للهيئة الدينية الرسمية بأنقرة، تنصلت من الموضوع، وقدمت المسئول عن إقامة المسرحية كبش فداء، مؤكدة أنه تمت إقالته، لكن الإجراء التركى يبدو غير كاف.

النمسا ترفض تعاليم الإرهاب

وجاء رد فعل الحكومة النمساوية جادًا وقاسيًا على الرئيس التركى، حيث أكدت عزمها اتخاذ إجراءات ضد أكبر مساجد البلاد والتى قد تصل للإغلاق، حيث أن عاصفة الغضب النمساوية لم تلجمها محاولات المنظمة التركية، فالمسرحية من وجهة نظر الأوروبيين تحمل أبعادا كبيرة، فهى تعتبر محاكاة لسلوك الدولة العثمانية عندما كانت ترسل الأطفال لتدريبهم على أساليب الحرب منذ نعومة أظفارهم فى مدارس عسكرية تحت عنوان تعليم تعاليم الدين الإسلامى.

استغلال مستمر للأطفال

أما بالنسبة لجمعيات حقوق الأطفال، فإن زرع أفكار الحرب والقتال فى أذهان الأطفال يتنافى مع حقوق الطفل الذى يفترض أن يتم حثه على الحياة وبناء المستقبل بدلا من تعليمه العنف وحثه على الموت.

ولم تكن المسرحية هى الواقعة الأولى فيما يخص أطفال أوروبا من أصل تركى، ففى الأشهر الماضية، ظهر أطفال يرتدون الزى الرسمى للقوات الخاصة التركية، وكانوا يلقون قصائد وطنية خلال عدة فعاليات حضرها أردوغان، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولات من الحزب الحاكم لزيادة عدد الأصوات المؤيدة له فى الانتخابات الرئاسية عبر استغلال الأطفال وتلقينهم ثقافة الموت، قبل أن تتخطى هذه المشاهد الصادمة حدود تركيا، لتصل إلى أوروبا، حيث تعتبر حقوق الطفل من المقدسات.

وتبحث الحكومة النمساوية حاليًا الإجراءات الممكن اتخاذها، منها إغلاق المسجد أو حل المنظمة التركية "أتيب" وهى تابعة للهيئة الدينية الرسمية فى تركيا، وتشرف هذه المنظمة، المكونة من مغتربين أتراك، على إدارة المسجد الذى جرت فيه المسرحية والذى يعتبر من أكبر المساجد فى فيينا.

وأصدرت المنظمة بيانًا قالت فيه إنه "لم يكن ينبغى تمثيل المعركة فى مسجد وما كان ينبغى إشراك أطفال"، مؤكدة أنه "جرى إجبار الموظف المسئول على التنحى قبل عدة أسابيع".

النمسا تحظر الدعاية التركية على أراضيها

وتزامنا مع عاصفة "مسرحية المسجد"، جاء إعلان مستشار النمسا، سيباستيان كورتس، منع الدعاية التركية على أراضى بلاده صفعة ثانية يتلقاها أردوغان من النمسا، فأكد كورتس أن حكومته ستسعى لحظر أى حملات محتملة على الأراضى النمساوية لأحزاب مشاركة فى الانتخابات العامة المبكرة المرتقبة فى تركيا، وقال إن القيادة التركية، بـ"زعامة أردوغان" تسعى "لاستغلال المجتمعات ذات الأصول التركية فى أوروبا منذ سنوات كثيرة".

وأضاف أن "مظاهر الحملات الانتخابية التركية فى النمسا غير مرغوب فيها وبالتالى لن نسمح بها بعد الآن".
وقال كورتز فى مقابلة إذاعية، إن "القيادة التركية فى ظل حكم أردوغان حاولت لسنوات استغلال المجتمعات ذات الأصول التركية فى أوروبا، هذا هو الغرض من وراء حملات أردوغان الانتخابية وحملات أنصاره".

وكانت النمسا قد شهدت واقعة مشابهة فى العام الماضى، إذ رفض رئيس الوزراء النمساوى السماح للوزراء الأتراك بتنفيذ حملات انتخابية داخل النمسا التى يتراوح عدد الأتراك المقيمين داخلها بين 350 ألف و500 ألف تركى.

وفعّلت النمسا قانونا جديدا نص على منح الحكومة سلطات موسعة فيما يخص إلغاء الفعاليات السياسية للدول الأجنبية على أراضيها.

هولندا ترفض ممارسات تركيا

لم يتوقف الأمر عند النمسا فحسب، فكان لهولندا نفس الموقف، حيث أكد رئيس الحكومة الهولندى مارك روتى، أيضا، أن تنظيم حملات انتخابية فى هولندا "غير مرحب به".

وقال صراحة: "إنها انتخابات تركية، لذا يجب أن تبقى المهرجانات فى تركيا"، محذرا من أن أى حملات لسياسيين أتراك يمكن أن تسبب خللا فى النظام العام فى هولندا.

وأكدت الحكومة الهولندية ونظيرتها النمساوية منعهما كل ما يتعلق بالملصقات والحملات الدعائية الخاصة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية.

أردوغان يلوح للنمسا وهولندا بذراع الإرهاب

كالعادة، استشاط الرئيس التركى رجب طيب اردوغان غضبًا جراء تصريحات المستشار النمساوى ، ووجّه انتقادات الى النمسا بعدما خططت لحظر أى حملات على أراضيها متعلقة بالانتخابات التركية المقررة فى يونيو، تلك الانتخابات التى قرر أردوغان إجراؤها قبل عام ونصف من موعدها، فى محاولة لتقويض فرصة معارضيه فى ترتيب أوراقهم.

وفى تحدٍ سافر، وتجاوز معهود من الرئيس التركى، هدد البلدان التى قررت حظر حملات الدعاية التركية على أراضيها بـ"دفع الثمن"، متهمًا إياهم بأنهم يحاولون تقويض الديمقراطية من وجهة نظره، واستخدم أردوغان فى تصريحاته التلفزيونية شعارات مثل "صراع تركيا من أجل الديمقراطية لا يمكن تقييده بسهولة" أو التشبيه لإجراءات النمسا بأنها "نازية"، فى محاولة منه لقلب الحقائق.

أكثر من ذلك أن أردوغان تحدى دول أوروبا، مشيرًا إنه سيتوجه إلى الناخبين الأتراك فى البلدان الأوروبية، دون أن يعطى إيضاحات إضافية.

وقال: "لقد أنهينا استعداداتنا فى الخارج، لن أعلن (اسم) الدولة الآن، لكن إن شاء الله سأخطب بحشد من 10 إلى 11 ألف شخص خلال اجتماع لمنظمة دولية".

التلويح بحركات معادية ضد الغرب

مستوى التهديد لدول الغرب لم يتوقف عند تصريحات الرئيس التركى وحده، فوزير شؤون الاتحاد الأوروبى فى تركيا عمر جيليك، اتهم مسؤولى النمسا وهولندا بأنهما "لا يتكئان على القيم الديموقراطية".

ولوّح جليك بمسألة حركات معادية للاتحاد الأوروبى، وكتب على تويتر "بهذه المقاربة، النمسا وهولندا تسممان القيم الديموقراطية فى بلديهما وتساعدان على نشر الحركات السياسية العنصرية المعادية لقيم الاتحاد الأوروبى".

والعام الماضى توترت علاقات تركيا مع بعض دول الاتحاد الأوروبى مثل ألمانيا والنمسا وهولندا التى منعت المهرجانات الانتخابية قبل الاستفتاء الذى فاز به أردوغان.

حلم «الأغا» فى الاتحاد الأوروبى يتبخر

أصبح حلم الأغا التركى فى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبى فى مهب الريح، ففى كل يوم جديد يُضاف إلى سجل الرئيس التركى انتهاكات بحق الداخل والخارج، وفى كل يوم يضيف أردوغان إلى معسكر أعداءه دولة جديدة، فجاءت تصريحات المستشار النمساوى كورز الذى أعرب عدة مرات عن عدم رغبة بلاده فى انضمام تركيا للاتحاد الأوروبى.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز