البث المباشر الراديو 9090
إبراهيم نصر الله
ألقى الروائى إبراهيم نصر الله كلمته فى حفل الإعلان عن جائزة البوكر العربية لعام 2018، وعبر فيها عن سعادته الكبيرة لفوزه بالجائزة فى دورتها الحادية عشرة.

وقال نصر الله: "أحب فى البدايةِ أن أتقدَّمَ بالشكر للجائزةِ العالمية للرواية العربية، لرعاةِ الجائزة وللجنةِ التحكيم الموقرةِ التى اختارت روايتى، وإلى كلِّ كتابِ اللائحة القصيرة ورواياتهم الجميلةِ التى سعدتُ بها قارئا، وخشيتها منافسًا.

لا شىءَ يأتى من فراغ، مثلَ كتابةِ "حرب الكلب الثانية" نفسِها التى لم تأتِ من فراغ، بل من معاناة كبرى عشناها فى هذا المنطقةِ الممتدَّةِ بين مائين وأكثرَ من دم، وزمن مهما ادعينا فيه أننا أحرار، اكتشفنا أننا واقعونَ تحت احتلالات لا حصر لها، احتلال العدو المباشر، والعدو المستتر، والعدو الساكن فينا. ويضاعف من وقعِ هذا إصابةُ كثير من دول هذا العالم، من كبيرها إلى صغيرها، بانتصاراتِ الغطرسة والعدوان والتمييز والجشع الذى يلتهمُ هذا الكوكبَ الجميلَ، ومَنْ وما، عليه من كائنات.

تذهبُ هذه الرواية إلى منطقة أبعدَ من واقعنا العربى، مع أنها تنطلقُ منه. وتقلّبُ تاريخَنا وهذا الزمنَ الذى عشنا فيه نارَ التعصُّبِ والإقصاء، وتحاولُ الإجابةَ على سؤال: ما الذى سيحدثُ لنا، ولهذا الكوكبِ الصغيرِ الذى نعيشُ عليه، إذا تواصلَ الأمرُ على النحو ذاتِه؟

إنها واحدةٌ من الرواياتِ المختلفةِ داخل تجربتى، فهى الأولى التى أذهبُ فيها، لتأمُّلِ المستقبل فى ضَوْء السنوات السوداءِ الماضيةِ التى عاشها العالمُ العربى، ولم يزل يعيشها كثيرٌ من دول العالم. فى ضَوءِ ما عاناه الإنسان من إطلاق وحش التطرّف والقتل الأعمى، وهذا التطرف بالمناسبة، ليس مقتصرًا على التنظيمات الظلامية، بل يمتدُّ إلى كثير من الأفراد والتنظيمات التى تدَّعى التسامحَ والقبولَ بحريَّة الرأى والمعتقد، وقبلَ هذا وبعدَه يمتدُّ هذا التطرّفُ إلى القوى الظالمةِ الكبرى، وكثير من الأنظمة العربية التى مارستْه بدمويةٍ وبعنفٍ شديدين، ضد مواطنيها، وأصّلتْهُ فى حياتنا الاجتماعية والسياسية قبلَ أن تمارسَه التنظيماتُ المتشدِّدة.

أيتها العزيزات.. أيها الأعزاء

نحن نكتب للتخلُّص من ثقل يُطبقُ علينا، لكن ما يحدثُ أنكَ ككاتبٍ تكتشفُ حين تخرج من عمل كهذا أنكَ أضفتَ ثقلا جديدًا على جسدك وروحك، لأنك أدركتَ المعضلةَ، أو الكارثةَ أكثر. هذا النمطُ من الكتابة لا يُشفى كاتبَه، إنه يصيبُه بما يمكن أن أدعوه لعنةَ الوصول إلى الحقيقة، حقيقةِ ما يحيطُ بنا، ونعانى منه اليوم، لا كعربٍ فقط، بل ما يعانى منه الإنسانُ فى أماكن كثيرة.

 لكنَّ ما أعرفهُ أيضًا أننا نكتبُ لنهُز العالمَ لا لنُرَبِّتَ عليه، فعالمنا اليوم ليس قطًا أنيسًا، بل حقلا واسعًا للقتل، وجراحُهُ أكبرُ من أن يواريها أحدٌ بطبَقةٍ من مكياجٍ خفيف أو ثقيلٍ.

هذه الروايةُ ولِدتْ فكرةً قبل هذا الخراب الرهيب الذى ملأ حياتَنا بالموت فى السنوات الأخيرة، ولِدَتْ من مظاهر العنفِ اليومية التى تحوّل فيها البشر إلى قنابلَ موقوتةٍ، لا تعرف متى ينفجرُ الواحد منهم فى وجهكَ لأوهى الأسباب، ولكنها تفتَّحت كفكرةٍ حين غدا الموتُ هو المشهد الواسع لحياتنا، وقد وصلنا إلى النقطةِ التى هُزِم فيها خيالُنا، ولذا، كان من الصعبِ التعبيرُ عن هذا الواقع وأنتَ متمسِّكٌ بعقلكِ وبأدواتِكَ الفنيةِ التى استخدمْتَها بدرجةٍ أو بأخرى فى أعمال أخرى، كان لا بدَّ من الحدود القصوى: صحيحٌ أننا حين نكتبُ عن الجنون نكتبُ بعقولِنا، لكنْ على عقولِنا أن تصِلَ بنا ونصِلَ بها إلى حدودِ الجنون حتى نُعبِّرَ عنه بطريقة مقنعة.

هذا ما حدثَ معى أثناء كتابة حرب الكلب الثانية، ولذا أتمنى أن لا أعود إلى كتابةٍ من هذا النوع، فقد أرهقتنى أكثر مما أحتمل.

لا أخيفُ القارئ هنا، ولكننى أدعوه إلى تأمل نفسه من خلالها، كما تأمَّلتُ نفسى، وكما تأمَّل كثير من القراءِ الرائعين أنفسَهم من خلالها وكتبوا لى عن ذلك فى رسائلهم.

لذا اسمحوا لى أن أحيى كلَّ القراءِ النوعيين، والنقادِ النوعيين الذين كتبوا عنها، وأحيى لجنةَ التحكيم الموقرة مرة أخرى، فهؤلاء يجعلوننا نحسُّ بأهمية أن نتجدَّدَ دائمًا، وينتظرون تجددنا بسعةِ بصيرتهم وحيويةِ أرواحِهم ورهافةِ ذائقتِهم. أحييهم حينما يغامرونَ معنا ككتاب، هؤلاء الذين يقولون لنا بانفتاحِهم الجمالى أننا لم نُغامر سدىً، ويؤكِّدون ذلك القولَ الذى طالما تشبثتُ به: لا تخفْ من القارئ، بل من محاولتكِ لإرضائه.

وبعد:

بينما كنا نتشرّبُ حكاياتِ الأمهاتِ والجدّاتِ

التى كنَّ يقُدْننا  فيها، وبها، نحوَ النوم 

نستعيدُ هذه الحكاياتِ فى الكتابة، 

فى محاولةٍ منا لإيقاظِ العالم!"

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز