خالد محيى الدين
الصمت هنا ليس صمتًا سياسيًا، بل شارك الراحل فى عدد من الانتخابات البرلمانية.. يقترب من السلطة ويبتعد. يخوض غمار المؤتمرات، ويعزف عن المشاركة. الصمت الذى قصده محيى الدين هو الصمت عن حكى ما دار فى حدث ربما هو الأهم فى التاريخ الحديث.
محيى الدين يصف ثورة 23 يوليو بأنها حدث هزَّ مصر ليلة كاملة، لينطلق بها عبر مسيرة متعرجة استحقت من الكثيرين إعجابًا وإشادة، ومن البعض تأييدًا مغلَّفًا بالتحفظ، ومن الأقلية استنكارًا أو رفضًا. لكن أحدًا من هؤلاء جميعًا لم يُنكر أن الحدث مهيب ومهم، وأثر فى مصر وكل البلدان العربية، وهز أعماق إفريقيا، وأثار اهتمام آسيا وجذب أنظار العالم أجمع.

الكراسة الزرقاء
يبدو أن الراحل لم يكن ينتوى كتابة مذكراته، أو كان ينتوى ذلك بعد فترة أطول، إلا أن سرًا باح به محيى الدين فى مقدمة كتابه عن "كراسة زرقاء"، فما هو هذا السر؟
يقول إنه عندما كانت أحداث مارس 1954 والتى نشب خلالها أزمة حادة فى مجلس قيادة الثورة بين جمال عبدالناصر، ومحمد نجيب، حيث أثمر ذلك بالنسبة له قرارًا بالنفى خارج الوطن، أحس بأن أول واجب له هو أن يسجل الوقائع كما هى، وأن يحتفظ بها، مضيفًا: "الغريب أننى وبالفطرة ودون بحث أكاديمى عن معنى ومغزى الكتابة التاريخية قد تصرفت وفق التعريف الإغريقى دون أن أسمع عنه، وفى كراسة ذات غلاف أزرق سجلتُ كل ما اعتقدت أنه جدير بالمعرفة من أحداث متعلقة بتنظيم الضباط الأحرار وليلة 23 يوليو، وجلسات مجلس قيادة الثورة. اختلافاتنا، واجتهاداتنا، واتفاقاتنا، ومواقف كل منا".

الشعور الوطنى
الكتاب ليس كما يُشاع مذكرات حول ثورة يوليو فقط، بل هى أوراق متناثرة عن حياة خالد محيى الدين نفسه، وفى القلب منها ثورة 1952.
"نوفمبر 1938 وبضعة أشهر فوق الـ 16 من عمرى وقفت فى أول طابور بالكلية الحربية، الضبط والربط ينبعان هنا ليس من اضطرار الطالب لاتباع الأوامر والتعليمات، فثمة شىء ينمو فى أعماق الفتى القادم من تكية السادة النقشبندية، فالمشاعر الدينية المتدفقة تستضيف إلى جوارها إحساسًا مصريًا عميقًا بحب الوطن وبضرورة أن يكون له جيش وطنى بحق، قادر على الدفاع عن سيادته بحق".
هذه الفقرة التى أوردها محيى الدين فى مذكراته كانت كاشفة عن شعور وطنى جارف كان ينتاب أبناء الطبقة المتوسطة فى أواخر الثلاثينات، حيث تدفق إلى الكلية الحربية كثيرون من أبناء هذه الطبقة إضافة إلى الفئات الدنيا منها "صغار الموظفين ومتوسطى وصغار الملاك". يؤكد محيى الدين أن الكلية سرعان ما ذخرت بأساتذة وطلاب بموجة وطنية عالية.
أمور سياسية فى الصميم
ينقسم الكتاب إلى 25 فصلًا منها، عبدالناصر والإخوان، والخلاف على الزعامة، وأكثر من موعد للحركة، ومن لجنة القيادة إلى مجلس القيادة، ومارس الوجه الآخر، والمنفى.
ويفرد محيى الدين صفحات وصفحات حول محاولات جماعة الإخوان ضمه هو وعبدالناصر، حيث حاول حسن البنا أن يشده إلى الجماعة التى قررت أن تضمه هو وجمال عبد الناصر برباط وثيق، وليس ذلك فحسب بل قررت ضمهما إلى الجهاز السرى للجماعة، ربما لأنهما الأكثر فعالية وتأثيرًا فى المجموعة، ومن ثمَّ فإن كسبهم بشكل نهائى يعنى كسب المجموعة بأكملها، وربما، كما يقول محيى الدين، "لأننا كنا نتحدث كثيرًا عن الوطن، والقضية الوطنية ومن ثم فقد تصور حسن البنا أن ضمنا للجهاز السرى حيث التدريب على السلاح والعمل المسلح يمكنه أن يرضى اندفاعنا الوطنى ويكفل ارتباطا وثيقا بالجماعة".

ويضيف "المهم اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم فى حى الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب، وهناك قابلنا عبدالرحمن السندى، المسؤول الأول للجهاز السرى للإخوان فى ذلك الحين، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تمامًا واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوى ووضعنا فى يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام فى المنشط والمكره "الخير والشر"، وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله".
كانت الأحداث السياسية تتسارع وكشفت جماعة الإخوان عن وجهها السياسى وتصرفت كجماعة سياسية وتخلت عن دعاوى النقاء الدينى، حيث يؤكد محيى الدين فى كتابه "لما كانت بحاجة إلى صحيفة يومية وورق صحف فى ظل أزمة شديدة فى الورق تقاربت من إسماعيل صدقى وحصلت فى مقابل تقاربها هذا على ما أرادت من دعم".
ويتابع "كذلك وقفت الجماعة ضد اللجنة الوطنية للطلبة والعمال وحاولت أن تشكل جماعة أخرى بالتعاون مع إسماعيل صدقى وبدأنا نحس أنهم مثل أى سياسيين آخرين يفضلون مصلحتهم ومصلحة جماعتهم على ما ينادون به من مبادئ وعلى مصلحة الوطن وتحادثت طويلًا مع جمال عبدالناصر حول علاقتنا بالجماعة وأفضى جمال لى بمخاوفه من أن الجماعة تستخدمنا كضباط لمصالحها الذاتية وليس لمصلحة الوطن وأفضيت له بمشاعرى".
واستطرد: "اتفقنا أننا قد تورطنا أكثر مما يجب مع هذه الجماعة وأنه يجب أن ننسحب منها. لكنه لا يمكن أن نقول إننا فى يوم كذا انسحبنا من الجماعة فقط.. أصبحت الشكوك تملؤنا وأصبحنا على غير وفاق وغير متحمسين وبدأن نتباعد أنا وجمال وربما بدأت الجماعة هى أيضا تستشعر أننا لا نمتلك الولاء الكافى فبدأت تتباعد عنا. وتدريجيًا يأتى عام 1947 ليجد علاقتنا جمال وأنا وقد أصبحت باهتة تمامًا مع جماعة الإخوان".
دور محمد نجيب فى الثورة
ربما يتواتر ما رصده محيى الدين عن أحداث الثورة فى كثير من الكتب والمؤلفات ذات الصلة، إلا أن ما كتبه كان يحمل صبغة دفاعية عن دور محمد نجيب فى الثورة، فيقول، إن البعض حاول التقليل منه، فى حين ادعى البعض أنه ظل فى بيته حتى انتصرت حركة الضباط، فأتى لينتزعها، ويوضح الراحل أن الحقيقة غير ذلك حيث رغب نجيب فى أن يشاركهم التحرك منذ اللحظة الأولى، وعندما علم أنهم وضعوا خطة التحرك طلب المشاركة فى تنفيذها، لكن الضباط الأحرار أرادوا إبعاده عن أى مشاركة فعلية عن عمد لضمان سلامته، حتى يمكنه فى لحظة الانتصار أن يتولى القيادة.

الخلافات
منذ الأيام الأولى لثورة يوليو بدأت حساسيات عديدة وسط الضباط الأحرار، كتنظيم وكفكرة، وبعض من هم كانوا فى مجلس قيادة الثورة، وخصوصًا عبدالناصر. هكذا يقول محيى الدين، ويضيف "كان عديد من الضباط الأحرار يرون أنهم قد تحملوا المسؤولية طوال فترة الإعداد للحركة وأنهم أسهموا وتحملوا المخاطرة، بينما جرى تجاهلهم، فى حين يصعد البعض لتولى مراكز مرموقة دون سبب واضح، مع تزايد جرعات النفوذ لدى تحول مجلس قيادة الثورة إلى سلطة فعلية".
قطيعة كبيرة ضربت العلاقة بين محيى الدين وبين سلطة يوليو، ولا سيما بعد نفيه فى جنيف، حتى إن البعض يعتبر الكتاب محاكمة للثورة ولعبدالناصر لا تأريخًا لها.