ترامب وروحانى
اقرأ أيضًا: فيديو| هل تتمكن أوروبا وبكين وروسيا من إنقاذ الاتفاق النووى مع إيران؟
قرارات ترامب، التى يكون الدافع إليها مصلحة الولايات المتحدة، وإصلاح ما أفسدته الإدارات السابقة فى أحيان كثيرة، حسبما يعلن رئيس البيت الأبيض عند اتخذاها، تقود الولايات المتحدة إلى المواجهة مع قوى عالمية، وتصبح دافعًا لهذه القوى لتكوين تحالفات فيما بينها للحفاظ على مصالحها، ومن ثم تصبح واشنطن فى وادٍ آخر.

هذا ما نبه إليه الرئيس الأمريكى الأسبق، جورج بوش، الذى حكم البيت الأبيض لمدتين، وأدخل واشنطن فى حربًا ضروسًا فى العراق، أى أنه رجل سياسى خبير بأبعاد القرارات التى تتخذ بالنسبة للسياسات الأمريكية والعلاقات مع الدول العظمى فى العالم.
وبعد أيامٍ من إعلان ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووى مع إيران، بدافع أنه لم يحقق مصالح البيت الأبيض، ولم يحد من التجاوزات الإيرانية فى المنطقة، ألقى بوش الأبن خطابًا، فى مجلس الأطلسى المعنى بالشؤون الدولية، حذر فيه مما وصفه بـ"مخاطر عزلة أمريكا".
وأضاف: "لا يمكن للمرء أن يكون صفة المجتمع الرائد فى العالم المتحضر من دون أن يكون متورطًا فى مشاكله، دون أن شعر بويلاته، ويكون مستلهما من أسبابه"، ذلك مُستشهدًا بقول رئيس الوزراء البريطانى الأسبق، وينستون تشرشل".
وأكد بوش، أن الشعب الأمريكى لا يمكنه الهروب من مسؤولية العالم، فى إشارة واضحة منه إلى مسؤولية التى تقع على عاتق الشعب جراء القرارات السياسية التى تُتخذ وتضر بمصالح الدول الأخرى.

صدام مع أوروبا
آثار إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووى حفيظة الدول الأوربية المشاركة فيه "ألمانيا وفرنسا وبريطانيا"، وبالتأكيد روسيا، بالإضافة إلى الشريك الأسيوى "الصين".
اقرأ أيضًا: فيديوجراف| أمريكا والاتفاق النووى من التوقيع إلى الانسحاب
واتضح ذلك فى البيان المشترك، الذى أصدرته القادة الأوربيون الثلاثة، عقب إعلان ترامب المثير للجدل.
وجاء فى البيان: "حكوماتنا تبقى ملتزمة بضمان تنفيذ الاتفاق، وستعمل مع جميع الأطراف الآخرين المعنيين، بحيث يبقى الأمر على هذا النحو، على أن يشمل ذلك ضمان استمرار الفوائد الاقتصادية المرتبطة بالاتفاق للشعب الإيرانى".
وأشار البيان، الذى أصدرته رئيس الوزراء البريطانية، تيريزا ماى، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، إلى أن ملامح مواجهة تلوح بين ضفتى الأطلسى، وخصوصًا بعد تحذير الشركات الأوروبية العاملة فى إيران من تعرضها لعقوبات أمريكية.
فى هذا السياق، أضاف البيان "نحض الولايات المتحدة على إبقاء بنود الاتفاق مع إيران من دون أى تغيير، وعلى تجنب اتخاذ خطوات من شأنها منع تنفيذه من جميع الأطراف الآخرين المعنيين".
من جانبه خرج الاتحاد الأوروبى، ليؤكد موقفه تجاه ما فعله الرئيس الأمريكى، كاشفًا مخاطر هذا القرار.
أعلنت وزير خارجية الاتحاد الأوروبى، فيديريكا موجيرينى من روما، أن الاتحاد مصمم على الحفاظ على الاتفاق النووى الإيرانى، ذلك بعد قرار الرئيس الأمريكى بشأنه.
وبعثت برسالة للنظام الإيرانى وشعبه، جاء فيها "لا تدعوا أحدا يلغى هذا الاتفاق.. إنه من أكبر النجاحات التى تحققت فى الدبلوماسية وقد صنعناه معًا".
وتابعت "ابقوا أوفياء لتعهداتكم وسنظل أوفياء لتعهداتنا.. ومعًا ومع سائر المجتمع الدولى سنحافظ على هذا الاتفاق النووى".
مما سبق يمكن تأكيد أن واشنطن دخلت فى خلاف مُحتدم مع القوى الأوروبية الثلاثة بخلاف روسيا، التى فى صراع دائم مع ترامب وتجلى ذلك بوضوح فى الضربة الأمريكية الفرنسية البريطانية على مواقع للحكومة السورية، مؤخرًا.

الصدام الأمريكى الأوروبى، الذى من المتوقع أن يشتعل خلال الفترة المقبلة، أوضحه وزير الخارجية الفرنسى، جان إيف لودريان.
لودريان أكد أن الوضع أصبح فى منتهى الخطورة فى الشرق الأوسط، من جراء التداخل بين "المسألتين السورية والإيرانية"، خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق إيران النووى.
كما رأى لودريان، أن العقوبات التى أعاد الرئيس الأمريكى فرضها على الشركات الأجنبية العاملة فى إيران غير مقبولة، مُشددًا على أنه يجب التفاوض فى شأنها مع الأوروبيين.
وقال إن الأوروبيين ليسوا مضطرين لدفع ثمن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية التى ساهموا هم أنفسهم بها، فى إشارة واضحة منه إلى الاتفاق النووى مع إيران.
وشدد لودريان "يجب أن يضع الأوروبيون الإجراءات اللازمة لحماية مصالح شركاتنا، وبدء مفاوضات مع واشنطن فى شأن هذا الموضوع".
بدوره، قال وزير الاقتصاد الفرنسى، برونو لومير، إنه اتصل بوزير الخزانة الأمريكى، ستيف منوشين، وطلب منه إعفاء عدد من الشركات الأوروبية من العقوبات أو منحها مهل أطول فيما يتعلق بنشاطها فى إيران.
وأضاف أن منوشين، سيرد بشكل رسمى على الشواغل الأوروبية والفرنسية فى هذا الشأن، نظرًا لأن هناك شركات فرنسية مثل "توتال" و"رينو" و"سنانوفى" تعمل فى إيران، مؤكدًا: "لا بد من حماية مصالحنا الاقتصادية".

روسيا
لاشك أن الخلاف الأمريكى الروسى مشتعل، فى هذا التوقيت، واتضح ذلك بجلاء بعد الضربة التى قادتها واشنطن ضد أهدافٍ تابعة للحكومة السورية، بداعى استخدام القوات السورية الأسلحة الكيماوية ضد المواطنين فى الغوطة الشرقية.
بالطبع، أدانت موسكو التصرف الأمريكى، الذى جاء بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، وأكدت رفضها للضربة الثلاثية، كونها تحافظ على مصالحها فى سوريا، كما أنها قطعت أشواطًا طويلة فى التعاون مع الرئيس السورى، بشار الأسد، وساعدته بشكل كبير فى القضاء على "داعش"، والمعارضة السورية المسلحة وما يتبعها من فصائل متعددة.
تأكيدًا لذلك، قال السفير الروسى لدى الولايات المتحدة، أناتولى أنطونوف "أسوأ المخاوف أصبحت حقيقة، ظلت تحذيراتنا غير مسموعة، يجرى تنفيذ سيناريو أعدّ مسبقًا، مرة أخرى".
أضاف: "حذرنا من أن مثل هذه الإجراءات لن تمر دون عواقب، والمسوؤلية عنها كلها تقع على عاتق واشنطن ولندن وباريس".
وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، ما أدلى به المسؤول الروسى، حيث أكدت أن الضربة استهدفت عاصمة دولة ذات سيادة تحارب الإرهاب منذ سنوات.
لنأتى هنا إلى قضية الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى مع إيران، ليزيد حدة التوترات والخلافات القائمة بين موسكو والبيت الأبيض.
فبمجرد إعلان ترامب قراره بخصوص هذا الشأن، خرج المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمترى بيسكوف، ليؤكد أن موسكو تعتبر المحافظة على الاتفاق أساسًا لمنع تدهور الموقف، وتعزيز مجالات منع انتشار السلاح النووى.
بيسكوف أكد تطابق الرؤية الروسية مع ما تراه أوروبا، وأشار فى هذا الصدد إلى أن موقف موسكو متطابق مع مواقف عدد من البلدان الأوروبية، التى ترى فى الاتفاق أنه الوحيد لإرساء تعاون فعّال مع طهران، والمحافظة على الوضع الحالى الذى رغم هشاشته فإنه يضمن تنفيذ خطة العمل الدولية الشاملة فى مراقبة نشاط طهران النووى".
الكرملين أشار، أيضًا، إلى انزعاج الرئيس فلاديمير بوتين البالغ من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووى مع إيران.
ومما سبق يمكن اتضاح أن الأمور بين روسيا وأمريكا، ليست على ما يرام، وأن وجهات النظر الأمريكية بعيدة عن السياسات الروسية.

الصين
لاشك أن الخلافات الأمريكية الصينية فيما يخص الملف التجارى بين البلدين، وصلت إلى ذروتها، على إثر إعلان الرئيس الأمريكى فرض تعريفات جمركية على واردت الصلب والألمونيوم لديها بنسبة 10% و25%.
واتهم ترامب، بكين أيضًا بسرقة الملكيات الفكرية، وهو ما يكلف البيت الأبيض مئات المليارات من الدولارات، وتجلى ذلك فى فرض تعريفات جمركية على ما قيمته 50 مليار دولار من الواردات الصينية بسبب "السرقة التكنولوجية".
لم تكتف إدارة ترامب بهذا فقط، بل أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة رفعت دعوة ضد الصين، أمام منظمة التجارة العالمية، واتهمتها بانتهاكات فى مجال الترخيص.
كما أن ترامب، أكد إمكانية فرض رسوم إضافية قدرها 100 مليار دولار على الصين.
بالإضافة إلى هذه الخلافات جاء قرار ترامب بشأن الاتفاق النووى مع إيران، التى تعتبر الصين جزءًا منه، لتبدى اعتراضها بشأن هذا التصرف الذى من شأنه إشعال الصراعات فى المنطقة.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الصينية، قنج شوانج، فى تصريحات صحفية، إن بكين ستحمى الاتفاق، وتدعو كل الأطراف المعنية للتحلى بالمسؤولية.

إيران
ويكفى أن نذكر تباعات القرار الأمريكى بشأن الاتفاق النووى على الحكومة الإيرانية، والآثار السلبية المترتبة عليه بشأن الجوانب الاقتصادية الإيرانية وسياسات طهران، مما ينذر بخلاف إيرانى أمريكى شديد.
فبعد إعلان ترامب القرار، خرج الرئيس الإيرانى حسن روحانى، وأكد أن إيران تلتزم بمعاهداتها، وبما تعهدت به فى الاتفاق النووى الإيرانى، بينما الولايات المتحدة الأمريكية لم تلتزم بالاتفاق على الإطلاق.
وأكد، فى خطاب، أن الولايات المتحدة أثبتت أنها لا تلتزم بالتعهدات، مضيفًا: "علينا أن ننتظر الدول الأخرى فى الاتفاق النووى لمعرفة كيف ستتصرف"، مؤكدًا إجراء مشاورات مع الدول المعنية بالاتفاق النووى.
وجراء القرار، هبط سعر الريال الإيرانى أمام الدولار الأمريكى فى محلات الصرافة، وتم بيع الدولار بـ65 ألف ريال.
وهذا ينذر بموجة ارتفاع جديدة فى أسعار السلع الغذائية، مما سيضاعف معاناة المستهلكين، الذين يشتكون، فى الأساس، من ارتفاع أسعار السلع الحيوية أكثر من 10% خلال العام الجاري، فى ظل أن نسبة البطالة اقتربت 14%.
وإذا تم تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيران، سيحرم اقتصاد طهران من الانتعاش، الذى كان سيتحقق من استيراد قطع غيار الطائرات والسفن لتحديث أسطولها الجوى والبحرى، بالإضافة حرمان طهران من صفقات تجارية خارجية ضخمة.
كما أنه من المتوقع أن يتعثر الاقتصاد المحلى مجددًا، إذ أن العقوبات كانت وراء أكثر من 20% من مشكلات الاقتصاد الإيرانى على مدار سنوات، كان أبرز معالمها بطالة تتجاوز 14%.
أضف إلى ذلك أنه لن يكون بمقدور إيران من الآن فصاعدًا تصدير واستيراد الأسلحة، على خلاف ما كان ينص الاتفاق النووى مع الدول الغربية، مقابل وقف طهران برنامجها النووى المثير للجدل.
فالمشهد العام ينذر بتحقيق رؤية بوش الابن بشأن انعزال الولايات المُتحدة، ترامب يواجه خصوم كثيرة وخلق أعداء متعددة على جميع الجبهات، مما يعزل الولايات المتحدة عن باقى العالم.