مقتدى الصدر
من المعلوم أن الصدر من المغضوب عليهم إيرانيًا فى بلد تتحكم طهران فى كثير من مقدراته وأمور حكمه وسياساته ومشهده العام داخليًا وخارجيًا.
وعلى هذا النحو أن يتقدم الصدر (بعد فرز نصف الأصوات) الذى يقود تحالف "سائرون" فى الانتخابات، فهذا يعنى تراجعًا لنفوذ طهران فى العراق. ورغم أن القصة غير مصرية فى مجملها أو على نحو مباشر، لكن ما يجرى من تغيرات حادة فى الإقليم بصفة عامة، فضلًا عن بلد مهم كالعراق، إنما يؤثر محليًا دون شك.

إن تفوق الصدر الذى أعلن جهارًا نهارًا طلاقه عن إيران، إنما هو انعكاس لرغبة كبيرة من دول سنية مؤثرة كمصر والسعودية والإمارات على تنظيف المنطقة من طائفية سياسية ودينية بغيضة. لقد بدأت دول عربية بشكل مكثف منذ عام، وبطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة، معركة استقطاب الشيعة العرب بعيدًا عن التبعية الإيرانية، ما يمثل تبدلًا حادًا فى تكتيكات المواجهة بين مراكز القوة بالمنطقة. وإذا كانت الرياض وطهران من أعمدة تلك المواجهة، فإن القاهرة لا تقف بدورها كالمتفرج، فالدول المؤثرة سياسيًا وعسكريًا مدعوة فى جميع المعارك دومًا.

إن الدعم العربى للصدر مرده مواقف الزعيم العراقى المشجعة فى السنوات الأخيرة، والتى باتت تنتهج سياسات منفتحة على جميع القوى الإقليمية، وغالبيتها سنية، فضلًا عن جهره وأنصاره مرارًا بضرورة إعلان الانفصال العضوى والسياسى عن التبعية الإيرانية التى تغرق فيها معظم الفصائل الشيعية في بلد دجلة والفرات. بل إن مظاهرات حاشدة معلنة لأنصار التيار الصدرى هتفت العام الماضى أكثر من مرة ضد التدخلات الإيرانية فى العراق، ناهيك بموقف الزعيم الشيعى ذاته الرافض لتغول الدور العسكرى والسياسى لميليشيات الحشد الشعبى الموالية لطهران فى المشهد العراقى، ومن ثم استغلالها الحرب على داعش، فى ارتكاب جرائم وتجاوزات تزيد من هوة الشقاق بين مكونات المجتمع العراقى المتناحرة بالأساس.

على الأرجح، جاءت زيارة الصدر إلى المملكة العربية السعودة وكذا الإمارات الصيف الماضى فى سياق الانفتاح فى العلاقات العربية العراقية فى الفترة الحالية، فيما أن عددًا من الدول العربية بدت أكثر حساسية تجاه السعى إلى احتواء رموز الشيعة العرب، ممن يتخذون مواقف واضحة انفصالية عن التبعية الإيرانية المحرضة على الفتن والفوضى والتربص. المعلومات المعتم عليها فى هذا الشأن، تكشف أن الرياض وبدعم من القاهرة وأبو ظبى على تواصل سرى، أو على الأقل غير متاح إعلاميًا، مع الصدر منذ نحو 3 سنوات، من أجل لحظة الانفصال العلنية تلك عن طهران.

على هذا النحو، بدا هدف زيارة الصدر إلى المملكة والإمارات، وما قيل عن قرب زيارته لمصر، هو بحث الرجل عن سند له لتقويته فى وجه الضغوط الإيرانية، فيما أن البلدان السنية الكبرى التقطت ذلك الخيط منذ اللحظة الأولى، ولم تشأ أن تتخلى عن من يطلب مساعدة جادة وذات تأثير.