البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شوقى علام
قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية إنه لا صحة على الإطلاق لتشكيك بعض الناس على مواقع التواصل الاجتماعى وبعض المواقع الإخبارية فى صحة توقيت الفجر فى مصر؛ بدعوى أن الأذان فى مكة المكرمة يحين فى بعض الأوقات بعد القاهرة.

وشدد مفتى الجمهورية على أن الحق الذى يجب المصير إليه والعمل عليه، ولا يجوز العدول عنه: هو أن توقيت الفجر المعمول به حاليًّا فى مصر "وهو عند زاوية انخفاض الشمس تحت الأفق الشرقى بمقدار 19.5°" هو التوقيت الصحيح قطعًا، وأنه الذى جرى عليه العمل بالديار المصرية منذ القرون الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا، وهو أيضًا الذى استقر عليه عمل دار الإفتاء المصرية فى كل عهودها.

وأضاف أنه التوقيت الذى كانت عليه مصلحة عموم المساحة المصرية منذ إنشائها سنة 1898م، ثم استمرت على ذلك بعد إنشاء الهيئة المصرية العامة للمساحة سنة 1971م، وهى المؤسسة المصرية الرسمية المختصة بإصدار التقاويم الفلكية المتضمنة لمواقيت الصلاة؛ طبقًا للقرار الجمهورى رقم 827 لسنة 1975م، والمعدل بالقرار الجمهورى رقم 328 لسنة 1983م.

وتابع: هو التوقيت الذى استقر عليه المؤقتون وعلماء الفلك المسلمون عبر العصور وفى كل الأمصار، ودلت عليه الأرصاد الصحيحة المبنية على الفهم الصحيح للفجر الصادق فى النصوص الشرعية، وأن ما بين درجتى: 18°، و19.5° من انخفاض الشمس تحت الأفق الشرقى هو التوقيت الصحيح للفجر الصادق المتفق على اعتماده والعمل به فى كل بلدان العالم العربى والإسلامى بلا استثناء.

وأضاف علام أنه على ذلك أجمع المتخصصون من علماء الفلك والهيئة والمؤقتون المسلمون عبر القرون المتطاولة من غير خلاف؛ فاتفقوا على حساب زاوية انخفاض الشمس تحت أفقه الشرقى فيه: ما بين درجتى 18°، و20°؛ حيث حرروا ذلك بمراصدهم العظيمة؛ جماعات وفرادى، من غير زيادة على هذا المدى أو نقص عنه، وقد استقر راصدوهم ومحققوهم فى القرن الثامن الهجرى وما بعده على اعتماد درجة 19° ونقلوا الاتفاق على ذلك، ونصوصهم على ذلك أكثر من أن تحصر، ونصوا على اعتماد علماء الفلك العرب والمسلمين هذه الدرجة، أما علماء الفلك الأوروبيون فقد اعتمدوا درجة 18°.

وأما ما يثار من التشكيك فى ذلك بدعوى أن توقيت الفجر فى القاهرة يسبق أحيانًا توقيتَه فى مكة المكرمة، مع أن القاهرة تقع غرب مكة: فأكد مفتى الجمهورية أن هذا ليس اعتراضًا علميًّا؛ إذ من المقرر فى علوم الفلك والجغرافيا: أن تحديد المواقيت مبنى على خطوط الطول ودوائر العرض معًا، ولا استقلال لأحدهما عن الآخر فى ذلك.

وأوضح المفتى أن خطوط الطول تدل على فوارق التوقيت، ومعدل الفرق بين كل خطين متتاليين أربع دقائق، بينما دوائر العرض تدل على طول النهار؛ فكلما اتجهنا شمال خط الاستواء ازداد طول النهار صيفًا عن نصف يوم، وازدادت الحرارة لزيادة مباشرة الشمس، وفى الشتاء يزداد طول الليل وتنقص درجة الحرارة كلما اتجهنا شمالًا؛ وهذا بسبب طبيعة حركة الأرض حول الشمس؛ فإن محور دوران الأرض يميل بنحو 23.5 درجة عموديًّا عن المستوى المدارى، فيتغير بذلك طول النهار بتغيُّر فصول السنة، حسب دوائر العرض، وهذا يقتضى أن مقارنة خطوط الطول إنما تكون بين المدن الواقعة على خط عرض واحد لتساوى طول النهار فيها.

ولفت مفتى الجمهورية إلى أن مكة المكرمة وإن كانت على خط طول 39.9° تقريبًا، ومدينة القاهرة على خط طول 31° تقريبًا، إلا أنه لا يصلح أن تكون المقارنة بينهما مبنية على خطوط الطول وحدها دون اتحاد دائرة العرض، التى هى مختلفة هنا؛ فمكة المكرمة على خط عرض: 21.4° تقريبًا، أما القاهرة فهى على خط عرض: 30°، وهذا يجعل نهار القاهرة أطول من نهار مكة المكرمة فى فصل الصيف؛ كما هو حاصل فى يوم الاثنين الماضى 28 مايو 2018، حيث بلغ طولُ النهار فى مكة المكرمة بحسب أهل الاختصاص، "14 ساعة و45 دقيقة"، فى حين أن طولَ النهار فى القاهرة قد بلغ "15ساعة و37دقيقة"، ونسبة وقت صلاة الفجر إلى جميع النهار فى كل منهما هى عُشر النهار تقريبًا؛ بما يقتضى زيادة وقت الفجر فى القاهرة عنه فى مكة بنسبة زيادة طول النهار.

وتابع: "إن هذا التفاوت يحصل أيضًا بين المدن فى البلد الواحد؛ كما فى مقارنة توقيت المدينة المنورة بمكة المكرمة؛ فرغم أن المدينة المنورة تقع على خط طول 39.6°؛ أى غربى مكة المكرمة بنحو ثلث درجة طولية، فكان ينبغى على هذا الاعتراض أن يكون الفجر فى المدينة بعد مكة بأكثر من دقيقة، لكن الحاصل أنه فى هذا اليوم الإثنين حان أذان الفجر فى المدينة قبل مكة بتسع دقائق حسب تقويم أم القرى؛ وذلك لأن المدينتين ليستا على دائرة عرض واحدة؛ إذ إن مكة على دائرة عرض 21.4° تقريبًا، والمدينة على دائرة عرض 24.47°.

وأوضح المفتى أن المقارنة إنما تصح بين المدن الكائنة على دوائر العرض المتساوية؛ كمدينة السادس من أكتوبر فى مصر مع مدينة سكاكا فى السعودية؛ فإنهما تقعان على دائرة عرض واحدة 29.9° تقريبًا، وتوقيت الفجر فى سكاكا يسبق مدينة 6 أكتوبر بحوالى نصف ساعة.

وأقرب مدينة مصرية يمكن مقارنتها بمكة المكرمة هى مدينة حلايب؛ فإنها تقع على دائرة عرض 22.2° تقريبًا، وتسبقها مكة المكرمة بنحو خمس دقائق.

وأضاف علام: "لو استعرضنا مثلًا كل المدن السعودية التى تشترك فى دوائر عرض واحدة شرق البحر الأحمر مع مثيلاتها من المدن المصرية غربه: لَمَا وجدنا أبدًا مدينة سعودية على جانب البحر الأحمر الشرقى تسبق مدينة مصرية مشتركة معها فى دائرة العرض على جانبه الغربى؛ كضبا مع الغردقة، والوجه مع القصير، وأملج مع مرسى علم، والأبواء مع شلاتين، وثول مع حلايب.

وهكذا.. فكل مدينتين تقعان على دائرة عرض واحدة، فالشرقية منهما يحين وقت الصلاة فيها قبل الغربية ولا بد".

وحذر مفتى الجمهورية من هذه الدعاوى التى يروجها البعض بحجة تصحيح المواقيت، معتبرًا إياها تنطوى فى حقيقتها على الطعن على العبادات والشعائر وأركان الدين التى أَدَّاها المسلمون عبر القرون المتطاولة؛ من صلاة وصيام وغيرهما، فضلًا عما تستلزمه من تجهيل علماء الشريعة والفلك المسلمين عبر العصور، مع تهافت هذه الدعاوى أمام الحقائق العلمية والمقاييس الجغرافية والظواهر الكونية والفلكية، ولذلك فلا يجوز الالتفات إليها ولا التعويل عليها.

وأضاف المفتى أن الفجر يعرف بعلاماته التى جعلها الشرع أسبابًا دالة عليه، وذلك بانتشار ضوئه المستطير فى الأفق؛ كما بيَّن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بسُنته بيانًا واضحًا، فرَّق فيه بين الفجر المستطير الصادق الذى يدخل به وقتُ صلاة الفجر والذى ينتشر ضوؤه يمينًا وشمالًا، وبين الفجر المستطيل الكاذب الذى هو كهيئة المخروط المقلوب.

وأشار إلى أن علماء الفلك المسلمين والمختصين فهموا فى المواقيت عبر القرون هذه العلامات والمعايير الشرعية فَهمًا دقيقًا، ووضعوها فى الاعتبار، وضبطوها بالمعايير الفلكية المعتمدة، ونقلوا ذلك جيلًا عن جيل، بالوسائل العلمية الصحيحة، والقواعد الفقهية الواضحة؛ بحيث صار التشكيك فى فعلهم نوعًا من الجهل وضربًا من الهذيان.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز