محمود حمدى زقزوق
وتلك الأطروحة ما هى إلا مناقشة علمية حول التوافق فى مراحل التفكير بين الفيلسوف الإسلامى الإمام أبى حامد الغزالى، ورينييه ديكارت، الفيلسوف، والرياضى الفرنسى الشهير، والملقب بـ"أبو الفلسفة الحديثة".
زقزوق حصل على الدكتوراة فى الفلسفة من جامعة ميونخ بعد دراسة استمرت هناك إلى نحو 6 سنوات، إثر إجازته من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر فى مصر، أى أنه صاحب ثقافة مزدوجة، تقارب بين الشرق والغرب وتحاول إيجاد سبيل نحو التوافق والتشابه، رغم اختلاف الأزمنة، وذلك بهدف الوصول إلى عالمية الفكر وشيوعه زمنيًا ومكانيًا.
حاول زقزوق فى كتابه الأهم أن يجد توافقًا فى مسلك كل منهما فيما عُرف بـ"الشك المنهجى"، وجاء بشواهد، ونصوص من مؤلفات الغزالى، وديكارت لتوضح الاتفاق فى خطوات منهج البحث عندهما.
اختار زقزوق، ديكارت، لأنه يحظى فى الغرب بتقدير عظيم، كذلك اختار الغزالى، لأنه فيلسوف قوبل فى الشرق بالجحود والإهمال على المستوى الفلسفى، واتُهم بأنه قضى على الفلسفة فى الشرق قضاءً مبرمًا لم تقم لها بعده قائمة.

ويعتبر الشك المنهجى عملاً تأسيسيًا حاسمًا فى الفكر الغربى، لكنه كان مرتبطًا بالفلسفة الإسلامية قبل ظهور ديكارت بـ 5 قرون.
وأبرز زقزوق فى كتابه تطابقًا مدهشًا بين الأفكار الواردة فى كتاب "المنقذ من الضلال" للغزالى، وكتاب "التأملات" لديكارت، وأكد زقزوق فى مقدمة الكتاب أنه لم يقصد أبدًا من وراء كشفه عن الصلة بين منهجى ديكارت والغزالى التغنى بأمجاد الأسلاف، واجترار الذكريات الجميلة، وإنما، وبحسب ما قال: "نحاول بعقلانية أن نواجه مركب النقص الذى يعانى منه الكثيرون منا إزاء الغرب، وذلك باستعادة الثقة فى أنفسنا وتراثنا بهدف أن يكون ذلك حافزًا لنا إلى الانطلاق من جديد نحو ترسيخ دعائم نهضة فكرية جديدة وبناء فلسفة إسلامية جديدة".
ورأى زقزوق فى كتابه أن الإسلام قام بتوفير الشروط الضرورية لقيام حركة فكرية فى أواسط المسلمين، بل واستطاع الفكر الإسلامى أن يتفاعل مع ثقافات وفلسفات مختلفة، وحتى ما رفضه فلاسفته لم يرفضوه لمجرد الرفض، بل لأنه لا يوافق العقيدة.
واستشهد زقزوق بكلام أبى بكر الرازى فى تعريفه للفلسفة على أنها بناء تشترك فيه الأجيال، ويضيف إليه كل جيل شيئًا جديدًا يمهد السبيل لم يجىء بعده، فالكلمة الأخيرة فى الفلسفة لم يقلها جيل بعينه وإلا أُصيب الفكر بالجمود، وحكم عليه بالعُقم الأبدى.

نقطة الالتقاء التى لاحظها زقزوق بين الفلسفة العربية، والغربية كانت الترجمة، إذ أكد فى معرض حديثه عن تأثير الفكر الإسلامى فى الفلسفة الأوروبية أن العلماء فى أوروبا عملوا جاهدين على ترجمة الفلسفة العربية إلى اللاتينية.
وفى معرض آخر أسهب العالم الذى تولى وزارة الأوقاف فى السابق فى تأثير الفكر الإسلامى فى فلسفة أوروبا الحديثة، إذ قال "تأثر إسبينوزا بالأفكار الإسلامية إما بطريق مباشر، أو عن طريق ابن ميمون، وكذلك إخوان الصفا، وكذلك أفكار ابن خلدون فى فلسفة التاريخ والفلسفة الاجتماعية أثمرت ثمارها فى أوروبا".
الدكتور زقزوق قامة فكرية كبيرة، ولها من المؤلفات فى مجال التقريب بين الإسلام والفلسفة الكثير، ومنها "تصورات الغرب" و"مقدمة فى علم الأخلاق"، و"دراسات فى الفلسفة الحديثة"، و"تمهيد للفلسفة"، و"مقدمة فى الفلسفة الإسلامية"، و"الدين والفلسفة والتنوير"، وهو أمر لم يتوفر لكثير ممن ارتبطوا بالعقل والفكر الإسلامى خلال العصر الحديث.