المهندس مصطفى مدبولى
لعل ما جاء فى خطاب الرئيس السيسى أمام البرلمان هو أول تلك الملامح العامة لسياسة مدبولى فى إدارة الحكومة الجديدة، من خلال الاهتمام بالقضايا التى لا تحتمل التأجيل، لأنها تتعلق ببناء الإنسان المصرى، وفى مقدمتها قضايا الهوية المصرية، وإعادة بناء الإنسان المصرى، وإصلاح وعلاج مشكلات وأزمات التعليم، والصحة، والثقافة، تنفيذًا لتكليفات الرئيس الواضحة والحاسمة التى ركز عليها، حين أكد أن فترة ولايته الثانية سيستهدف فيها بناء الإنسان طبيًا وتعليميًا ودينيًا، على جميع المستويات.
ويبرز القطاع الصحى على رأس القطاعات التى ستقع محل اهتمام الحكومة الجديدة برئاسة مدبولى، من خلال تطوير المستشفيات، البالغ عددها 2258 مستشفى بتكلفة 5 مليارات جنيه، استكمالا لجهود حكومة شريف إسماعيل التى تمكنت من تطوير 2182 مستشفى، إلى جانب استكمال تطوير الوحدات الصحية، التى نجحت الحكومة السابقة فى تطوير 1041 منها فى مختلف قرى الجمهورية، من إجمالى 5314 وحدة للرعاية الصحية.

هذا إلى جانب السعى الحثيث للقضاء على كابوس فيروس "سى" الذى يهدد حياة المواطنين فى كل وقت، واستكمال المسح الطبى الذى بدأ فى أبريل الماضى، من خلال إجراء المسح الطبى لـ6 ملايين و400 ألف مواطن، حيث بات مقررًا أن يستهدف برنامج الحكومة التخلص النهائى من فيروس "سى" فى مصر، من خلال القوافل الطبية ووحدات الرعاية الصحية الثابتة، والتى نجحت بداية من فبراير الماضى وحتى الآن فى إجراء مسح طبى لنحو مليون مواطن فى 3 أشهر فقط، بما يسهم فى الإسراع من الانتهاء من المسح الشامل فى 2022.

ومن الجوانب المهمة فى خطة بناء الإنسان على مستوى القطاع الصحى قانون التأمين الصحى الجديد، الذى يعد إنجازًا لحكومة المهندس شريف إسماعيل، وهو حلم طال انتظاره من قبل فئات كثيرة من المصريين، إذ يأتى القانون حاملا فى طياته خدمات صحية مميزة إلى الشعب المصرى، ويقضى على الإهمال الذى يواجه المريض فى المستشفيات، ليكون إضافة جديدة لمجمل القوانين والإجراءات التى تتخذها الحكومة لضمان راحة المواطن، والذى من المقرر دخوله حيز التنفيذ، فى شهرى أغسطس وسبتمبر المقبلين، بعد استلام المستشفيات وميكنة النظام.

ويحتوى القانون على 67 مادة، ولائحة تنفيذية تفسر تلك المواد، وتتعدد مميزات القانون الجديد، التى يأتى فى مقدمتها علاج الأسرة بجميع أفرادها، كما أن القانون سيضمن اختيار الكفاءات الطبية المؤهلة فى قانون التأمين الصحى، بعد اعتمادها من هيئة الرقابة والاعتماد والجودة.

ولا تقتصر خطة بناء الإنسان فى سياسات مدبولى والحكومة الجديدة على القطاع الصحى فحسب، وإنما تمتد للعديد من القطاعات الأخرى، منها التعليم، فالقيادة السياسية حريصة على بناء المواطن المصرى من خلال تطوير التعليم، وتضعه ضمن أولوياتها، والإرادة فى تطوير التعليم فى مصر وخطة التطوير ليست وليدة اللحظة، وإنما تم طرحها لأول مرة أواخر عام 2014، أى فى بداية الفترة الرئاسية الأولى للرئيس السيسى، وهو ما ستسير عليه الحكومة خلال الفترة المقبلة، من خلال خطوات رئيسية تضمن تطوير المنظومة تحت عنوان "خطة بناء الإنسان المصرى"، وتشمل جميع مراحل التعليم قبل الجامعى، كما تتضمن تدريبات للمعلمين.

ومن المقرر أن تتخذ الحكومة خطوات عدة لذلك بداية من إنشاء المدارس وتدريب المعلمين وتغيير أنظمة الامتحانات وجعلها ترتكز على قياس مدى فهم الطالب للمنهج دون الحفظ فقط من أجل الامتحان.

ومن بين ما هو مخطط لتطوير التعليم تحت عنوان "خطة بناء الإنسان المصرى"، تنفيذ ما قرره الرئيس السيسى بتحمل الدولة تكلفة توفير جهاز كمبيوتر لوحى "تابلت" لكل طالب، والتفاوض مع البنك الدولى لرفع قيمة القرض المقدم لتنمية قطاع التعليم من 500 مليون دولار إلى مليار دولار، خاصة وأن التكلفة الإجمالية ستصل إلى مليارى دولار، ولا يعد الكمبيوتر أو التابلت هدفا بل سيكون وسيلة، وستكون منظومة الأسئلة وتصحيح الامتحانات عادلة جدا ولن يكون هناك مجالا للتظلم عليها، خاصة وأنه تم الفصل بين وضع الامتحان وتصحيحه، كما أن الدروس الخصوصية ستزول، إذ أن هذه الدروس تعتمد على الإجابة النموذجية على أسئلة، وحيث إنه ليس هناك امتحان قومى، لذا فالدروس الخصوصية لن تخدم الطالب فى شئ، وستختفى هذه الظاهرة من تلقاء نفسها، وهو ما ستسعى الحكومة إلى إنجازه فيما يتعلق بملف التعليم.
ومن بين تلك الملامح التى تبرز سياسة مدبولى فى إدارة الحكومة الجديدة، وتبشر بنجاحه فى مهمته الجديدة، نجاحه فى منصبه السابق وزيرا للإسكان فى حكومة المهندس شريف إسماعيل، فقد كان فاعلا ونشطا بشكل وضعه نصب أعين القيادة السياسية حين صدر قرار كُلف من خلاله بتسيير أعمال الحكومة لحين عودة إسماعيل من ألمانيا للعلاج، وقد تم تنفيذ العديد من المشروعات وقت أن كان وزيرا بالحكومة، ويستمر مدبولى فى عطائه بعدما تم تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، فبات من المقرر أن يهتم مدبولى بإنجاز المشروعات الجارية.

ومن بين تلك المشروعات التى يسعى مدبولى إلى إنجازها، مشروع هضبة الجلالة، الذى يعد أحد المشروعات التنموية القومية العملاقة التى بدأها الرئيس السيسى، ويشتمل على مدينة الجلالة العالمية، التى تقام أعلى هضبة الجلالة على ارتفاع 700 متر من سطح البحر، بمساحة 17 ألف فدان، وستكون المدينة كاملة المرافق والخدمات كما ستضم مدينة طبية عالمية، وأول قرية أوليمبية لإقامة الفعاليات الرياضية، ومناطق سكنية سياحية وأخرى لمحدودى الدخل بالاتفاق مع وزارة الإسكان وكذا مناطق خدمية لقاطنى المدينة، وقد ساهم الارتفاع الشاهق لها فى إعطائها ميزة مناخية تتمثل فى انخفاض درجة الحرارة عن مستوى سطح البحر بعشر درجات.
ويتضمن المشروع أيضا إقامة منتجع الجلالة السياحى على مساحة 100 فدان، على شاطئ خليج السويس بمنطقة رأس أبو الدرج، ويضم فندقين أحدهما جبلى يضم 300 غرفة و40 شاليه، والآخر ساحلى يضم 300 غرفة و60 شاليه، إلى جانب مول متطور يتم ربطه بطريق طوله 17 كيلومتر، وتليفريك بطول 6 كيلومترات، بالإضافة إلى مدينة الملاهى واليخوت التى تم تنفيذ 95% منها، وقد بدأ العمل فى مشروع المنتجع منذ شهر أكتوبر 2015، ومن المستهدف إنجازه خلال الفترة القادمة.

أما جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فتقام على مساحة 100 فدان وتعمل وفق أحدث النظم العلمية والوسائل الحديثة، على أن تضم كليات متطورة يحتاج إليها المجتمع المصرى فى تخصصات غير نمطية، وغير موجودة بالجامعات العادية، مثل كليات للزراعات الحديثة، وتكنولوجيا توليد الطاقة الشمسية والرياح وكليات التعدين، بالإضافة إلى كلية للطب، وفى الأخير يتم استكمال طريق العين السخنة - الزعفرانة، الذى يشق جبل الجلالة، فالطريق الرئيسى الذى يربط ما بين منطقة وادى حجول على طريق القاهرة ـ العين السخنة، يبدأ الطريق فى التصاعد حتى قمة الهضبة بارتفاع 770 مترا، ويربط مع طريق بنى سويف ـ الزعفرانة الجديد الذى أقامته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بطول 160 كيلومترًا باتجاهين، ويربط بين بنى سويف على نهر النيل ومنطقة الزعفرانة، ويبلغ طوله 82 كيلومترًا فى اتجاهين وسرعته 120 كيلومترًا فى الساعة، ويتكون كل اتجاه من 3 حارات مؤمنة ضد أخطار الحوادث بأعمال لوجيستية وتخطيط وإرشادات ولوحات داخلية وهو مؤمن أيضًا ضد أخطار السيول.

كما سيتولى مدبولى إنجاز مدينة الروبيكى للجلود، وتوفير كل الإمكانات بأحدث النظم العالمية لها، لا سيما بعد أن بدأ التشغيل الفعلى لـ40 مصنعا كبيرا، مقامة على 50 % من إجمالى مساحة المرحلة الأولى لمدينة الجلود الجديدة، التى تقع على مساحة 173 ألف متر، وبعد الانتهاء من تخصيص إجمالى الوحدات الإنتاجية بالمرحلة الأولى لمدينة الجلود الجديدة بالروبيكى، ويجرى الآن الانتهاء من مراحل التشغيل التجريبى لـ12 مصنعًا آخرين، من المقرر أن تبدأ مراحل التشغيل الفعلى خلال شهر يونيو الحالى، ليصل إجمالى عدد المصانع المنتجة بالمدينة إلى 52 مصنعًا.
ومن المخطط أيضًا إدخال 70 مصنعًا جديدًا مراحل التشغيل الفعلى قبل نهاية العام الحالى، ويجرى حاليا اتخاذ الإجراءات اللازمة لطرح أراضى المرحلة الثانية من المدينة، والتى تقدر مساحتها بـ135 ألف متر مربع، لاستيعاب حركة التوسعات المطلوبة للمصانع القائمة بالروبيكى، وإضافة مصانع المنتجات الجلدية، وأيضا الكيماويات، حيث تم إنجاز أكثر من 90% من أعمال ترفيق المنطقة، وسيتم خلال الشهر الحالى، الانتهاء من كل أعمال الترفيق.

كما يجرى الانتهاء من أعمال التشغيل التجريبى لماكينات المركز التكنولوجى بالمدبغة النموذجية، والذى يعد بما يضمه من أحدث الماكينات والمعدات المتخصصة فى صناعة الدباغة، والتى تصل تكلفتها إلى حوالى 100 مليون جنيه، نواة لتطوير هذه الصناعة المهمة وخدمة صغار المنتجين، بالإضافة إلى التعاقد مع إحدى الشركات الأجنبية الرائدة فى مجال صيانة الماكينات لإنشاء مركز صيانة معتمد لخدمة أصحاب المصانع بمدينة الروبيكى وتوفير خدمات الصيانة الدورية للماكينات وقطع الغيار اللازمة بدلا من إجراء صيانة ماكيناتهم بالخارج، وهو الأمر الذى سيسهم فى تخفيض تكاليف الصيانة وتوفير الوقت، بخلاف إنشاء 3 معامل اختبار تابعين لمصلحة الكيمياء داخل المدينة، الأول لإجراء اختبارات الجلود والمواد الكيماوية، والثانى لاختبارات البيئة، والثالث لاختبارات المياه داخل محطة معالجة المياه بالمدينة.

ومشروع مدينة الأثاث بدمياط، الذى يمثل أحد أهم المشروعات القومية التى تحظى باهتمام القيادة السياسية بهدف دعم هذه الصناعة التى تعد الحرفة الأولى لأبناء محافظة دمياط، ويأتى إنشاء هذه المدينة بهدف تطوير الصناعة الحيوية ومواكبة المنافسة العالمية، حيث يقام المشروع على مساحة 331 فدانا بمنطقة شطا، وهى شركة مساهمة مصرية بنسبة 100%، رأس مالها 5 مليارات جنيه مصرى، ورأس المال المصدر 215 مليون جنيه، منهم 209 ملايين جنيه حصة عينية نصيب محافظة دمياط بقيمة الأرض، التى تبلغ 40% من أسهم الشركة العينية، هى قيمة أرض المشروع، ومن المقرر الانتهاء من إنجاز تلك المدينة، التى توفر بدورها 100 ألف فرصة عمل مؤقتة، و30 ألف فرصة عمل دائمة.

كما سيولى مدبولى وحكومته اهتماما لمشروع الضبعة النووى، الذى سيجعل مصر من أكبر مراكز الطاقة فى الشرق الأوسط، إذ تسابق الحكومة المصرية الزمن فى تنفيذه لتوفير احتياجات المستثمرين فى المشروعات الكبرى، ويعود على المصريين بالعديد من المكاسب، لما يوفره من فرص عمل وزيادة الاستثمارات فى مصر وما يترتب على ذلك من دوران عجلة الإنتاج وانتعاش الاقتصاد.

وتستفيد مصر من الخبرة الروسية فى المشروع النووى، الأمر الذى أسفر عن اتفاقيات عدة مع شركة "روساتوم" لإنشاء محطة الضبعة، والتى أكدت أن مصر لديها طموح لامتلاك برنامجها الخاص للطاقة النووية على مدى عقود عديدة، ومع دخول عقود إنشاء محطة الضبعة النووية حيز التنفيذ، والتى تمثل المحطة الأولى من نوعها فى مصر، أصبح الحلم على بعد خطوات قليلة لأن يتحقق، وستنتج المحطة كهرباء نظيفة وبأسعار معقولة للمواطن المصرى، بالإضافة لتأثيرها الكبير على الاقتصاد المصرى، وتأمين إمدادات الكهرباء لعقود قادمة للنمو السكانى المتزايد فى مصر، إلى جانب مساهمة المشروع فى تنمية البلاد، كما سيفتح المشروع الطموح آفاقًا جديدة فى مجالات وقطاعات اقتصادية بخلاف الإنشاءات والعمليات التشغيلية وصيانة المحطة، وستخلق المحطة نظامًا متكاملًا حول المحطة، مع قدرتها على دعم المشروعات الكبيرة والمهمة فى العديد من المجالات ذات الصلة، وكل هذا سيكون له تأثير اجتماعى هائل، حيث يؤثر بشكل مباشر على حياة المصريين.

أما عن الكهرباء التى تعد معادلة صعبة للغاية، فعلى الدوام تبحث الدولة المصرية عن حلول جذرية لها، ودائما ما تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الكهرباء والنجاح فى ذلك، بل تفكر لأن تكون من ضمن المراكز التى تصدر الكهرباء للدول الأخرى، وقد كان ذلك بما أعلنه وزير الكهرباء بأن مصر والسعودية تعملان على تشغيل خط ربط كهربائى بينهما، يبدأ العمل فيه على أرض الواقع فى 2021، وهو المشروع الذى ستعمل عليه حكومة مدبولى فى مجال الكهرباء، لكونه أكبر مشروع ربط تقوم به مصر بقدرة 3 الآف ميجا وات، كما أن الجانب المصرى أنهى استعداداته للبدء فى المشروع على أرض الواقع.
ولم يكن الاتفاق بين مصر والسعودية هو الوحيد، بل إن مصر أبرمت عقودًا مع قبرص واليونان، لتحقيق الربط الكهربائى، فتمكن قطاع الطاقة الكهربائية من تخطى العقبات، وأنتج 3666 ألف ميجا وات قبل عام 2015، وانتقل من العجز إلى الفائض، ويجرى الآن استثمار 2.2 مليار دولار لرفع كفاءة الطاقة، كما لم تعزف مصر عن القارة الإفريقية فى مشروعات الربط الكهربائى بينها وبين دول القارة، حيث تعتزم القاهرة الربط الكهربائى بينها وبين الخرطوم، لتكون نقطة انطلاق قوية نحو قارة إفريقيا.

وتسعى الحكومة أيضا خلال الفترة القادمة إلى تحقيق خطة التنمية المستدامة متوسطة المدى، والتى تستهدف الاستمرار فى برامج تعزيز قدرات العاملين بالجهاز الإدارى للدولة على نظم الإدارة الحديثة إلى جانب تطبيق فكر الموارد البشرية فى كل الجهات الحكومية، كما أنها تستهدف كذلك ميكنة 100 خدمة حكومية بالمحليات تعمل على تخفيض الوقت المستغرق فى تقديم هذه الخدمات بنسبة 60%، فضلًا عن تطوير إجراءات التقاضى بميكنة 40 محكمة مع تقديم 30 خدمة جديدة على موقع بوابة الحكومة الإلكترونية، إلى جانب ميكنة العمل بـ10 مكاتب جديدة للشهر العقارى والتى تعمل على تخفيض زمن تقديم الخدمة بنسبة 90%.
ويعد ملف الإسكان أحد أبرز الملفات التى سيوليها مدبولى جزءًا كبيرًا من اهتماماته، فقد قطع شوطا كبيرا فى هذا الملف، فكان من بين ما أنجزه القضاء على العشوائيات ولعل خير دليل على ذلك ما جرى فى مثلث ماسبيرو، الذى كان وجعا فى قلب القاهرة، لحين اتخذت الحكومة قرارات جريئة بإجلاء السكان وإعادة إعمار المنطقة بعد هدمها، مع ضمان عدم تشريد الأسر التى غادرت المنطقة، والوقوف إلى جوارهم لحين إعادة بناء المنطقة بعد تطويرها، ومن ثم القضاء على العشوائيات، ومن هنا تبرز استراتيجية مدبولى فى توفير مسكن كريم لكل مواطن، والقضاء على مشكلة العشوائيات إلى غير رجعة، ثم التفرغ لتنفيذ استراتيجية أخرى وهى النظر إلى النسق المعمارى بشكل عام.