دار الإفتاء المصرية
وهو الأمر الذى قوبل برفض شديد اللهجة من قبل مشايخ السلفية، مؤكدين فى فتاوى لهم ملأت مواقع التواصل الاجتماعى، خلال الساعات الماضية، بعدم جواز إخراجها نقودا بل أن الشرع أوجب خروجها حبوب أو طعاما، بحسب فتواهم عبر السوشيال ميديا.
ولم يقتصر هجوم مشايخ الدعوة السلفية على دار الإفتاء، خلال الساعات الماضية، على مسالة جواز الدار لإخراج زكاة الفطر نقودا، بل طال الخلاف حول مقدار الزكاة، مؤكدين أن مقدار زكاة الفطر ليس 13 جنيها بل 18 جنيها، الأمر الذى أثار حفيظة وبلبلة المجتمع، تارة بعدم جواز إخراجها نقودا، وأخرى بتحديد مقدار مخالف لما حددته الإفتاء، معللين فتواهم بأن الصاع من القمح أو الأرز يعادل 2 كيلو جرام وبالمقارنة بين الأسعار، تصل مقدار الزكاة 18 جنيها، على حد قولهم.

فتاوى خلافية بين الدار والسلفيين
وحددت دار الإفتاء، قيمة زكاة الفطر لهذا العام 1439 هجريًّا بـ13 جنيهًا كحدٍّ أدنى عن كل فرد، مؤكدة أن تقدير قيمة زكاة الفطر لهذا العام، جاءت بالتنسيق مع مجمع البحوث الإسلامية برئاسة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لتكون عند مستوى 13 جنيهًا كحدٍ أدنى عن كل فرد، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء المصرية اختارت الأخذ برأى الإمام أبى حنيفة فى جواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقودًا بدلًا من الحبوب.
غير أن فتوى زكاة الفطر، لم تكن الواقعة الأولى فى سجلات الفتاوى الخلافية بين دار الإفتاء والسلفيين، بل سجلت الدعوة السلفية من خلال فتاوى مشايخها العديد من الفتاوى، التى خالفت بها الفتاوى الرسمية، وفى مقدمتهم فتاوى دار الإفتاء.
وبالرجوع إلى سجلات دار الإفتاء، فإن الدار أباحت الاحتفال بعيد الأم وعيد الحب ورأس السنة، وكذلك جواز تهنئة الأقباط، فى حين أن مشايخ الدعوة السلفية حرمت الاحتفال بعيد الحب أو الأم أو رأس السنة وتهنئة الأقباط، على أساس أن للمسلم عيدان" عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك".
الأزهر على خط المواجهة مع السلفيين
ودخل الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، على خط المواجهة مع رموز التيارات السلفية، بالتأكيد على أنه بعد مرور كل هذه القرون على تشريع زكاة الفطر، لا يزال الخلاف والجدل يدور حول إخراجها طعامًا أو نقدًا، وحول الوقت المجزئ لإخراجها، وينشغل بأمرها من يعلم، ومن لا يعلم، حتى رأيت بعضهم نشر على بعض صفحات التواصل تحذيرًا يحذر الناس، ويطلب منهم تحذير معارفهم من إخراج القيمة التى حددتها دار الإفتاء، فهو لا يرى جواز إخراجها نقدًا بل يشترط إخراجها طعامًا كما ورد فى نص الحديث، فإن لم يكن لديه الواجب من الطعام دفع المال لمن يشترى الطعام ويقوم بتوزيعه، مؤكدا أن هذا النوع من اللغط الذى ينشغل به الناس لا يحتمله الوقت، ولا يعود بثواب على فاعله، ولا بنفع على الناس.
وأوضح وكيل الأزهر، عبر صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، أن الخلاف حول إخراج زكاة الفطر من الطعام أو قيمته النقدية قديم معروف عن طلاب العلم، فضلا عن دار الإفتاء، وهى جهة مختصة، وما تصدره حجة بالنسبة لسائر المواطنين، ولا داعى للخوض فى الرد على هؤلاء، ومناقشتهم، وبيان عدم وجود ما يمنع من إخراج القيمة النقدية، ولا داعى لطرح المزيد من الأسئلة الكاشفة لشطط من يشترطون إخراجها طعاما من المعاصرين، وإن كان ورد عن السابقين، فمثلا، ماذا يصنع فقير يسكن فى بئر سلم عمارة، أو على سطحها، فى منطقة راقية بصاع، أو أكثر من القمح، حيث لا طحن ولا خبز، بينما لا يجد هو وأولاده ما يستر أجسادهم يوم العيد؟
وتابع: أولى بهؤلاء ترك الأمر لأهل الاختصاص، الذين لم يمنعوا أحدًا من إخراجها طعامًا، لكنهم وسعوا ويسروا لمن سهل عليه إخراجها نقدًا، لا سيما أنه منقول عن المذهب الحنفى أقدم المذاهب السنية، وأنه يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا، وهو أولى وأنفع للفقراء، وأيسر على المزكين.
وأضاف شومان أنه يجوز الاقتصار على القيمة التى حددتها دار الإفتاء 13 جنيها ومن زاد زاده الله فضلا وأجرا، ومن أراد إخراجها طعامًا فهو جائز بلا خلاف، مطالبا بترك هذا الجدل والانشغال بالعبادة والدعاء وترقب ليلة القدر.

الشهرة والرغبة فى العودة للمشهد
وانتقد الدكتور محمود مهنى، عضو هيئة كبار العلماء، الفتاوى التى خرجت من السلفيين تشكك فى مدى مشروعية الفتوى الصادرة من الجهة الرسمية المنوط لها بالإفتاء دستورا وقانونا وهى "دار الإفتاء" مؤكدا أن الخروج بأقاويل وفتاوى مغايرة لما صدر عن الدار يثير حفيظة وقلق المجتمع فى أمور دينهم، الأمر الذى يهدد الاستقرار والسلم المجتمعى.
وأوضح مهنى، فى تصريحات خاصة، أنه يتعين على السلفيين عدم تصدر مشهد الإفتاء بفتاوى شاذة، وأن يترك الأمر للجهات المعنية بالإفتاء ممثلة فى دار الإفتاء وهيئة كبار العلماء، ومؤسسات الأزهر الشريف، مثل مجمع البحوث الإسلامية، تلك المؤسسات الزاخرة بالعلماء المؤهلين للإفتاء، مشددا على أن الإفتاء صنعة تحتاج إلى أناس مؤهلين ومزودين بمختلف العلوم، الأمر الذى لا يتوفر عند مشايخ السلفية، فهم غير مؤهلين للإفتاء ويقفون عند ظاهر النص.
وتابع: أنه لديه أمل كبير فى خروج قانون تنظيم الفتوى العامة من البرلمان إلى النور خلال الفترة المقبلة، وذلك للحد من ظهور فتاوى السلفية التى باتت خطر واضح على المجتمع، وأن التيارات السلفية تسعى من خلال الهجوم على الفتاوى الرسمية من أجل الشهرة والرغبة فى العودة للمشهد مرة إخرى، مطالبا فئات المجتمع بعدم الامتثال لمثل تلك الفتاوى، وأن نتعلم جيدا البحث عن مصادر جيدة لتلقى المعلومة، وإلا نترك أنفسنا طريق لعودة رموز السلفية للمشهد من خلال الاستماع والعمل بتلك الفتاوى الشاذة.

غياب المظلة القانونية
وبرر الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، ظهور فتاوى السلفية، بأنها راجعة إلى غياب المظلة القانونية التى تعمل على محاسبة كل من تسول له نفسة بالإفتاء فى الناس بغير علم ودون تأهيل أو تأصيل علمى شرعى مستنير.
وأوضح كريمة، فى تصريحات خاصة، أنه من الطبيعى أن يصدر عن مشايخ السلفية فتاوى مغايرة للفتاوى الرسمية، وذلك لأن فتاوى دار الإفتاء تخرج من علماء مؤهلين لتلك المهمة، أما السلفيين فهم جهلاء بعلوم الدين وشريعته، قائلا: لا تنتظر من أمثال هؤلاء سوى الحديث بفتاوى شاذة، لأنهم فى الأساس يفتقدون القدرة على التفسير الصحيح للشرع وعلوم الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية، فالشريعة يستهدف التيسير على العباد والبلاد، وبالتالى من لديه القدرة على إخراج زكاة الفطر طعام أو حبوب فلا حرج فى ذلك، ومن لم يستطيع فعلية أن يبادر بإخراج زكاة الفطر نقودا.

وشدد كريمة، إلى أنه لا بد من معاقبة وتجريم كل الفتاوى الصادرة من السلفيين وغيرهما من أصحاب الفتاوى الشاذة، وأن يسن تشريعات تحرم وتمنع غير المؤهلين للإفتاء أن يتصدور المشهد الإفتائى، وأن تقنن مسالة الفتاوى حفاظا على المجتمع، وللعمل وبقوة على طريق تجديد الخطاب الدينى، فالفتاوى الشاذة من التحديات القوية لاى جهود فى تجديد الخطاب الدعوى.