أبو أسامة المصري
المصرى كان حامل لواء البيعة لداعش فى نوفمبر 2014، فيما أنه تولى عمليات تجنيد واسعة استهدفت شباب الإخوان والسلفيين وجماعة حازمون أواخر العام 2014، أوائل 2015.
ومع تواصل تصفية القادة الحركيين والكبار فى داعش سيناء أصبح التنظيم بلا أجنحة، والأهم بلا عقل.
تمكنت الخطة الأمنية المحكمة من جانب الجيش وبمعاونة الشرطة المدنية من تضييق الخناق على جميع قادة التنظيم، ما أدى إلى شله حرفيًا، وإذا صح نبأ مقتل أبوأسامة المصرى يكون التنظيم فقد ملهمه الأكبر، صاحب الفيديوهات التحريضية والحماسية، ومن ثم سيفقد أنصار بيت المقدس ودواعشه آخر أبواقه السامة إلى الأبد.

السؤال من هو أبوأسامة المصرى؟
المعلومات المتاحة قليلة للغاية، وعليه سنكتفى بالإشارة هنا إلى ما يتبناه الباحث فى شؤون الجماعات المسلحة ماهر فرغلى، الذى قال إن المصرى يلقب بـ"عمدة الدواعش"، وهو صاحب أشهر التهديدات بالقتل لضباط الجيش والشرطة المصرية.
اسمه الحقيقى هو "محمد أحمد على"، ينتمى لإحدى العائلات الكبرى بمدينة العريش بشمال سيناء، وهو زعيم تنظيم أنصار بيت المقدس الذى تحول اسمه إلى "ولاية سيناء" بعد مبايعته التنظيم الإرهابى (داعش).
وفق فرغلى لم تعلن الجهات الأمنية معلومات مؤكدة عن هويته، إلا أن اتحاد قبائل سيناء قال إنه ينتمى لإحدى العائلات الكبرى بمدينة العريش فى شمال سيناء، ويتراوح عمره بين 37 و40 عامًا، وقد ظهر فى عدد من فيديوهات داعش بسيناء وهو يرتدى قناعًا يخفى وجهه فيما عدا العينين.
ويجزم فرغلى بأن الإرهابى العتيد خريج جامعة الأزهر، وكان يعمل قبل 25 يناير 2011 فيما يسمى العلاج بالقرآن، وكان متحدثًا إعلاميًا قبل أن يتولى منصب قائد دواعش سيناء بعد مقتل أبوهمام الأنصارى.

تردد بوكالات الأنباء أن "المصرى" هو من قرأ بيان مبايعة ولاية سيناء لتنظيم داعش الإرهابى فى نوفمبر 2014، لكن حرص التنظيم على عدم إظهار وجهه بالتمويه والتشويه؛ كى يتخفى من الأجهزة الأمنية.
وتابع فرغلى: إن تقارير عالمية ذكرت تلقيه تدريبات عسكرية فى غزة وسوريا، للمشاركة فى عمليات إرهابية فى مصر، بالإضافة إلى مشاركته بالحرب الدائرة فى سوريا لمدة 4 سنوات.
من الثابت أنه تبنى عملية تحطم الطائرة الروسية فى سيناء عام 2015، قائلًا: "نحن من أسقطناها موتوا بغيظكم".

ويشير فرغلى كذلك إلى ما يتردد عن أنه مصاب بالبهاق، وذلك بعد ظهوره فى العديد من مقاطع الفيديو، وهو يتحدث عن التنظيم وشرعية ما يقوم به من عمليات، وبدت على يديه علامات المرض.
ومن مقاطع الفيديو التى ظهر فيها: المقطع الخاص بتفجير كمين كرم القواديس، وفى فيديو آخر وهو يؤم أعضاء التنظيم فى صلاة العيد.
السؤال التالى ما تأثير اختفاء أبوأسامة المصرى عن المشهد داخل ما تبقى من فلول داعش سيناء؟
الإجابة الشافية، سيتواصل تمزق وتشرذم التنظيم وستتصاعد عمليات الانشقاقات فى صفوفه.

والثابت خلال الأشهر القليلة الماضية، أن حرب الدواعش والمنشقين عن التنظم الإرهابى فى سيناء صارت فى أشدها.
وقبل فترة ليست بالقصيرة عاد تنظيم "جند الإسلام"، صاحب الولاء والبيعة للقاعدة، والعداء لداعش وشريعته وخليفته المزعوم، ليعلن عن مجابهته لرجال "تنظيم الولاية"، بفيديو شرس، ولكن هذه المرة يتضمن اعترافات لمنشق عن الجماعة الدينية المتطرفة.
تناول الفيديو المصور، أقوال كادر داعشى سابق خرج عن قسم الولاء للتنظيم، قبل أن يفضح أسرارًا كثيرة كان شاهدًا عليها.
منها أن الدواعش مسؤولون عن عملية مسجد الروضة التى جرت نهاية نوفمبر الماضى، حيث سقط أكثر من 300 ضحية بريئة، إلى جانب الهجوم على سيارات شركة الأسمنت بوسط سيناء وقتل 9 سائقين وحرقها، فضلًا عن تأكيده على العداء التام فى الوقت الحالى بين رجال البغدادى وحركة حماس الفلسطينية.
الفيديو تضمن كذلك شهادة تفيد بوجود مقاتلين أجانب فى صفوف داعش سيناء، إلى جانب انخراط أعضاء التنظيم تحت لواء شباب مغرر به، وكثير منهم يتسم بالانفلات الأخلاقى.
المنشق وصف كذلك أهوال التعذيب التى تصل إلى حد الحبس والاعتداء البدنى والقتل لكل من يحاول الهرب من جحيم الدواعش وبيعتهم السوداء.
على هذا النحو، وعمليًا، خرجت الانشقاقات فى صفوف ما تبقى من دواعش سيناء "تنظيم الولاية" إلى العلن، فعدد المقاتلين فى تناقص، ومن ثم لم تعد هناك رفاهية لترك الحبل على الغارب.
وعليه كان الضرب بيد من حديد على من يسقط متورطًا فى محاولة فِرار من نار التنظيم المترنح، وبخاصة إذا ما صحت أنباء مقتل الملهم أبوأسامة المصرى.

ويبرز فيديو دموى شهير بثته مواقع إلكترونية تابعة للدواعش فى فضاء الإنترنت مطلع يناير الماضى، عملية إعدام منشق عن التنظيم، جراء اتهامه بالتعاون مع حركة حماس وتهريب سلاح وعتاد لها، كنموذج لمحاولات أخيرة من جانب "الولاية"، لإيقاف مسلسل الانشقاقات المتصاعد بين صفوفها.
الفيديو المشار إليه كان متضمنا تهديدًا واضحًا للحركة الفلسطينية، بالإضافة إلى توعد المنشقين عن التنظيم بالقتل.
وظهر فى الفيديو شخص تم تعريفه باعتباره القاضى الشرعى للتنظيم، حيث تلا حكمًا بالإعدام على أحد عناصر التنظيم من الغزاوية، قائلاً: "اليوم سننفذ حكم الإعدام على أحد المرتدّين لتهريبه سلاحًا لكتائب عز الدين القسام، وعشرات الأفراد من منطقة العريش لقطاع غزة".
بعدها باغت الفيديو الجميع، حينما أظهر شابًا عُرف فيما بعد أنه نجل قيادى بارز فى حماس أيضًا انضم حديثًا لصفوف داعش سيناء، صوب فوهة مسدسه تجاه رأس المتهم بالانشقاق والخيانة بالتعاون مع حماس، قبل أن يرديه قتيلًا بهدوء شديد.
على الأرجح، فإن الفيديو الذى بثه تنظيم "جند الإسلام"، جاء ردًّا على فيديو الإعدامات الداعشية.

وعمومًا يعانى داعش فى مختلف ولايته وأفرعه، فى سوريا والعراق وليبيا والمغرب العربى وحتى بمصر والجزيرة العربية، موجات لا تنتهى من الانشقاقات إثر انهيار التنظيم على مختلف الجبهات.
شرعيون كبار ومقاتلون أجانب وعرب وإستراتيجيون يفرون من جحيم التنظيم، أو إن تحرينا الدقة يقفزون من سفينته التى توشك على الغرق نهائيًا.
ويتعامل داعش بعنف شديد مع كل محاولة انشقاق، معتبرًا الخروج عليه نوعًا من الردة والكفر لا يكفّر عنها إلى قتل صاحبها بأبشع الطرق الممكنة.

وبالنسبة للحالة المصرية، وفى حقيقية الأمر، لا تحدث انشقاقات كبرى أو مؤثرة وملموسة فى ولاية سيناء الداعشية، الاسم الأكثر رواجًا لتنظيم أنصار بيت المقدس، فيما أنه يدين بالولاء والبيعة للخليفة المزعوم، أبو بكر البغدادى.
ما يجرى واقعيًا أن التنظيم ينهار بشكل ممنهج، تارة على يد الأمن وضرباته العسكرية المتواصلة والمركزة والمتطورة، وتارة أخرى بيده عبر إصراره على تعديد واجهات العداوة ضده، من قبائل كالترابين، وتنظيمات منافسة تدين بالولاء للقاعدة، كجند الإسلام، أو عبر استعداء المنشقين عنه.
الانشقاق الأضخم كان فى التأسيس، خصوصا فى التحول من كيان سلفى جهادى إلى منصة داعشية دموية.
فى نوفمبر 2014، تحلل ضابط الصاعقة المفصول، هشام عشماوى ورجاله من بيعة التنظيم عبر أبوأسامة المصرى، على خلفية مبايعة الأخير نفسه لداعش، وتحوله إلى ولاية سيناء.
بالتوازى مع ذلك رفضت بعض الجماعات والخلايا التى كانت تعمل تحت مظلة أو بالتنسيق مع أنصار بيت المقدس، السير فى ركابه الداعشية الجديدة، من تلك الجماعات "جند الإسلام".
ولمن لا يعرف، وحسب الباحث فى مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، محمد جمعة، فإنه من أبرز نتائج بيعة "أنصار بيت المقدس" لداعش، انفصال بعض التنظيمات التى كانت قد اتحدت تحت مظلتها من قبل، ومنها جماعة "جند الإسلام" التى تمثل "القاعدة فى سيناء".
وكانت جماعة "جند الإسلام"، وفق جمعة، قد تبنت فى بيان لها عملية تفجير مبنى المخابرات الحربية برفح فى 12 سبتمبر 2013، والذى راح ضحيته 6 شهداء من الجنود وأصيب 17 آخرون ثم اختفت بعدها، ما يرجح أنها كانت قد اندمجت مع "أنصار بيت المقدس"، وانتظرت عامين تقريبا حتى بثت بيانها فى نوفمبر 2015، فى صورة تسجيل فيديو زعمت أنه لبعض عملياتها فى مواجهة الجيش فى سيناء، فضلاً عن تفجير مدرعات تابعة للجيش أو الشرطة، فى بدايته بثت لقطات لجانب من تدريبات عناصر الجماعة، ربما فى إشارة إلى ضمها عناصر جديدة خلال الفترة الماضية، كما ظهر وجود تدريبات بسيارات الدفع الرباعى حملت عليها أسلحة ثقيلة، لتوضح مهارات مقاتلى الجماعة فى حروب العصابات.
وحسب رؤية جمعة، فإنه ربما كان هذا الشريط (الذى تم بثه فى نوفمبر 2015)، رسالة إلى أصدقاء الأمس "أنصار بيت المقدس"/ ولاية سيناء، وليس موجها للحكومة المصرية، بمعنى أن "جند الإسلام" أرادت أن تقول لأنصار بيت المقدس، إنها موجودة وستعود لتنافسها وتتمدد على أرضها فى سيناء.
فيما مثل بيانها الصوتى الأخير الصادر 11 نوفمبر 2017 الذى روى تفاصيل معركة مع الدواعش جرت فى أكتوبر الماضى، إعلانًا واضحًا بأنها قد بدأت الحرب المفتوحة ضد رجال البغدادى أو فلولهم فى سيناء عمليًا.
نفر من رجال هشام عشماوى، ممن انفصل معه عن ولاية سيناء، واستقر لفترة فى الصحراء الغربية وفى محيط الوادى الجديد والواحات، قبل أن ينتقل إلى ليبيا، لينشط تحت مظلات مجالس المجاهدين وشورى المدن المحتفلة، كدرنة وأجدابيا وبنغازى وغيرها، عاد من جديد ليتحرش بأنصار بيت المقدس ولو على نحو غير مباشر.
مثلًا، الذراع اليمنى لعشماوى، الضابط المفصول أيضًا، عماد عبدالحميد، وقبيل مقتله قبل أشهر على يد الأمن على خلفية تورط تنظيمه "أنصار الإسلام" فى عملية طريق الواحات، قد مارس تحرشًا واضحًا بدواعش مصر، بيد أنه نجح فى حث بعض عناصرهم على الانسلاخ من بيعة البغدادى والانضمام تحت لواء الهوى القاعدى، ومن ثم ممارسة فعل الدم على مذهب يخاصم نهج رجال البغدادى.

الأيام القليلة الماضية، أثبتت هشاشة بيت المقدس على نحو لافت.. التسرب العضوى لرجاله يتزايد.. فى هذا الشأن تبدو الفيديوهات المتداولة صوتيًا لعناصر تدعو للتحلل من تبعيته، وبغض النظر عن صحتها من عدمه، إشارة لا يمكن إغفالها لضعف التنظيم وتشرذمه.
لن ينتهى أنصار بيت المقدس نهائيًا ولو انهار تنظيميًا تمامًا.. فكرته ستظل متداولة، وربما ببعض الإلهام.. وعلى الأرجح ستنتهى به الحال لمجرد واجهة مستقرة لدى عدد قليل من السيناويين والمحليين، يضربون من بعيد لبعيد ومن وقت للآخر.
فيما أن عمليات قتل المنشقين عنه، والتى وصلت إلى سيناء ستُبقى عصبه نابضًا بعض الشىء وبخاصة فى صفوف العناصر المرتزقة النشطة تحت لوائه.
لكن غياب القادة الكبار بعد استهدافهم أمنيًا على طريقة أبوأسامة المصرى سيزيد من ضعف التنظيم إلى أقصى درجة.