خط بارليف
وبمطالعة بعض مذكرات قادة حرب أكتوبر من العسكريين الذين تولوا زمام الأمور وقتذاك، ومنهم المشير الجمسى، رئيس غرفة العمليات، أو الفريق الشاذلى، رئيس أركان الجيش خلال الحرب، نجد أن ثمة تحدٍ رهيب واجه الجيش المصرى، وهو كيفية التغلب على حصون خط بارليف، الذى اعتبرته إسرائيل إحدى معجزاتها العسكرية، وظن العالم أنه سلاحها المنيع الذى سيحد من قدرة الجيش المصرى، وستنهار أمامه أحلام المصريين.

خط بارليف هو خط دفاع بُنى على يد الجيش الإسرائيلى، ويتكون من مخابئ خرسانية سميكة، بهدف تحصين نقاط العبور المحتملة على طول الجانب الشرقى لقناة السويس، كى يكون قادرًا على تحمل إطلاق النار الكثيف من الجانب المصرى، وذلك خلال حرب الاستنزاف التى بدأت عام 1967 واستمرت لثلاثة أعوام، كما تشير التقديرات إلى أن إسرائيل استثمرت 300 مليون دولار لبناء هذا الهيكل الدفاعى الرملى الضخم.
يصل ارتفاع خط بارليف إلى 20-25 مترًا، ويوجد وراء الخط بالضبط أول خط دفاع، والذى يحتوى على 22 حصنًا، تتماثل مع 31 نقطة قوية، بحيث تم دعم كل نقطة من هذه النقاط بحقول للألغام، وخنادق، وأسلاك شائكة، وحوالى 26 غرفة محصنة تحت الأرض مدعمات بالأسلحة، تتراوح بين رشاشات ثقيلة إلى متوسطة القوة، فعندما قامت إسرائيل ببناء الخط، أخذت تقريبًا كل التهديدات المحتملة بعين الاعتبار، حتى إنها قامت بتركيب نظام أنابيب تحت الماء، وذلك لضخ الوقود لإشعال القناة، ولصنع موجة من اللهب فى حال حدث أى هجوم.

وعلى الرغم من كل هذه التدابير الاحترازية والجهود المكثّفة لمنع الأطراف الأخرى من تخطى هذا الخط، فقد تم اختراق خط بارليف فى أقل من ساعتين، بسبب عنصر المفاجأة وبمساعدة سلاح بسيط جدًا لم يكن فى الحسبان وهو الماء، حيث استطاع المصريون، بناء على اقتراح اللواء باقى زكى، وباستخدام مضخة ماء بريطانية ألمانية الصنع فى عام 1973، هدم 1500 متر مكعب من الرمال فى غضون ساعتين، مما أسفر عن حدوث 81 ثغرة فى الخط، وفتح المجال أمام القوات المصرية للعبور من خلاله.
وبحسب خبراء عسكريين، أكدوا أن خط بارليف واحد من أكبر الحصون العسكرية الدفاعية فى تاريخ المعارك العسكرية بشكل عام، لافتين إلى أن ما حققه الجيش المصرى يعتبر معجزة بكل المقاييس، وإضافة كبيرة فى سجل العسكرية المصرية المجيد.
وفى حوار صحفى، قال اللواء مهندس باقى زكى يوسف، واصفًا الساتر الترابى المنيع: "الساتر الترابى ما هو إلا كثبان رملية طبيعية وبواقى حفر القنال التى أخرجها ديليسبس وألقاها فى الصحراء شرق القنال، إضافة إلى ما تخلف ونتج عن عمليات توسيع وتطهير القناة، واستغل اليهود كل ذلك وقاموا بتوصيل كل هؤلاء معًا وتم تعليته ليصل لعشرين مترًا وعمقه يترواح بين 8 إلى 12 مترًا، كذلك تم تقريبه من شاطئ القنال، بحيث لا يوجد شط فتحميه القناة ويصعب تسلقه، لأنه كان بزاوية ميل 80 درجة وهى نفس ميل القناة بعدما حفرها ديليسبس، وتم تحصينه بكافة التجهيزات من حقول ألغام وكهرباء، إضافة إلى وجود نقاط قوية مهمتها القيام بالهجمة المضادة بالمدفعية والطيران فى حاله عبور أى دبابة، وبالتالى ونظريًا أصبح من الصعب التفكير فى عبوره بسهولة".

واستقبل العالم النجاح المصرى غير المتوقع فى عبور خط بارليف وهدم حصونه المنيعة، باستغراب كبير وإعجاب أيضًا، إذ لم يكن فى الحسبان أن يحدث هذا التفوق الكبير من جانب مصر، خاصة فى ظل الشك فى إقدام الرئيس السادات على اتخاذ قرار الحرب، وذلك بعد ما أعلن أن عام 1971 عام الحسم، ثم تراجع وانشغل كثيرًا بمبادرات سياسية لتسوية المسألة بالحل السلمى، ولكن جاء القرار مفاجأة للعالم، وكذلك النجاح فى هدم خط بارليف.