البث المباشر الراديو 9090
تميم بن حمد
عندما قررت الدول العربية أن تجتث جذور الإرهاب فى يونيو 2017، بمقاطعة إمارة الشر فى قطر، لم تتردد الجزائر فى أن تكون أول من يمد يد العون للشعب القطرى وحاكمه المعزول، أملاً فى عودة المياه إلى مجاريها يومًا مع إمارة تصدير الإرهاب.

وفتحت الجزائر جسرًا بينها وبين الدوحة لإمدادها بالغذاء وتعويضها بما يسد رمق الشعب المعزول، إلا أن شهور قليلة كانت كفيلة لتكشف الوجه الحقيقى لإمارة الشر حتى مع أصدقائها، حيث سعت الدوحة فى بادئ الأمر لتعكير العلاقات بين الجزائر والسعودية، باعتبارها واحدة من دول المقاطعة، وعملت أبواق الدوحة الإعلامية على الترويج للكثير من الأكاذيب عن دول المقاطعة، والإعلان عن أزمة فى العلاقات بين الجزائر من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى.

علاقات لم تصفو يومًا

والحقيقة أن العلاقة بين الدولتين لم تكن علاقة ودٍّ فى المطلق، لا سيما وأن الدوحة قدمت دعمًا إعلاميًا للجماعات الإرهابية التى نشطت بالجزائر منذ إنشاء قناة الجزيرة فى 1996، ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن تميّزت العلاقة بين الدولتين بنوع من الجفاء الإعلامى، وبالود السياسى النسبى المتغير، ما يعنى ثبات الشق الإعلامى وتغيّر المواقف السياسية.

ويؤكد محللون سياسيون بالجزائر أن معادلة غير سوية حكمت شكل العلاقات بين البلدين، فخلال السنوات الأربع الأخيرة من عمر الأزمة الجزائرية (1996-2000)، كان التدخل القطرى فى الشؤون الجزائرية يصل إلى حد الاستفزاز.

تاريخ قطرى مشبوه فى الجزائر

وحاولت قطر وحلفاء الشر ممارسة ضغط إعلامى باسم منظمات حقوق الإنسان على الجزائر، التى كانت تعانى حربًا شرسة ضد الجماعات الإرهابية، ودائمًا ما انتهجت "الجزيرة" القطرية أطروحات تميل إلى اتهام الجيش الجزائرى، دون نفى إجرام الجماعات الدينية المتطرفة.

عملت قطر آنذاك عبر قناة الجزيرة، ضمن سلسلة تحقيقات ميدانية أسهمت فى عزوف ونفور الاستثمارات العربية والأجنبية عن البلد العربى الشقيق، بل وعملت على تصدير صورة الجزائر على أنها بلد منتج ومصدّر للإرهاب، وكأنها فى صورة أبشع من أفغانستان.

وطبعا كانت المحاولات القطرية البائسة تسعى للمشاركة فى تعميم الفوضى، مثل تصويرها لـ"العلم" الجزائرى مقلوبا، أى أنه ينظر للداخل وليس للخارج، وقال مراسل القناة آنذاك "هذه الحكومة لم تعرف كيف تسيّر علمها، فكيف تسيّر دولة؟".

استفتاء قطرى يدعو للإرهاب فى الجزائر

الأخطر من ذلك أن الجزيرة القطرية طرحت استفتاءً يدعو إلى المزيد من الإرهاب فى الجزائر، وسوقت فيه للسؤال التالى: هل أنت مع العمليات الانتحارية فى الجزائر؟ وعلى الرغم من أنها قوبلت بنقدٍ شديد من الجزائريين إلا أنها لم تعتذر.

ووفقًا لتتبع المحللين الجزائريين للأمر عن كثب، تبين أن إمارة الإرهاب القطرية لم تتوقف عن دورها الإعلامى المعادى للجزائر، حتى بعد انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ففى أبريل 1999 واصلت حملتها المشبوهة ضد البلاد، مما اضطر الجزائر فى 30 يونيو 2004 إلى غلق مكتب الجزيرة بشكل نهائى، وذلك على خلفية حلقة برنامج الاتجاه المعاكس التى اتهمت كبار جنرالات الجزائر بالفساد والعنف، وظل المكتب مغلقا إلى الآن.

تعاون اقتصادى ومحاولات اختراق بالإرهاب

على عكس الجفاء فى مجال الإعلام، فإن العلاقات الاقتصادية تطورَّت بشكل ملحوظ بين البلدين، كما أن العلاقات بين المسؤولين فى الدولتين تميّزت خلال هذه الفترة بنوع من الحميمية، مرفقة بمصالح شخصية كثر الحديث عنها، غير أن تلك العلاقة اهتزت بعاصفة ما سمّى بـ"الربيع العربى" فى نهاية 2010، وبلوغ أوجها فى 2011، خاصة بعد توفر معطيات لدى المسؤولين الجزائريين الأمنيين والسياسيين، تؤكد على قيام قطر بمحاولات متكررة لاختراق الجزائر.

وتطورت الأمر بعد ذلك إلى خلاف حاد بين وزيرى خارجية الدولتين فى لقاءات الجامعة العربية، خاصة فيما يتعلق بالشأن السورى، ولا يزال تطاول وزير خارجية قطر على مراد مدلسى وزير خارجية الجزائر، محفورا فى ذاكرة الدبلوماسية الجزائرية.

ميليشيات قطر فى ليبيا.. ناقوس خطر للجزائر

ولأن الجزائر تعى أبعاد أمنها القومى وترفض التدخل فى شؤون الآخرين، أو التدخل فى شؤونها، فقد كانت ممارسات قطر فى ليبيا جزءً أصيلاً من محاولات تكرار استفزاز الجزائر التى ذاقت الأمرين من جماعات إرهابية دعمتها قطر، حيث رأت عن قرب كيف تدعم قطر الميليشيات المتقاتلة فى جارتها ليبيا، فتلك المساعى القطرية، إلى جانب ما حدث عبر التجربة التونسية، قد يؤثر سلبا على مساعى الجزائر ودورها الإستراتيجى وأمنها الداخلى أيضًا.

قطر تراهن على حل أزماتها عبر الجزائر

ما يؤكده أبناء الجزائر اليوم هو فشل الرهان القطرى على دور بلادهم فى حل أزمة الدوحة مع محيطها العربى، ويرون فى ذلك أسبابًا منطقية من وجهة نظرهم، ترتبط أولا بمطالب الدول المقاطعة لقطر وهى مطالب واضحة ومحددة، والأهم بالنسبة للجزائريين هو مساعى قطر الدائمة لدعم تيار الإسلام السياسى داخل بلادهم، وهو أحد الدوافع الرئيسة لقطع العلاقات مع الدوحة، فى بلد يعانى من الإرهاب ويواجه جيشه حربًا ضروس فى مواجهة ميليشيات داعشية تدعمها قطر على الحدود وفى دول الجوار، وأحيانًا داخل الجزائر نفسها، وكثيرًا ما ضبطت الجزائر عدد من تلك الخلايا الإرهابية.

ورهانات سياسية تؤكد على أن أى علاقة ود إعلامى أو حتى اقتصادى بين الجزائر وقطر لن تدوم طويلا، وهو ما تثبته التجربة كل يوم، فلا الجزائر مستعدة للقبول بأى دور قطرى فى ليبيا أو فى دعم ميليشيات إرهابية على أرضها، ولا قطر قادرة على فك الارتباط بالجماعات الدينية الإرهابية لأنها مكلفة بمهمة دولية فى هذا الإطار تحت أجنحة تركيا وإيران.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز