خروج المسلحين فى سوريا
تحولت المدينة إلى مجمع يضم جميع الفصائل المسلحة التى أنشأتها تركيا ودعمتها ماديًا وتسليحًا كأقصر الطرق لاحتلال المدن السورية عسكريًا وسياسيًا بمساعدة المفاوضات مع بقية الطامعين فى سوريا.
وعلى بعد 60 كيلو مترًا من مدينة حلب تقع مدينة إدلب على بعد 132 كيلو مترًا من اللاذقية، و330 كيلو مترًا من العاصمة السورية دمشق، كما أنها البوابة الشمالية لسوريا التى تطل منها على الجارة الطامعة تركيا.

ووفقًا إحصاء سكانى فى عام 2010، بلغ مكون مدينة إدلب والقرى التابعة لها حوالى مليونى نسمة، من بينهم عرب وكرد والسريان. كما تضم المنطقة خمس مناطق إدارية أساسية هى "إدلب، وأريحا، ومعرة النعمان، وجسر الشعور، وحارم".
إدلب أول من يثور ويحمل سلاح أردوغان ضد الوطن
بطبيعة الموقع والحال، كانت إدلب من أوائل المحافظات السورية التى تظاهرت ضد حكم الرئيس بشار الأسد فى عام 2011، كما كانت أيضًا أول المدن التى انتقلت إلى حمل السلاح ضد النظام مع مطلع عام 2012، ولم تكن مسألة الحصول على سلاح يقاتل الدولة السورية أمرًا صعبًا على تلك المجموعات التى ولدتها وقامت تركيا بتغذيتها بالسلاح، فخرجت القرى والبلدات عن سيطرة النظام السورى، ليخرج علينا ما يسمى بـ"الجيش السورى الحر"، الذى فتحت له تركيا المجال ومنحته شرعية دولية فيما بعد ليتحدث باسم المعارضة السورية.
«جيش الفتح».. طروادة المسميات الخادعة لاحتلال سوريا
وما بين 2012 و2015 تشكلت العديد من القوى والفصائل المسلحة، وكان أولها ما سمى بـ"جيش الفتح" بدعم من تركيا وقطر، ولم يكن أمام أردوغان لتحقيق المطامع التركية فى أراضى سوريا إلا استخدام المسميات الخادعة والعصبيات الدينية، واستخدام أبناء الوطن السورى نفسه كحصان طروادة لاحتلال بلادهم.
وكان جيش طراودة التركى أو "جيش الفتح" يستعد لضم فصائل جديدة بداخله يومًا بعد يوم، فكلما تمكنت الاستخبارات التركية من ضم جماعة سورية جديدة ضمتها إلى "جيش الفتح"، فوصل إلى أن ضم أكثر من 7 فصائل، هي: "أحرار الشام، وجبهة النصرة، وجند الأقصى، وحيش السنة، وفيلق الشام، ولواء الحق، وأجناد الشام".
صراع الفصائل المتشددة
وبعد أشهر من الاشتباكات تمكنت الفصائل المدعومة من تركيا وقطر بفرض سيطرتها بشكل كامل على المدينة، إلا أن الخلفيات الدينية المتعصبة والمتشددة التى قامت عليها تلك الفصائل أدت إلى اندلاع الصراعات بين الفصائل وبعضها البعض، وهناك تكونت "حركة أحرار الشام" بعد انسحاب فصيل "جند الأقصى" من جيش الفتح، واتهامه بأنه عناصره ينتمون لمرتزقة داعش، وهنا كانت لعبة استخباراتية تركية جديدة بين الفصائل وتوزيع الأدوار عليها، حيث تم إغلاق كافة المعابر فى وجه فصيل "جند الأقصى" واستئصاله فى إدلب، والسماح لأفراده بالذهاب إلى مناطق سيطرة داعش.

وبعد صراعات وتفكيك والتئام بين الفصائل وبعضها، اندمجت الفصائل المسلحة تحت اسم "الجبهة الوطنية للتحرير"، وضمت فى طياتها "فيلق الشام، والفرقة الساحلية الأولى، وجيش النخبة، وجيش إدلب، وجيش النصر، وجيش الأحرار".
المخابرات التركية تحارب لتغيير مسار إدلب
وتحت مسميات مختلفة دعمت تركيا المجموعات الإرهابية فى مدينة إدلب، وكانت المعابر الحدودية سبيلاً لدعم تلك المجموعات بالأسلحة والذخيرة، وهو ما دعا سوريا إلى تشكيل جماعات مسلحة جديدة فى جرابلس والباب تحت مسمى "درع الفرات"، ولا يمكن أن ننسى كيف انطلقت أول عملية لدرع الفرات فى 24 أغسطس، وتبعها احتلال تركيا لمدينة جرابلس وريفها، والتى كانت بداية الطريق لسيطرة تركية على المنطقة الواقعة بين مدينتى أعزاز والراعى، ولم تتوقف المطامع التركية عند هذا الحد، فقد دخلت الفصائل المدعومة تركيًا إلى مدينة "دابق" فى 17 أكتوبر 2016، ومنها إلى مدينة "الباب" التى تمكنت من احتلالها بعد أيام معدودة.
والمؤكد أن أطماع تركيا التى تتخطى السيطرة على كافة دول المنطقة العربية وإعادتها إلى حكم العثمانلى، لم تكن لتتوقف عند مدن سوريا "جرابلس" و"الباب"، فقد امتدت طموحاتها إلى عفرين وحلب وباقى المناطق السورية سريعًا، ولهذا الغرض تدخلت المخابرات التركية بالتدريب والتمويل والدعم الكامل لفصائل الجيش السورى الحر حتى تستخدمه رأس حربة لتحقيق مطامعها فى سوريا.

بعد أن احتلت تركيا بعض المناطق السورية بدأت بتقديم الدعم لفصائل الجيش الحر فى المناطق السورية كى تستخدمها لمصالحها الشخصية فى المناطق السورية لأن طموحاتها لم تكن جرابلس والباب فقط إنما امتدت طموحاتها إلى عفرين وحلب وباقى المناطق السورية.
ولم تتمكن قوات أردوغان من التقدم فى أطراف حلب والاقتراب من عفرين بسبب التواجد الروسى، فلجأ الرئيس التركى لإبرام صفقات لإرضاء الطرف الروسى، وعلى إثرها اجتمعت كل من روسيا إيران وتركيا فى قمة أستانا ليتفاوضوا حول تقاسم المناطق السورية.
أستانة.. قوات تركية تدخل إدلب ونقاط مراقبة حدودية
اجتمعت الدول الضامنة لمسار أستانا روسيا، تركيا وإيران فى 15 سبتمبر 2017، وتوصلت الأطراف خلال الاجتماع إلى الاتفاق على إنشاء منطقة خفض توتر فى محافظة إدلب، وفقا لاتفاق مايو 2017، كما كان الاتفاق فى ختام الجولة السادسة من مفاوضات أستانا بشأن الأزمة السورية.

واتفقت الدول الثلاث على نشر مراقبين فى إدلب لضمان احترام وقف إطلاق النار بين المعارضة وقوات النظام، وحينها أصدرت الخارجية التركية بيانًا، قالت فيه إن مراقبين من الدول الثلاث سينتشرون فى نقاط تفتيش ومراقبة فى المناطق الآمنة على حدود منطقة خفض التصعيد بإدلب الخاضعة لسيطرة المجموعات التى تسمى نفسها بالمعارضة، مضيفة أن مهمتهم هى "منع وقوع اشتباكات بين قوات النظام والمعارضة أو أى انتهاك للهدنة".
ونص البيان الختامى للمفاوضات حينها على تحديد مناطق خفض التصعيد فى سوريا كإجراء موقت لمدة ستة أشهر يمكن تمديدها.

بعد اتفاق أستانا بأيام عززت تركيا قواتها قرب الحدود مع سوريا، وبدأت الإعلان عن وصول رتل عسكرى يتكون من نحو ثمانين ناقلة جند مدرعة تابعة للاحتلال التركى إلى الحدود مع سوريا، حيث تمركزت القوات التركية فى منطقة "المخيم القديم" القريب من مدينة الريحانية على الجهة المقابلة لمعبر "باب الهوى" فى ريف إدلب الشمالى.
فيما أدخلت الدولة التركية قواتها إلى نقاط مراقبة توزعت فى مناطق ريف إدلب، سبقها إنشاء نقاط مماثلة توزعت فى ريف حلب الغربى، وهى: "نقطة صلوة، ونقطة جبل الشيخ، ونقطة الشيخ عقيل، ونقطة تل العيس، ونقطة تل الطوقان، ونقطة صوامع الصرمان"

حصار خانق ينتهى بالسيطرة السورية على حلب
وبعد كثير من المساومات بين النظام ومقاتلى المعارضة استمرت سنوات، منذ بداية النزاع فى مارس 2011، خرج الآلاف من المدنيين من حى الوعر، الذى يعتبر آخر مناطق سيطرة فصائل المعارضة فى حمص، وذلك فى الفترة ما بين منتصف مارس ومايو 2017، ما أفسح المجال لقوات النظام لاستعادة السيطرة الكاملة على المدينة.
فى أغسطس 2016، غادرت فصائل المعارضة داريا فى محافظة دمشق بموجب اتفاق أنهى أربعة أعوام من القصف والحصار الذى فرضه النظام على المدينة. وتم نقل مقاتلى المعارضة وعائلاتهم إلى محافظة إدلب فى شمال غربى سوريا بينما سيطر الجيش على داريا.
بعد حصار خانق تمكن الجيش العربى السورى من السيطرة على حلب بالكامل فى ديسمبر 2016، وهى ثانى أكبر المدن السورية، وذلك بعدما تم إجلاء عشرات الآلاف من مقاتلى المعارضة والمدنيين بموجب اتفاق برعاية كل من إيران وروسيا وتركيا.

وكان أبرز إجلاء للفصائل المسلحة من المعارضة فى 15 يوليو الجارى، إذ أجلت الفصائل مئات من المقاتلين والمدنيين من مدينة درعا الجنوبية إلى شمال سوريا أى إلى مدينة إدلب حيث توصّلت المعارضة السورية لاتفاق فى محادثات مع الجانب الروسى حول درعا، يتضمن بدء تسليم السلاح على مراحل، ونشر أفراد من الشرطة العسكرية الروسية قرب الحدود مع الأردن، وبموجب الاتفاق سرت الهدنة فى الجنوب السورى، بينما تسلمت شرطة النظام السورى معبر نصيب الحدودى، فيما تستمر علميات الإخلاء حتى إخلائها بشكل كامل من المسحلين.

إحصائيات رسمية حول إدلب
تؤكد الاحصائيات الرسمية أن عدد كبير من الفصائل المسلحة يتمركزون فى محافظة إدلب، لاسيما وأن أعدادهم تزايدت بعد علمية الإجلاء التى جرت فى المناطق السورية عبر اتفاقيات بين الطرف الروسى والتركى.
ووفقًا للإحصائيات الأخيرة للفصائل المتواجدة فى محافظة إدلب السورية، فهناك 11 فصيل على الأقل يرتعون فى إدلب، وهى كما يلى:
- حركة أحرار الشام الإسلامية: ويبلغ عدد مقاتليها 15 ألف مقاتل، معظمهم سوريون، ولها عدة مكاتب: سياسى، وإعلامى وخدمى، وتشرف على معبر باب الهوى. وتضم الحركة أربع فصائل إسلامية، وهى "كتائب أحرار الشام" و"حركة الفجر الإسلامية" و"جماعة الطليعة الإسلامية" و"كتائب الإيمان المقاتلة".
- فيلق الشام: ويبلغ تعدادهم 8 آلاف مقاتل وله مكتب سياسى إعلامى، ويتبع بشكل جزئى لفصائل "الجيش الحر" وتحمل رايته إلى جانب رايتها، هو تحالف يضم جماعات إسلامية معارضة تشكلت من أجل تعزيز قوة الإسلاميين فى الصراع المسلح فى سوريا، وقد تشكل هذا التحالف من 19 مجموعة مختلفة، كان بعضها ينتسب سابقاً لـ"جماعة الإخوان المسلمين" السورية و"هيئة دروع الثورة".
- جيش المجاهدين: ويضم قرابة ألف مقاتل، وله مكتب إعلامى فقط، ويحمل راية "الجيش الحر" إلى جانب رايته، وهو ائتلاف يضم مجموعات إسلامية تم تشكيلها لمحاربة تنظيم داعش.
- فرسان الحق: وقد تشكل هذا التنظيم عام 2012 يضم قرابة ألفين مقاتل، وهو فصيل من "الجيش حر"، ومتواجد فى كفرنبل.
- فصيل "تجمع فاستقم كما أمرت": يضم ألفى مقاتل، ويحمل راية "الجيش الحر" بالإضافة لرايته.
- صقور الشام: بحدود 6 آلاف مقاتل، يقاتل هذا الفصيل إلى جانب "الجيش الحر".
- جيش السنة: يبلغ عدد المقاتلين فى هذا الفصيل ألفى مقاتل، متواجدين فى بريف حلب الغربى وبريف إدلب.
- تنظيم فتح الشام: الاسم الجديد لمرتزقة جبهة النصرة سابقاً، ويبلغ تعداد مقاتليه 6 آلاف مقاتل، بعضهم أجانب من جنسيات غربية وعربية.
- لواء الحق: فصيل يضم حوالى ألفى مقاتل متواجدين فى سراقب بريف إدلب، وهو مقرب من تنظيم "فتح الشام".
- فصيل جند الأقصى: يضم ألف مقاتل، انضم مؤخراً لتنظيم "فتح الشام"، وهو مقرب من مرتزقة داعش.
- المجلس الإسلامى السورى: يضم المجلس الإسلامى قرابة 40 هيئة ورابطة إسلامية من "أهل السنة والجماعة" فى الداخل والخارج، ومن ضمنها الهيئات الشرعية لأكبر الفصائل الإسلامية فى سوريا، ويترأسه أسامة الرفاعى.

مستقبل غامض واتفاقات تتغير
يدور محور التوقعات حول مناطق الشمال السورى مؤخرًا بأن الجماعات المسلحة باتت محصورة داخل محافظة إدلب، إضافة لريف حلب الغربى وأجزاء من ريف حلب الشمالى،
وبالرغم من الهدنة الموقعة فى مايو الماضى، تبقى سيناريوهات مستقبل إدلب غير واضحة المعالم، لاسيما وأنه لم تظهر عمليات عسكرية ضد أى طرف حتى الآن، بينما تشير الكثير من الأنباء إلى خلافات بين روسيا وتركيا حول مصير مدينة إدلب السورية.
ويشير متابعون إلى أن روسيا التى دخلت على مسار الثورة السورية والتى ساندت النظام السورى جواً وبراً فى المناطق السورية للقضاء على المجموعات والفصائل الإرهابية كادت أن تصل إلى أهدافها الأخيرة وتستعد لعملية عسكرية كبيرة للقضاء على كافة المجموعات التى جمعتها من كافة انحاء سوريا عبر اتفاقيات فى محافظة ادلب.
بينما اضطر الاحتلال التركى ومرتزقته للاستغناء عن العديد من المناطق السورية عبر اتفاقيات مع الروس، ولكنه فى الوقت ذاته يسعى لتعويض خسارته، ويحاول الاحتلال التركى من خلال تواجده فى محافظة إدلب الامتداد إلى ريف حلب الذى استغنى عنه فى وقت سابق، فى محاولة لإعادة الكرة واحتلال ما استغنى عنه من قبل.

مواجهة عسكرية.. نهاية محتملة للعلاقات التركية الروسية
وفى النهاية يبقى مصير محافظة إدلب، التى أصبحت مركزاً للصراعات ومحطة للاتفاقات الدولية فى الشمال السورى بين يدى روسيا وتركيا، وبعد الانتهاء من إخلاء محافظة درعا من الفصائل المسلحة سيتوجه النظام السورى إلى آخر أكبر معاقل تواجد الفصائل المسلحة الإرهابية فى سوريا.
ويشير مراقبون إلى أنه فى حال لم تصل تركيا وروسيا لاتفاقات، أو إن لم تسحب تركيا قواتها من مدينة إدلب، فقد تشهد المنطقة عمليات عسكرية كبيرة تؤدى إلى نهاية العلاقات الروسية التركية علنًا وبشكل عسكرى موجع.